سجل أنا عربي: تحية إلى محمود درويش

 


الفضل شلق 
الحوار المتمدن-العدد: 3247 – 2011 / 1 / 15 – 13:36 

 سجل أنا عربي. رقم بطاقتي لا محدود، مجهول. لا تحدد الهوية إلا بأرقام يعرفها الناس ولا تعرفها السلطة. مهلاً محمود درويش وعذراً! تتهاوى الدولة القطرية. لم يعودوا قادرين على تحديدنا بأرقام؛ صاروا يهابون جمهورهم. ما نشهده هو انهيار أنظمة الدولة القطرية تحت وطأة الاحتلال من جهة وتحت وطأة الهجومات من جهة أخرى. من قبل كانت النخب تفترض الخيار بين الاحتلال وأنظمة الاستبداد؛ فإذا الاحتلال والاستبداد شيء واحد ولو لم يظهر ذلك للعيان، حتى ولو كان النظام القطري في هذا القطر أو ذاك، على قدر من المراوغة والاحتيال. بحيث يقدر على التفرقة بينهما لإخفاء الاحتلال والتمتع بالاستبداد كي يفترض ويقول لشعبه أنه منه وله، وأنه ينبع من تجربته التاريخية ويعبر عنها. تنهار مع الدولة القطرية حداثتها، حيث لجأت للحداثة، وتنهار مع الدولة القطرية اسلامويتها حيث رفعت راية الإسلام السياسي؛ وكل منهما احتيال على الواقع والتاريخ والجغرافيا، وافتئات على الحريات وكرامة العربي لاظهارها بمظهر الأبله الذي لا يعرف ماذا يريد. كل منهما كان محاولة للانقضاض على العروبة. الآن ينقض الاستعمار على بعض الأنظمة وينقض الجمهور على بعض الأنظمة. تتبلور مواجهة بين الاستعمار والجمهور، وإن تأخرت ستين عاماً وأكثر. ستضطر الدولة القطرية للاحتماء بغير شعوبها؛ لم تعد شعوبها تثق بها؛ أفلتت شعوبها من عقالها.
عيل صبر الأمة، لم تعد تطيق التلاعب بمشاعرها ووجدانها وحاجاتها. لم تعد تطيق أنظمتها «المستقلة». بعض هذه الانظمة تلاعب بالاسلام لصالح حروب خارجية تشنها قوى غربية ضد قوى غربية، بدعم دولة نفطية؛ بعضها تلاعب بالاسلام كي يثبت أنه لا يمكن العيش مع أقليات مسيحية. يجمع الفقر واللغة بينها وبين الأكثرية؛ بعضها تلاعب بقضية فلسطين معتبراً أن التخلي عن فلسطين سيجلب له المن والسلوى والأمن، فإذا المن والسلوى لم يأتيا، وإذا الامن أمن اسرائيل؛ بعضها تلاعب بالعلمانية من أجل تكبيل الناس، وتكبيل الناس من أجل إفقارهم؛ وإذا المقصود فصل القطر عن أمته. بعضها تلاعب بالموارد النفطية لصالح طبقة ورثت ثورة مجيدة لكنها لم تعرف إلا الإكتناز والتبذير والاستهلاك البذيء على حساب العاطلين عن العمل والشباب الذين لا مستقبل لهم. بعضها لعب بالأقليات ضد أكثريات سنية، فإذا الأقليات لا تجد لها مكاناً على هذه الأرض. بعضها لعب بالسنة ضد الأقليات، فإذا الضحايا أضعاف أضعاف، والمهجرون نسبة عالية من السكان. جميعها أفرطت في تسليم أمورها لصالح شركات ودول أجنبية مما أدى الى مزيد من النهب وإفقار شعوبها. المنطقة العربية الآن أقل تصنيعاً مما كانت عليه منذ أربعين عاماً، وهي أقل نمواً في القرن العشرين مما كانت عليه في القرن التاسع عشر. ضاق صدر الأمة بهم وبمن يعتمدون عليهم.
هي أمة حقيقية. معظم الأمم (الأخرى) وهمية الاصل والمنشأ. هكذا يجمع علماء الانتروبولوحيا والتاريخ. الأصول مسألة وهمية. السلطة تخترع الأصل عندما تتشكل الدولة ويشتد عودها. نحن أمة ليس لها دولة. رغم ما كان لها منذ بداية تكوّنها، وانقطع وجودها لاحقاً. المهم أن الدول القطرية الحالية ليست دولاً مستقلة. والمواجهة الآن هي بين الجمهور وأخصامه. يتهم الجمهور بالعفوية والتخلف وانعدام الوعي. يمكن أن يكون الأمر كذلك، أو لا يكون. لكن المؤكد أن الاستبداد أبله وان من يدعم الاستبداد من الخارج أبله. المؤكد، أكثر، أن لا احد من الجمهور يرضى بالاستبداد حتى ولو كان أبله متخلفاً معدوم الحداثة والنظافة والقدرة على الكلام بلغة أجنبية.
أينما تطلعنا، في أرجاء هذه الأمة، نرى حروباً أهلية، حروباً بين الاثنيات وحروباً بين الطوائف والاثنيات، وحروباً بين الطوائف، وحروباً بين قوى السلطات والطوائف والاثنيات والطبقات الدنيا. هي أشكال جديدة من حروب الناس ضد ظالميهم، حتى ولو كانت ترفع شعارات لم نتعود عليها ولا نفهمها. هي حروب بين الأمة وظالميها. حروب بين أمة لا نخب لديها، لا قيادات ترسم لها استراتيجيات وتكتيكات النصر والخلاص. لذلك يبدو الأمر فوضى عارمة. وهو كذلك. لذلك يبدو الأمر وكأننا سوف نشهد على مدى السنين بل العقود القادمة، قدراً كبيراً من الخراب والدمار والقتل والتقتيل. وهذا ما يخيف. ربما كان صحيحاً القول “هذي خطى كتبت”.
يرى الكثيرون، وربما كان هؤلاء هم الأكثرية، أن الخلاص هو في العلاقة بين الفرد والذات الالهية. وهذا منحى ديني. لكن من يتضرع للسماء لا يجد غيرها. ليست الأمة العربية وهمية المنشأ والتطور. كما أمم كثيرة، لكن الخلاص أصبح تعويذات وهمية. لا يلام الناس، أو يلامون، على ما هم فيه. هذه وجهة نظر. أما الأكيد والمهم هو أن الخلاص لا يكون، ولن يكون، إلا في العلاقة السوية بين الأفراد في إطار المجتمع (والدولة التي تتهاوى أو لم تعد موجودة). المهم والأكيد أن العلاقة السياسية بين الأفراد هي ما يقرر العلاقة بين الأفراد وما في الغيب، هي ما يقرر الطقوس. في حركة اجتماعية – سياسية، تتهاوى الطقوس؛ وهي تنهار. تحل الطقوس محل نصوص التأسيس الديني في مجتمعات راكدة آسنة. الأمر الذي نحن عليه الآن ليس كذلك. نمر بظروف غير عادية. انفصال السودان برضى قوى الاسلام السياسي، حدث غير اعتيادي. سقوط انظمة السلطة في أقطار عديدة حدث غير اعتيادي.
تتماوج الساحات وغير الساحات بالأحداث. هناك مشاريع للمنطقة تطرح من الخارج وغيره. في جميع هذه المشاريع هناك غائب واحد، الغائب الذي لا بد منه لكل حل: ألا وهو العروبة، الجمهور الذي تتشكل منه هذه العروبة. إرادته مغيبة لكنها لا بد أن تظهر في مكانٍ ما وفي وقتٍ ما. ربما كان هذا الكلام رجماً في الغيب. أجارنا الله من العرافين والمنجمين. كذب المنجمون ولو صدقوا.
لكن هناك التجربة التاريخية. عندما ظهرت هذه الأمة منذ 15 قرناً. لم يكن مقدراً لها أن تظهر. وهي لم تظهر فجأة. ولم تنزل من الغيب. ولم تتشكل إلا في دولة ومن قوى اجتماعية وسياسية معروفة. مضى عليها الزمن ولم تزل موجودة. غابت سلطتها أو سلطاتها، أو غيبت. ما إن أطل القرن العشرون حتى ظهرت مشاريع لالغائها: احتلالات، سايكس بيكو، وعد بلفور، اتفاق ثلاثي، حلف بغداد، إلخ… إلى أن استقر رأي المجموعة الدولية (أي الامبريالية) على الاستبداد وأنظمة الاستبداد تحت غطاء الاعتدال وبعض الحداثة. ساهمت القوى القومية وقوى الإسلام السياسي في هذا التغييب، تغييب الأمة كجمهور. وهي تدفع الثمن الآن؛ قبضت الأثمان مسبقاً. الأمة هي التي دفعت الثمن غالياً. مصير الأمة الآن على المحك. لكن الجمهور لديه وسائله التي لا نعرفها.
المواجهة بين جمهور الأمة وأخصامها. في المواجهة لا بد من نخب تقود. شرط وجود هذه النخب أن تكون عارفة بجمهورها منتمية اليه مؤمنة به. يولّد الجمهور قياداته. وستكون هذه النخب هي القيادات التي تعود بنا إلى بر الخلاص بعد أن ترسي علاقات سوية بين الناس. لا خوف على الناس من أن لا يعرفوا كيف يتعاونون، الخوف هو من القوى المستبدة بالرأي وبالسلطة وهي تحاول أن تعرقل وتخرّب تعاون الناس. ستخرج هذه الأمة من دوامتها. وستخرج منتصرة.
مرة أخرى تحية لمحمود درويش: سجل أنا عربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*