الرئيسية / home slide / “سرد التاريخ في لغة القانون”

“سرد التاريخ في لغة القانون”

11-01-2023 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

بيروت (أرشيف “النهار”)

“الموقف شيء صغير يحدث فرقاً كبيراً”
تشرشل

تعوّدنا مع السنين الطويلة ان وضع كتاب عن تاريخ #لبنان امر شاق ومعقّد وصعب وشبه مستحيل. غير ان كثيرين يرفضون التسليم بهذا الرأي، أو الرؤية، ويصرّون على التوصل الى كتاب مدرسي موحّد يقرأه الاطفال ويحفظه اليافعون ويقبله الجامعيّون ولو على مضض. كاتب هذه السطور من الفئة الأولى. فالوطن المسمى لبنان، مرة كبيراً ومرة صغيراً. قائم في تاريخ، متحارب وفوق جذور متقاتلة، وهو على صغره يمثل التناقضات الأكثر عمقاً في البشرية. أرض موزعة ما بين المسلمين على مذاهبهم، والدروز على منابعهم، والمسيحيين على احزانهم وشقاواتهم، لذلك، الأفضل للجميع بقاء الوحدة السياسية ولو ضعيفة، على توحيد الثقافات، ولو ثابتة. وأنا من الذين يفضلون التكاذب المؤدّب والمهذّب على صراحة الفجور ووقاحة الاغبياء والرغبات المريضة، التي تظهر في كل الاوقات على شكل مقترحات سقيمة، فارغة، خالية من اي مشروع قابل للحياة.

“الخيار والقدر” للدكتور ابراهيم نجّار، احد اجمل وارقى وأصدق الكتب التي أَرَّخت للبنان الحديث، وفي صورة خاصة للمرحلة التي بدأت مع #حرب 1975 ولم تنتهِ حتى الآن، ولا يبدو انها ستنتهي قريباً. كان ابراهيم نجار، الوزير والاستاذ الجامعي والخبير القانوني، في قلب القدر وفي قلب الخيار. وقد اختار، بعكس ما توحي به بيئته، الانتساب الى حزب الكتائب والبقاء فيه، فيما تخلّى عنه كثيرون، منهم من خرج عليه، ومنهم من اكتفى بالخروج منه. هوية الرجل معقدة مثل الوطن الذي أحبّ. فهو ماروني الولادة، ارثوذكسي الانتماء، شمالي من طرابلس والكورة، علماني تتلمذ عند الرهبان في عينطورة، بورجوازي اقرب الى الثراء، وعمّالي بقدر.

في سيرته الذاتية يروي ابراهيم نجار سيرة لبنان والساعات الرهيبة التي لا يزال يتداولها الخوف، ويتناوبها اليأس وتواري الآمال. كتب هذه السيرة بدقة رجال القانون، واكاد اقول بدقة “الكتّاب العُدول”، فما من تفعيل يمكن اعتباره بسيطاً أو عَرضيّاً. كل شيء في الجوهر وفي الأساس، ولكن كل شيء ايضاً في موضوعية مذهلة بالمقارنة مع ما صدر من كتب ومؤلفات وتحليلات ومحاضرات ودراسات، حول هذه المرحلة البادئة مع الاستقلال.

خلافاً للقاعدة شبه العامة التي سخر منها جورج برنارد شو بقوله “#التاريخ يعرف جيداً كيف يكذب”، فإن التاريخ عند ابراهيم نجار يُشبه الى حد بعيد سر الاعتراف. فهو لا يترك شيئاً دون ذِكر، ولا مسألة دون رأي، ولا حواراً أو لقاء دون وثيقة.

بذلك تبدو استعادة التاريخ مزيجاً من متعة القراءة ونضارة السرد. في الوهلة الأولى تعتقد ان الرجل يكتب عن اشياء تعرفها ومررت بها ومرت بك. ثم تكتشف انك على خطأ وأن لديه ما يروي مما لا تعرف عنه شيئاً. سواء في الأحداث أو في الرجال، أو في كليهما. وهو كعضو في المكتب السياسي لحزب الكتائب عاش المراحل الصعبة والمتحوّلة، من داخل البيت. وكان قريباً، على ما يبدو، من جميع افراد “العائلة المقدسة”: الشيخ بيار الأب، ومن ثم الرئيس بشير الجميل، الذي اغتيل قبل ان يقسم اليمين الدستورية، ومن ثم الرئيس أمين الجميل الذي تم التوافق آنذاك بين قادة المسلمين والمسيحيين على ان الرئاسة يجب ان تؤول اليه. في هذه الساعات بالذات يكشف ابراهيم نجّار سراً آخر من الاسرار التي أطلعه عليها حليم معماري، المستشار الشرقي في السفارة الاميركية، إذ قال له ذات يوم ان بشير الجميل هو الرئيس المقبل، لكنه سوف يُقتل قبل موعد الرئاسة، وان الشياطين التي تتربص به افلتت من عقالها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب 1975 كانت لدى ابراهيم نجار قناعة بأنها ليست حرباً بين المسيحيين والفلسطينيين وإنما (اصبح لبنان ضحية) ازمة شرق اوسطية تتداخل فيها عناصر اقوى بكثير من ضعف البلد الصغير وقدرته على مواجهة البراكين المتفجرة من داخله ومن حوله. كما اعتقد بأن الحرب اللبنانية لم تكن يوماً نزاعاً طائفياً، وإنما تَصارُع نفوذ وحرب بالواسطة “بأدوات لبنانية على أرض لبنانية”.

لا يصدق ان الحرب كانت لبنانية في اي وقت. إنها حرب دولية بكل تأكيد. ولكي يُثبت نظريته حول الحرب الدولية يقول: “كلما أتى هنري كيسينجر، وكوف دو ميرفيل، ودين براون، في فترات متباعدة قبل الحرب. وفي سنيها اندلعت جولات القتال واحدة بعد الأخرى.

كلما جاء واحد من هؤلاء وسواهم من وزرائهم، ولسبب لم نكن نعرفه، نجد ان هذا الفريق في الحرب اللبنانية، أو ذاك، يتضرر من الزيارة، فيفجّر الاوضاع الداخلية. مرة عبر اسرائيل، وأخرى عبر سوريا، وثالثة يتولاها الفلسطينيون انفسهم”. ويكشف عن اعتقاده بأن بشير الجميل كان قد بدأ الاتصال بالاسرائيليين، وأن الاميركيين كانوا يعارضونه في ذلك بعنف. ويروي ان المستشار الأول في السفارة الأميركية كان يُكثر في الانتقاد لبشير، وحاول تقييد حركته، “ورأى في تصرفات القائد الشاب الكثير من الغباء السياسي والمغامرة والتهور العسكري”. ويروي ان المستشار مورهد كينيدي زاره في مكتبه وهو في حالة عارمة من الغضب وقال له وعيناه جاحظتان: “اريد أُن اُبلغ إليك مسألة اتمنى ان تثار. على بشير الجميل ان يصمت”. يسأله ابراهيم نجار لماذ لا تقول له انت ذلك؟ فيجيب: “الادارة الاميركية تعتبره شخصاً غير مرغوب فيه”.

يعتبر المؤلف ان الحرب الاهلية لم تبدأ في عين الرمانة وإنما بدأت قبلها بشهرين في صيدا عندما قامت تظاهرة اصيب فيها النائب معروف سعد، الذي عاد وتوفي بسبب الجرح البالغ. وما لبث ان قام في البلد مشهد سياسي واضح الملامح “ومثير للقلق”. المسيحيون مسلّحون، ومعهم الجيش، والفلسطينيون مسلحون ومعهم المسلمون”. لكن الأدهى كانت النزاعات المسيحية – المسيحية، التي تفجرت في تلك المرحلة من البداية الى النهاية. بسبب علاقته العائلية مع بيت فرنجية، يقدم رواية اكثر دقة عن المجزرة التي ضربت اهدن وراح ضحيتها النائب طوني فرنجية وزوجته وابنته. ويطرح الكثير من التساؤلات حول تلك المجزرة بعد أن يروي اسبابها على اثر مقتل المسؤول الكتائبي جود البايع. ويرى ان المسيحيين انفصلوا منذ ذلك اليوم الى فريقين، هما: مسيحيو الشمال والمسيحيون الآخرون. ويعوّل على دور فرنسا في الازمة الراهنة معتبراً انها لن تتخلّى عن لبنان، ومتخوفاً في الوقت نفسه من بعض المواقف التقسيمية التي ظهرت في الآونة الاخيرة، خصوصاً تحت ستار الدعوات الى الفيديرالية واللامركزية وغيرهما من مسمّيات شاعت عشية الحرب. ويقول ان هذه الموجة من الفكر السطحي والتفكير القروي، عادت اليوم الى الظهور على نحو متواتر ومتوتر. والمأساة كانت دوماً هذا النوع من المتسلطين على الخيارات والأقدار.

متعة سيرة ابراهيم نجار، لكنها ليست فرحاً. بالعكس، هي سيرة احزان لا نهاية لها، مثل تغريبة بني هلال. وهي حكاية اخفاق تراجيدي قائم الفصول قاتم الخواتم. مسيحيون يسعون الى شرعة جذورهم في الشرق، يسرق احلامهم المدَّعون والمزيّفون ووحوش الطمع. ربما لا يدري انه قدّم لنا عرضاً مسهباً لنموذج اللبناني المحظور الوصول. كل ما فيه سبب لرفضه. علمه وخلقه وترفّعه واستنكار العنف والعداء والضغينة.

“الخيار والقدر” شهادة مريعة على ما فعله الآخرون بلبنان، وعلى ما فعله به اللبنانيون، أو حَمَلة الهوية، مباعة أو مشتراة!..