الرئيسية / home slide / سخرية المصريين من حُكامهم: ما بين الانتقاص من هيبة السلطة وقِلة الحيلة

سخرية المصريين من حُكامهم: ما بين الانتقاص من هيبة السلطة وقِلة الحيلة

محمد عبد الرحيم 0 حجم الخط

يُعرف المصري بأنه (ابن نُكتة) ويتفنن في التحايل على بؤس معيشته بالسخرية، بداية من نفسه وحتى رأس الدولة. وكثيراً ما أقلقت النُكتة الرؤساء، وكانت بمثابة مقياس صادق للرأي العام والمزاج الشعبي، بعيداً عن تقارير رسمية وأصوات إعلامية متواطئة. ولذلك سخّرت الدولة المصرية أجهزتها للكشف عما يدور في ذهن الشعب، وإحصاء ما يقوله من نِكات، بل تحليلها وعرض البعض منها على رئيس الدولة ذاته، خاصة إن كانت تمسّه شخصياً، نتيجة فعل أو قرار أو سلوك خاطئ ارتكبه هذا الرئيس أو ذاك.
من ناحية أخرى اتخذت حالة السخرية هذه عدة أشكال تطورت مع الزمن ـ بخلاف النكتة سريعة الانتشار ومجهولة المصدر غالباً ـ كالرسومات الصحافية، وصولاً إلى الكوميكس والغرافيتي، الذي كان مُعبّراً عن الثورة المصرية في 25 يناير/كانون الثاني 2011، وكذلك العبارات الساخرة أو الصورة فقط، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وتويتر. إضافة إلى المقاطع الساخرة التي يصنعها المواطنون ويبثونها من خلال اليوتيوب، وكذلك البرامج الساخرة المستوحاة من البرامج الأمريكية، كـ»البرنامج» و«جو شو» وغيرها.

النظام المبجل

وبما أن المصري دوماً مُبتلى بحكامه، ففكرة النكتة لن تنضب، حتى إن خبت في بعض الأوقات، ولن نتعرض إلى تاريخ التنكيت الطويل، الذي لا يختلف عن تاريخ المصريين، منذ الفراعنة وحتى يومنا هذا، وسنقصره على (الحالة الجمهورية) التي عاشتها مصر ولم تزل منذ انقلاب 23 يوليو/تموز 1952 حتى الآن. ورغم العديد من التفسيرات المرتبطة بـ(النكتة) مفهوماً ودلالة، بأنها بديل عن الغضب، وتفريغ للحالة، أو تحليل عميق وتلخيص لأوضاع سيئة، أو أنها في الأول والأخير قِلة حيلة أمام جبروت نظام قاسٍ لا يرحم، إلا أن الحالة المصرية تمثل محاولة للالتفاف وانتقام الخائف من نظام يرى نفسه مُجسداً للقوة، لكنه في الحقيقة أضعف بكثير من الذي يحكمهم.
يُذكر أن هناك الكثير من الدراسات والمؤلفات تعرّضت لسخرية المصريين من حكامهم، رغم تباينها ما بين الجدية والكتابة الصحافية الرخيصة، المُتمَحِكة بالعقلانية والمنهج العلمي، وعلى رأسها كتاب عادل حمودة «النكتة السياسية». أما المؤلفات والمقالات الرصينه، فمنها.. «الضحك والسخرية عند المصريين القدماء» لمختار السويفي، «الفكاهة في مصر» لشوقي ضيف، «الشعر الشعبي الساخر» لمحمد رجب النجار، «كيف سخر المصريون من حكامهم» لعمرو عبد العزيز، «العيب في ذات أفندينا» ليونان لبيب رزق، «النكتة السياسية وأثرها على الثورات الشعبية» لعمر يحيى، وأخيراً وليس آخراً ـ أحد أهم مصادر المقال ـ كتاب «جمهورية الضحك الأولى» لطايع الديب، الصادر عام 2019.

عبد الجبار

هو الاسم الذي اشتهر به جمال عبد الناصر، وقد دارت معظم النكات حول مدى ديكتاتوريته وتسلطه، فهو الواحد الأوحد صاحب الرأي الصائب، ولا صوت لمعارضة، أو أي رأي مختلف، لذا جاءت النكتة التي طالت من هيبته، بداية من سياسة المساواة في الفقر، وصولاً إلى هزيمة 67.
بداية نجد حادثة دالة يُشار إليها دوماً، وهي أنه أثناء الاحتلال البريطاني لمصر ظهرت ما سُميت بـ«المضحكخانة» وهي عبارة عن مقهى في منطقة باب الخلق، يجتمع فيها يومياً عدد من الظرفاء، ويقال إن أحدهم كان ضابطاً في الشرطة المصرية، ومنها تطير النكات اللاذعة منتشرة على ألسنة الشعب، ولم ترحم هذه النكات لا الحكومة ولا الإنكليز ولا السرايا، وكثيراً ما أغلق الجيش البريطاني المقهى، واعتقل روادها بتهمة السخرية من جيش بريطانيا العظمى. وبعد انقلاب يوليو 1952 انطلقت النكات كرد فعل طبيعي على قمع الدولة البوليسية، فقام نظام يوليو بهدم (المضحكخانة) وبنى مكانها مديرية أمن القاهرة، فقال الشعب وقتها: «عبد الناصر قرر تأميم النكتة».
من ناحية أخرى يقول رئيس جهاز المخابرات في عهد عبد الناصر (صلاح نصر) في كتابه «الحرب النفسية.. معركة الكلمة والمُعتَقَد» الصادر عام 1966.. «لا مجتمع بلا نكتة، ولا نكتة بلا سبب، فالنكات تفسر كثيراً من أخلاق المجتمع وسلوكه ومعتقداته وأمانيه ومتاعبه ورغباته… ولقد قام الاستعمار والرجعية بترويج الكثير من الشائعات العدائية ضد نظام الحكم في مصر، في شكل نكات بذيئة، وتضافرت جهود أعداء الوطن على نشرها بين الناس». فصاحب النكتة ومروّجها بداية تم تصنيفه كعدو للوطن. صلاح نصر نفسه كان يُلقي النكات في جلساته الخاصة على عبد الناصر والسادات، قائلاً «شوفوا الناس بتقول إيه على عبد الجبار وتابعه أبو الأنوار».
وتناولت نكات تلك الفترة أثر قرارات مثل التأميم، والمرتبات المتدنية، وحالة الفقر عموماً، لكنها تحولت وأصبحت أكثر قسوة بعد فضيحة 67. ومن أشهر هذه النكات.. أن رجلاً عاد إلى منزله وقد اشترى سمكة، وقال لزوجته أن تقليها، فقالت له لا يوجد زيت، فطلب منها أن تشويها، فقالت لا يوجد فحم، فطلب أن تسلقها، فقالت له لا يوجد وقود للبوتاجاز، فذهب وألقى بها في النيل مرّة أخرى، فصاحت السمكة في سعادة: «يحيا عبد الناصر». كذلك كان رجل يسير في الشارع رافعاً يديه إلى السماء صارخاً: منك لله يا عبد الظاهر، خربت البلد يا عبد الظاهر، اليهود احتلوا سينا يا عبد الظاهر. فسمعه أحد المخبرين، فأمسكه وأوسعه ضرباً، قائلاً: وكمان أهبل ومش عارف إسم الريّس!

أبو زبيبة

«كنتُ في بيتي عندما أُعلن عن تولي السادات الحكم بعد عبد الناصر، وضربت كفاً بكف، وأنا غير مصدق. وقلت لزوجتي: هذا (الأضحوكة) هل سيصبح رئيساً لمصر؟». (من كتاب صفحات من مذكرات نجيب محفوظ). فالسخرية من السادات كانت قائمة قبل حتى أن يتولى حُكم مصر. فالجميع كانوا لا يرون فيه إلا مهرجاً، فارتبطت النكات باسماء بعض الكتّاب ومثقفي تلك الفترة، كمحمود السعدني وأحمد فؤاد نجم، بخلاف أغاني الأخير وهجائياته للسادات. فالسعدني على سبيل المثال تم حبسه عامين بتهمة السخرية من السادات وزوجته، بعد مثوله أمام محكمة الثورة في قضية مراكز القوى، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، ذلك بسبب نكتة قال فيها «عبد الناصر رغم عظمته موّتنا من الخوف 18 سنة، ويبدو إن السادات هيموّتنا من الضحك بعد 18 يوما من حُكمه لينا». الأدهي أن السعدني كان لا يستطيع الكف عن السخرية، حتى أمام السادات الذي استدعاه يوماً قائلاً: إزاي يا ولد يا سعدني تألف نُكت ضدي، وأنا رئيس اختاره الشعب باستفتاء عام وقدام العالم بنسبة أكتر من 90٪؟ فرد السعدني: والله يا ريّس النكتة دي مش من تأليفي!

أما الآن، فلا داعي بأن تُطلق النكات على رأس النظام، حتى هذه تكفل هو بها، فما يقوله من عبارات لن تستطيع المخيلة الشعبية مجاراته.. «ربنا خلقني طبيب.. أشخّص المرض» «أنا كل الناس بتسمعني» «إنتوا مش عارفين إنكم نور عينينا ولا إيه؟» «ما يصحش كده» «لاااااا والله» «قول والله والله والله» وأخيراً.. «أنا مش قادر أدّيك».

ومن مظاهر تلك الفترة عودة ما يُعرف بـ(مهرج الملك) فكان أنيس منصور وفايز حلاوة، يقومان بنقل نكات وأخبار المثقفين، أما صوت الشعب فنقله منولوجست السبعينيات الأشهر حمادة سلطان ليقول للرئيس آخر النكات، والأهم ما يُقال في حقه، هو وزوجته، التي سنّت لقب (سيدة مصر الأولى) فكانت عبارة «أقرع بزبيبة ومراتة كَسِّيبة». فهو متدين ظاهرياً ومتهاون في الحقيقة. حتى إن السادات نفسه نقل إلى مارغريت ثاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، إحدى هذه النكات ـ حسبما ذكرت جيهان السادات ـ قائلاً، «قالوا إني نزلت من البيت مستعجل، وبعدين ناديت من تحت بصوت عالي: يا جيهان إحدفي لي العصاية والزبيبة».
والكثير والكثير من النكات التي لم تتوقف طيلة حكم السادات، فتصرفاته وقراراته، وموهبته التمثيلية الدفينة، كانت جديرة بجعله (نجماً) في مرمى النكات. منها.. أنه عند محاولته تغيير اسم (مجلس الشعب) سأل الجميع عن الاسم الجديد، منهم من اقترح عودة الاسم القديم ـ البرلمان ـ ومنهم من قال مجلس النواب، ومن قال ليكن مجلس الشيوخ مثل أمريكا، فالتفت لوزير داخليته النبوي إسماعيل، فقال: نسميه (باتا) ــ أشهر محل بيع أحذية ــ فسأله السادات: ليه؟ فرد النبوي: لأننا بناخد من كل دايرة جوز. وحتى بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 لم يرحمه الشعب.. قيل إنه بعد العبور واسترداد سيناء زار عبد الناصر السادات في المنام، فأخبره الأخير عن العبور واسترداد سيناء، فقال ناصر: يااااه.. دي حاجة ترُد الروح. فارتعب السادات من عودته للحكم، قائلاً: بس بعد كدا حصلت الثغرة.

La vache qui rit

في بداية حُكمه أُطلق على مبارك نظراً لابتسامته العريضة اسم (البقرة الضاحكة). لكن بعد ذلك دارت معظم النكات حول كونه غبياً، ثم فاسداً كبيراً هو ورجال حكمه، وصولاً إلى سرقة البلد نفسها ومحاولة توريثها لنجله. فتواترت النكات المتباينة بمرور الزمن طوال 30 عاما، كاشفة عن تطورات الرجل نفسه. مع ملاحظة أنه أيضاً كان يستمع إلى مشخصاتية عصره الرديء، من أمثال المنتصر بالله وطلعت زكريا.
تصدّر الغباء والثقافة السياسية المتواضعة المشهد في البداية.. «يٌقال إن ثلاثة رجال تحدى كل منهم الآخر، قال الياباني: إحنا أغبى واحد عندنا بيصنع روبوت، وقال الأمريكي: واحنا أغبى واحد عندنا بيصنع لاب توب، وقال المصري: واحنا بقى أغبى واحد فينا بقى رئيس جمهورية. ومع انتشار الفساد وتدخل ابن الرجل في معظم المشاريع العامة والخاصة، توالت النكات.. «كان مبارك يقوم بافتتاح عدة مصانع جديدة، وكلما سأل عن مالك هذا المصنع أو ذاك، يقول له رئيس الوزراء: بعدين يا ريّس. حتى ضاق به صارخاً: ما تِنطق، الحاجات دي بتاعة مين؟ فرد الرجل: بتاعة علاء بيه، فضحك مبارك مندهشاً.. معقول كل ده من مصروفه». وكذلك نكتة صاحب التاكسي الشهير، الذي كان يضع صورة الرؤساء الثلاثة في السيارة، فسأله أحد السائحين عنهم، فقال: ده عبد الناصر قائد الثورة، وده السادات بطل الحرب والسلام، وده مبارك أبو علاء شريكي في التاكسي. وتأتي مرحلة التوريث لتصبح مجال الكثير من النكات.. «فقد استدعى مبارك شيخ الأزهر والبابا شنودة، وأبلغهم بأنه سيورث الحكم لابنه جمال، فصمت شيخ الأزهر والسكوت علامة الرضا، أما شنودة فنهض صائحاً: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال له شيخ الأزهر: إنتَ بتقول إيه؟ فردّ قائلاً: ما هي حاجة تخلي الواحد يطلع من دينه». وإن كان السادات قد أطلق على نفسه لقب (الرئيس المؤمن) فقد أطلق الناس على مبارك لقب (الرئيس المزمن) نظراً لطول فترة رئاسته.. «يُقال إن أحداً سأله عن رأيه في التغيير، فقال: التغيير ده سُنة الحياة. فردّ: طيب وسيادتك مش هتتغير؟ فقال مبارك: أنا فرض مش سُنة». وحتى بعد خلعه لم يتركه الشعب، ولتختتم هذا العهد بهذه النكتة.. «فقد زاره أحد بلدياته في مستشفى المعادي بعد ثورة يناير، شاكياً: والله يا ريس أنا بعت القيراطين اللي حيلتي علشان أوظف الواد ابني وبرضه مَتوظّفش. فرد مبارك: ده انتَ تحمد ربنا، أنا بعت مصر كلها علشان أوظف ابني، وبرضه مَتوظّفش».

أيام ما يعلم بيها

لم يستمر محمد مرسي أكثر من عام في حكم مصر، إلا أن النكات لم تتركه وقتها، وكانت أغلبها إما من خلال السوشيال ميديا أو البرامج ـ كان باسم يوسف واخد توكيل السخرية من الرجل، وبعد ذلك لم نسمع له ركزا ـ إلا أن ألطف هذه النكات جاءت على لسان أحمد فؤاد نجم، قائلاً.. «هو الجدع دا كان بيشتغل في ناسا ولا ناسا لاقيته في الفضاء». أما الآن، فلا داعي بأن تُطلق النكات على رأس النظام، حتى هذه تكفل هو بها، فما يقوله من عبارات لن تستطيع المخيلة الشعبية مجاراته.. «ربنا خلقني طبيب.. أشخّص المرض» «أنا كل الناس بتسمعني» «إنتوا مش عارفين إنكم نور عينينا ولا إيه؟» «ما يصحش كده» «لاااااا والله» «قول والله والله والله» وأخيراً.. «أنا مش قادر أدّيك».