أسوأ وأسرع انهيار… أزمة لبنان تُطيح الليرة السورية… أزمة لبنان تُطيح الليرة السورية

رجل أمام الصراف الآلي في دمشق (أ ب).

تسابق الليرة السورية العملة اللبنانية على الانهيار، إذ للمرة الاولى في تاريخ سوريا تجاوز سعر صرف الدولار الأميركي الـ 900 ليرة سورية، وسجل أمس في سوقي دمشق 940 ليرة (بيعاً) و920 (شراء) وسط ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وذلك بتأثير مباشر من أزمة لبنان، وتبعات الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات.

فقدت الليرة السورية قيمتها إلى حدّ كبير منذ بداية الاحتجاجات منتصف آذار 2011 إذ كان سعر صرف الدولار 47 ليرة سورية، علماً أن سعر صرف الدولار استناداً إلى النشرة الرسمية للمصرف المركزي السوري هو 435 ليرة. ويتوقع خبراء أن يتجاوز سعر صرف الدولار ألف ليرة في الاشهر المقبلة، علماً أنه لم يكن يتجاوز 600 ليرة حتى أيلول الماضي.

ويعتبر هذا الانهيار للعملة السورية الأسوأ والاسرع في التاريخ الحديث لسوريا، وهو مرتيط على نحو وثيق بما يحصل في لبنان. ذلك أن النظام المصرفي اللبناني كان تاريخياً ملاذاً آمناً لرجال الاعمال السوريين الذين فضلوا ايداع مدخراتهم المصارف اللبنانية التي تعتبر أكثر أماناً وأقل تقييداً من نظيرتها السورية. ومنذ عزلت العقوبات الغربية النظام السوري عن النظام المالي العالمي، مع اندلاع الحرب السورية 2011، اعتمد اقتصاد سوريا على الروابط المصرفية مع لبنان للمحافظة على حركة الأعمال والتجارة، ولجأ أثرياء سوريا الجدد الذين شملتهم العقوبات الغربية الى مصارف لبنان.

ولكن مع القيود التي تفرضها المصارف اللبنانية على سحوبات العملة الصعبة والتحويلات النقدية إلى الخارج، تعذر وصول هؤلاء إلى أموالهم. والاسبوع الماضي، نسبت وكالة “رويترز” إلى ثلاثة رجال أعمال وخمسة مصرفيين في دمشق وفي الخارج إن تدفق الدولارات إلى سوريا من لبنان شبه متوقف.

وقال مصرفي لبناني بارز يتعامل مع حسابات أثرياء سوريين إن “تلك الودائع حبيسة الآن. يمكنك تصور تبعات الأزمة التي تبدأ بالظهور على السطح في الاقتصاد السوري”.

وحتى الآن، يلجأ رجال الاعمال السوريون الى السوق السوداء لشراء الدولار وتحويله الى الخارج، حفاظاً على استمرار الاعمال التجارية.

عوامل أخرى

ولكن الى أزمة لبنان، ثمة عوامل أخرى وراء انهيار العملة السورية.

ففيما يعزو مسؤولون في النظام السوري هذا الانهيار إلى تزايد الاستيراد من السوق الدولية التي تعتمد، بدورها، على العملات الأجنبية، ولا سيما منها الدولار، يورد الباحث الاقتصادي السوري زكي محشي في معهد “تشاتام هاوس” سلسلة عوامل أدت في رأيه الى تدهور قيمة الليرة السورية، في طليعتها الانهيار الاقتصادي الناجم عن الحرب. فبحلول عام 2018 ، قدّرت الخسائر الاقتصادية المتراكمة بنحو 428 مليار دولار، أي ما يعادل ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في سوريا عام 2010. وتسبب الصراع أيضًا بإعادة تخصيص الموارد للنشاطات الحربية الأمر الذي يؤثر على الإنتاجية وتالياً على استقرار الليرة السورية.

وساهم في الازمة التراجع الكبير في الصادرات وزيادة الواردات، علماً أن كل مدفوعات الاستيراد تقريباً تحصل بعملات أجنبية، مما يزيد الضغط على قيمة الليرة السورية.

وفتحت ايران خطوك ائتمان للنظام السوري تقدر بستة مليارات دولار لاستيراد النفط والسلع الاستهلاكية، فضلاً عن الدعم المالي للنظام السوري. لكن محشي يقول إن زيادة الدين لايران قد يساهم في استقرار العملة السورية على المدى القصير، الا أنه قد يزيد الضغط لخفض العملة على المدى البعيد.

واضطلعت العقوبات الدولية المقروضة على قطاعات عدة، بينها الطاقة والتعاملات المالية بدور في تدهور الوضع المالي. ففي السنتين الاخيرتين، شددت الولايات المتحدة عقوباتها باعتمادها قانون القيصر الذي هدف الى عزل النظام السوري، مما أدى إلى رفع قيمة الاستيراد وزاد الطلب على العملات الاجنبية.

وتأثرت أيضاً التحويلات الاجنبية التي تقدر قيمتها بـ5,5 ملايين دولار يومياً اضافة الى الاستثمارات والصادرات الاجنبية.

وكان للسياسات المالية التي اعتمدها المصرف المركزي منذ بداية النزاع أثرها أيضاً، فضلاً عن المضاربات المالية التي عجزت الحكومة عن السيطرة عليها. 

وكما في لبنان، ليس انخفاض قيمة الليرة السورية وتقلباتها العالية، الا انعكاساً للوضع السياسي والاقتصادي الهش في البلاد.

مبادرة دعم الليرة

ومطلع أيلول، التقى حاكم المصرف المركزي السوري حازم قرفول، عدداً من رجال الأعمال السوريين في فندق “الشيراتون” بدمشق، في مبادرة لدعم الليرة السورية قضت بإيداع رجال الأعمال أموالهم بالقطع الأجنبي في حساب خاص، على أن يستردوا ما يعادل قيمة ودائعهم بالليرة السورية وفق سعر صرف يحدده مصرف سوريا المركزي، بعد شهر من تاريخ الإيداع.

ومنتصف تشرين الاول، أعلن عضو غرفة تجارة دمشق حسان عزقول، أن قيمة الأموال المودعة صندوق المبادرة بلغت مليار دولار. كما شهد سعر صرف الدولار تحسناً طفيفاً، إذ انخفض من 660 إلى 623 ليرة للدولار الواحد، قبل أن يعود إلى الارتفاع تدريجاً.

لكن مراقبين شككوا في حجم الاموال المودعة الصندوق، معتبرين أن الأثرياء السوريين الجدد الذين يملكون أموالاً في الخارج لا يميلون إلى اعادتها الى سوريا.

وأبلغ الخبير الاقتصادي ومؤسس ومحرّر نشرة” ذا سيريا ريبورت” الاقتصادية جهاد اليازجي “النهار” أنه لم يكن ثمة جهد جدي من الحكومة السورية لدعم الليرة، وأن المبادرة لدعم الليرة لم تكن جدية، مضيفاً أن الازمة اللبنانية جاءت لتزيد المصاعب تفاقماً.

والى المشاكل البنوية القديمة التي يعانيها الاقتصاد والعجز في ميزان المدفوعات والنقص في الدولارات، رأى اليازجي أن أزمة لبنان ضربت الاقتصاد السوري على مستويات عدة، ليست العملة الا أحدها، موضحاً أن التأثير السلبي طاول “رجال الاعمال المرتبطين بالنظام والذين لا خيار أمامهم الا لبنان”، اضافة الى السوريين العاديين الذين يملكون حسابات في لبنان والعمال الذين يحوّلون أجورهم الى عائلاتهم.

monalisa.freiha@annnahar.com.lb

@monalisaf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*