الرئيسية / مقالات / سردية الثورة السورية والبعث

سردية الثورة السورية والبعث

 


إيلي عبدو
Feb 01, 2018

فائض أخلاقي كبير تملكه الثورة السورية، يمنح المدافع عنها الكثير من الحجج لتقوية موقفه، لكنه في الوقت نفسه، يساعد على بناء سردية مغلقة، صلبة غير قابلة لفتح أي ثغرات تعطي مساحة لحساسيات أخرى، تمثل مصالح شرائح مجتمعية على قاعدة تتجاوز انقسام، مع النظام أو ضده. والأخير أنتج وعي الثورة لذاتها، انطلاقاً من نزعات شديدة التركيب يحضر فيها الاضطهاد الطائفي والتهميش الاقتصادي وإهمال الريف ومركزة السلطة وسواها.
والوعي هذا يحضر حتماً في علاقة أي جماعة مع النظام السوري، بمعنى أن الجميع لديهم مشكلة مع طبقة الاستئثار الأسدية، لكن لكل من هذه المشاكل سياق مختلف عن الآخر. ومفهوم الجماعات هنا قد يتدرج من الهوياتي إلى المصلحي، أي من الطائفة إلى الطبقة، من السنة والدروز والمسيحيين إلى سكان الأطراف والعشوائيات المفقرة. وعليه، النظام واحد في بنيته وهيكليته، لكن معارضته المجتمعية كثيرة ومتنوعة، وهذا تحديداً ما أغفلته سردية الثورة، إذ ركزت على الجزء الأول من المعادلة وأهملت الثانية. والإهمال سريعاً ما تحوّل إلى لوم لكل من لا يعارض النظام وفق ترسيمة سياسية، تشهر بشكل ممل شعار إسقاط النظام لتحقيق الديمقراطية، ولا تقدم أي آليات لتطبيقه، على مجتمع لا تتشارك الجماعات فيه طبيعة الخصومة مع النظام الواجب إسقاطه. السردية تلك، جرى تصنيعها تدريجياً، فمع كل تحوّل، وجِد سياسيون وكتاب، يتحصنون وراء موقف صارم يتذرع بـ»رفض التنازلات» وقراءة الأحداث على ضوء هذا «المبدأ» الذي ضيّق دائرة مؤيدي الثورة وحصرها بمن يتوافق مع هذه السردية ويدعمها. ما أوصلنا إلى استعصائين، الأول، عدم الحماس للبحث عن جسور تواصل مع الجماعات التي تتعدى مشاكلها مخاصمة الأسد، نحو طبيعة موقعها في الكيان السوري. كما أن السردية الرديكالية الطاردة لكل ما لا ينحصر بمعارضة النظام، باتت معياراً صلباً أوقع السياسيين الذين يفاوضون لتحصيل حقوق جمهور الثورة بمأزق، حيث بات تخوينهم مع كل استحقاق تفاوضي، روتينا يوميا، وهو ما يمكن أن نسميه الاستعصاء الثاني.
ولعل التعامل مع المسألة الكردية، لا يخرج عن إطار هذه السردية، ذاك أن مشكلة الأكراد ليست مع نظام الأسد فحسب، بل هي مع العرب أيضاً، وعلاقتهم مع الكيان السوري، وبدل التنبه إلى ذلك وتقديم تنازلات لمعالجته، استخدم منظرو السردية الثورية عدتهم التي تحوّلت إلى أيديولوجيا لإبعاد الأكراد أكثر وتحويلهم إلى «خونة». وإن صح هنا التذكير بسوء أداء الأحزاب الكردية واستعجالها الطرح الفيدرالي وربط أجندتها بجهات تتواجد خلف الحدود، فإن هذه الأخيرة باتت أقوى في شارعها، لأن الطرف المقابل لم يقدم أي طرح مقنع، وانتظر الآخرين أن يسلموا بروايته للخصومة مع النظام بدون التنبه لما يتعدى ذلك.
والحال، فإن المسألة لا ترتبط بالأكراد وحدهم، بل بمختلف الجماعات والحساسيات السورية التي باتت خارج الثورة لأسباب تتعلق بالدرجة الأولى بخياراتها وبدرجات أخرى بسردية الثورة. والأخيرة انتهت فعلياً في 2012 ودخلنا طور الحرب الأهلية، حيث اتخذت خيارات الجماعات سلوكيات عنفية وجب فهمها في إطار هذه الحرب، وليس لتبرير سردية تتلطى بالاخلاق، فيما جذرها المعرفي بعثي يفسّر الوقائع والأحداث في اتجاه واحد، محدد وصلب، ولا يقبل رواية أخرى تخفي مظلمة غالباً ما تكون أسبابها متعددة.

٭ كاتب سوري

اضف رد