الرئيسية / home slide / سعد الحريري بادر لكنّه لا يُحسد على وضعه!

سعد الحريري بادر لكنّه لا يُحسد على وضعه!

24-09-2020 | 00:58 المصدر: النهار

سركيس نعوم

الرئيس سعد الحريري

لم يعد أحد يعرف ماذا يفعل زعيم “تيّار المستقبل” الرئيس سعد الحريري. إذ شعر بالقوّة واستعادة الدور الفاعل وحتّى المبادرة بعد بدء رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون مبادرته اللبنانيّة في أعقاب انفجار أو تفجير مرفأ بيروت ومحيطه الواسع في الرابع من آب الماضي، كما بعد “تمييزه” و”حزب الله” عن قادة الطوائف والمذاهب بالاجتماعين الطويلين اللذين عقدهما معهم في قصر الصنوبر. علماً أن نسبة التمييز للثاني كانت أكبر لأنّه المُمسك الوحيد بمفاتيح التصعيد السياسي وغير السياسي والتهدئة في البلاد في وقت واحد. ذلك أنّه استطاع إقناع ماكرون بعدم تبنّي مطالب أخصامه بل أعدائه وفي مقدّمها إجراء انتخابات نيابيّة مُبكرة والبحث في موضوع سلاحه المُنتشر في غالبيّة الأراضي اللبنانيّة، إذ كان يريد النجاح فقط في مساعدة اللبنانيّين على مواجهة الجحيم أو كما سمّاه الرئيس عون أخيراً “جهنّم” التي صاروا على أعتابها، كما في استعادة موقع فرنسا الإقليمي بعدما سبقتها روسيا في ذلك، ومعها دولتان مُهمّتان هما تركيا والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. وقد مارس الحريري مع زملائه في نادي رؤساء الحكومات فؤاد السنيورة وتمّام سلام ونجيب ميقاتي قوّته بقبوله تسمية ماكرون مصطفى أديب رئيساً مُكلّفاً، وبالصفات التي وضعها الأخير للحكومة (وزراء اختصاصيّون ومستقلّون في حكومة مُصغّرة من 14 وزيراً). وبدأ يضغط مع حلفائه الألدّاء في كلّ الطوائف على “الثنائي الشيعي” لقبولها. ثمّ صعّد ضغطه بعد مبادرة الأخير إلى رفض المُداورة والتخلّي عن حقيبة المال ثمّ إلى المطالبة العلنيّة بتكريسها للشيعة كي يتساووا مع المسيحيّين الموارنة والسُنّة في التوقيع على المراسيم التي تتضمَّن عقود نفقة. وهذه خطوة اعتبرها السُنّة والمسيحيّون تغييراً لصيغة لبنان وضرباً لاتفاق الطائف وانتقالاً غير مباشر إلى “المثالثة” تمهيداً لجعلها أساساً للصيغة الجديدة مستقبلاً بعد دفن “الطائف”. وقد عبَّر الحريري عن شعوره بفائض قوّة في حينه باستعماله أمام أصدقاء له وقريبين منه لغة قويّة ونبرة عالية يُفيد ما يمكن نشره منها أنّه ينتقم الآن من الذين عذّبوه و”تَمَقْطَعوا” فيه منذ تعاطيه الشأن العام بعد استشهاد والده الرئيس رفيق الحريري. لكنّ شعور القوّة والانتصار الانتقامي وإن مبدئيّاً لم يدُم طويلاً. إذ بدا أخيراً مُحبطاً جرّاء التمسُّك الحاسم والجازم والنهائي بـ”الثنائي الشيعي” بمطالبه الحكوميّة، وبتبنّيه علناً فكرة تغيير النظام وبالتعاطي من فوق سياسيّاً وإعلاميّاً معه ومع شعبه كما مع الشعوب الأخرى وقادتها.
هل هذا ما دفع الحريري إلى الانفراد في إعلان موقف لم يبدُ أن رفاقه في نادي رؤساء الحكومات يشاركونه إيّاه؟ وموجزه: تعيين وزير شيعي مُستقل فعلاً لا قولاً لحقيبة المال يختاره الرئيس المُكلَّف أديب، والتشديد على أنّ ذلك لا يُشكِّل عُرفاً لا يستطيع أحد التخلّي عنه، كما عن المداورة. لا يشكُّ أحد بأنّ شعوره بالإحباط أسهم في عودته إلى “التعقُّل” من دون التخلّي عن ثوابت الموقف السُنّي ورؤساء الحكومات السابقين والموقف المسيحي الذي صار واحداً بعد تبنّي الرئيس ميشال عون و”تيّاره” المُداورة في الحكومة رغم استمرار العداء الشامل بينه وبين “القوّات” و”المردة” و”الكتائب”. لكنَّ الإنصاف يقتضي الإشارة إلى عاملين آخرين دفعا الحريري إلى موقفه الأخير الذي فتح في رأيه الباب أمام حلٍّ توافقي إذا كانت نيّات “الثنائي الشيعي” صافية. الأوّل هو رفضه تطوُّر الخلاف إلى ما لا تُحمد عقباه من صدامات وحوادث واشتباكات مُتفرّقة في الشوارع ومن رؤية الدماء تسيل. وسببه شخصيّته المُسالمة والتسوويّة القريبة من شخصية والده الراحل، علماً أن الأخير تفوّق عليه في العقل الراجح وبالعمل المستمر والمُضني وبالقدرة على التحاور والاختلاف من موقع قوّة مالي وإقليمي ودولي وبتدويره الزوايا، وأخيراً بالتمسُّك بأهدافه الأساسيّة والاستراتيجيّة داخلاً وخارجاً. هذا ما دفع المُتضرّرين منه على تنوُّعهم إلى قتله البعض بالتخطيط والبعض بالتنفيذ والبعض بالصمت المتواطئ. العامل الآخر هو رغبته الشديدة في العودة إلى رئاسة الحكومة لأسباب مُتنوِّعة يعرفها اللبنانيّون وغير اللبنانيّين يتّصل بعضها بالمصلحة الفئويّة والمصلحة الوطنيّة وبمصالح خاصّة. العامل الثالث هو إدراكه أنّ موقعه السياسي داخل شعبه يضعف باستمرار جرّاء تحدّيات عدّة لزعامته، وهذه المرّة من أقرب الناس إليه بالدمّ وربّما ليس بالعلاقة الوديّة شقيقه بهاء. إذ يبدو أنّ الأخير قرّر دخول المُعترك السياسي الذي كان دخله فور استشهاد والده بتسميته خلفاً له، والذي خرج منه بعد 24 ساعة. ويُقال أنّ المملكة العربيّة السعوديّة في حينه اقترحت استبداله بأخيه الذي عاش بين مسؤوليها الكبار بتوجيه من والده مُهتمّاً باستمرار الأعمال بعد دخول الوالد الحياة السياسيّة اللبنانيّة. أمّا العامل الأخير فهو السلبيّة الكبيرة حياله التي أبدتها السعوديّة منذ عهد الملك سلمان بن عبد العزيز ووليّ عهده ابنه الأمير محمد ولأسباب عدّة صارت معروفة. وهي لا تزال مُستمرّة لكنّها صارت شاملة لبنان دولة ومؤسَّسات ورئاسات وحليفٌ كان له المقام الأوّل فيها هو سعد الحريري. فهي لم تُبدِ إيجابيّة حيال مبادرة ماكرون وقبلها. ولا يبدو أنّها ستنتقل إلى الإيجابيّة بعدها سواء نجحت أو فشلت. السبب عجزه عن الوفاء بوعود كثيرة قطعها لها، يتعلّق بعضها بعجزه عن ممارسة سياسة النأي بالنفس عن الصراعات في المنطقة وتحديداً بينها وبين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، التي تقود ضدّها حرباً بالوكالة في اليمن والخليج ولبنان بل في شرق المتوسَّط كلِّه. فضلاً عن استيائها من التسوية أو بالأحرى ربط النزاع الذي أجراه مع “الحزب” للبقاء معه في الحكومة، ولتأمين مصالحه بالشراكة مع كل الأطراف المؤيّدين لها والمُعارضين. والعامل الأخير أيضاً هو سلبيّة أميركا حياله وحيال لبنان جرّاء إخفاقه في تنفيذ وعوده لها وبعضها مُشابه لوعوده للمملكة، وبعضها الآخر أكثر أهميّة وهو إقناع الدولة اللبنانيّة الرسميّة الضعيفة والدولة الفعليّة الأقوى منه بإنجاز ترسيم الحدود البحريّة والبريّة مع إسرائيل. هذا ما دفع كوشنِر ثمّ وزير الخارجيّة بومبيو إلى تقليص احترامهما له. والإثنتان السعوديّة وأميركا تُعاقبانه كما الدولتان اللبنانيّتان المذكورتان بترك شعب لبنان الى مصير قاتم ومجهول. 
في النهاية قد تكون الأيّام المُتبقيّة من الأسبوع الجاري حاسمة على صعيد الخروج من الأزمة الحكوميّة أو البقاء فيها. هذا ما يدفع إلى التريُّث في الحديث عن العواقب والعقوبات كما عن تدفَّق المساعدات.

sarkis.naoum@annahar.com.lb