الرئيسية / home slide / ست سنوات من الحرب الروسية في سوريا: انتصار عسكري وعجز سياسي

ست سنوات من الحرب الروسية في سوريا: انتصار عسكري وعجز سياسي

 زياد ماجد
القدس العربي
03102021

حلّت في آخر شهر أيلول/سبتمبر 2021 الذكرى السادسة لبدء التدخّل العسكري الروسي المباشر في سوريا، بعد سنوات من التدخّل بالسلاح والعتاد والخبراء واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي.
النص التالي قراءة في ظروف هذا التدخّل المستمرّ بأشكاله المختلفة واستعراض لأبرز نتائجه حتى الآن.

إنقاذ نظام مُتهالك وبسط نفوذ عسكري وسياسي
يفيد التذكير بدايةً بأسباب ثلاثة دفعت موسكو للتدخّل. السبب الأول، تظهير العودة الروسية إلى الساحة الدولية كقوة عظمى لا يمكن للغرب تجاهلها، حازمةً في حماية أصدقائها وعملائها، بما يدفع أنظمة إلى التقرّب السياسي منها أو إلى الارتباط بمنظوماتها الدفاعية وصناعاتها الحربية؛ السبب الثاني، حرصٌ على المحافظة على حليف قديم وزبون شراء أسلحة وتجهيزات يوفّر لموسكو موقعاً استراتيجياً وقواعد عسكرية شرق البحر المتوسّط؛ والسبب الثالث، عداءٌ للانتفاضات الشعبية ولمبدأ تغيير الأنظمة، وهو ما عبّر عنه بوتين حين هنّأ نفسه بأن تدخّله في سوريا «قضى على فوضى الربيع العربي» في منطقة حيوية وهامة خسرت فيها موسكو في العقدين الأخيرين حليفَين (وزبونَين عسكريّين) مهمّين هما نظاما صدّام حسين والقذافي.
ويمكن بالطبع إضافة أسباب أخرى على علاقة بتحفيز الكنيسة الأرثوذوكسية النافذة للكرملين على التدخّل بحجّة حماية المسيحيّين المشرقيّين، وسعي الروس لعدم ترك أمريكا وحيدة في السماء السورية بعد إعلان واشنطن الحرب على تنظيم «داعش» صيفَ العام 2014، والاستفادة من العلاقة الوثيقة بكل من طهران وتل أبيب لجعل التدخّل المرغوب إيرانياً مرغوباً إسرائيلياً أيضاً، في ظرف شهد انهيارات عسكرية للنظام السوري رغم كل الدعم الميداني الذي كانت إيران توفّره له، والذي حال دون سقوطه بين العامين 2011 و2015.
واستفادت موسكو في سياستها السورية من بدء الانكفاء الأمريكي التدريجي عن المنطقة عامةً (والمستمرّ إلى اليوم) واكتفاء واشنطن بمتابعة ما يسُمّى بالحرب على الإرهاب. كما استفادت من دعايتها ومن بروباغاندا حلفائها في اليمين واليمين المتطرّف الغربي كما في بعض أوساط اليسار لتصوير هجومها الشامل إنقاذاً للدولة السورية من براثن «الجهاديّين» و»الغرب الإمبريالي» ومؤامرات الانقلاب على الأنظمة «الممانعة». ونفّذت اجتياحها الحربي الجوّي والبحري ووسّعت أو استحدثت قواعد عسكرية كما نشرت وحدات خاصة ومرتزقة من شركة «فاغنر» ابتداءً من خريف العام 2015، بالتنسيق مع الإيرانيين، وبالتزامن مع فتح قنوات سياسية مع أطراف سورية معارضة لفرض مسار ترعاه بعد إنقاذ النظام من التفكّك والانهيار.
التفوّق العسكري والضعف السياسي
وقد أفضى التدخّل العسكري الروسي، بعد ثلاث سنوات من القصف الكثيف المستهدف قوات المعارضة على اختلاف فصائلها والمناطق التي تسيطر عليها في الشمال والجنوب وفي الوسط ومحيط العاصمة دمشق، إلى تقطيع أوصال المناطق المذكورة وتدمير معظم طرق الإمداد في ما بينها، وعزلها ومحاصرتها الواحدة تلو الأخرى. وأدّى أيضاً إلى تخريب البنى التحتية المدنية وتهجير مئات الآلاف من المدنيّين بعد استهداف ممنهج للمستشفيات والمستوصفات والملاجئ في حلب ودرعا وأريافهما، ثم في غوطتي دمشق وفي إدلب وريفها، بما وُثّق بوصفه جرائم حرب في أغلب الحالات وجرائم ضد الإنسانية في البعض منها. وتمكّن النظام وحلفاؤه الإيرانيون (بواسطة عشرات الميليشيات والتشكيلات القتالية العراقية والأفغانية واللبنانية التي جلبوها إلى سوريا) من السيطرة نتيجة القصف الروسي على معظم المناطق التي سبق أن خسروها، فاجتاحوا حلب ودرعا والغوطتين وأرياف حمص وحماه، كما تقدّموا في صحراء تدمر وفي دير الزور وفرضوا سيطرتهم على أكثر من 65 في المئة من الأراضي السورية. في المقابل، نجحت الوحدات الكردية المدعومة بالقصف والقوات الخاصة الأمريكية في السيطرة على أكثر المناطق التي كانت تحت حُكم داعش في شرق البلاد وشمالها الشرقي، وتدخّلت تركيا من جهتها ودعمت عدداً من الفصائل المعارضة للنظام وللقوى الكردية وحمت سيطرتها على مناطق في الشمال والشمال الغربي.
هكذا، تكرّست في السنوات الثلاث الماضية خريطة سورية عسكرية وسياسية جديدة، نجحت روسيا فيها في تغيير موازين القوى وفرض واقع ميداني غير قابل للتعديل، وحاولت أن تبني على الأمر حلاً نهائياً يمكّنها من تحويل انتصارٍ عسكري إلى انتصار سياسي.
غير أن محاولتها هذه لم تتحقّق. فهي لم تتمكّن من التفرّد بالقرار السياسي السوري، لوجود شريكٍ إيراني يصعب إقصاؤه، وتعرقل سطوتُه إمكانيات التطبيع الأمريكي مع خطّتها ونفوذها، خاصة في ظل استمرار التواجد العسكري الأمريكي في شرق البلاد، على الحدود العراقية. ولم تكفِ لعبة التوازن بين إيران وإسرائيل التي تديرها لإضعاف الإيرانيين، ولم تكفِ أيضاً لإقناع تل أبيب وواشنطن بأن نفوذ طهران محدود وأنها وحدها سيّدة الموقف. كما أن دخول تركيا المباشر إلى الأراضي السورية جعل موسكو مضطرةً لشراكة مع أنقرة تُملي عليها مراعاة خطوط الأتراك الحمراء في الشمال والشمال الغربي. وفي ذلك ما عقّد المسار السياسي الذي أرادته وأدخل إليه عناصر لا يمكنها على الدوام التحكّم بها.
الأهمّ من ذلك ربما، هو عجز روسيا عن تعويم النظام السوري اقتصادياً، وبالتالي توفير التطبيع السياسي الدولي معه من بوّابة الاقتصاد، وذلك لسببَين حاسمَين. الأول، تواضع حجم اقتصادها واقتصاد شريكتها (ومنافستها) إيران بما لا يُتيح لهما إطلاق ورش «إعادة إعمار» ومشاريع بنى تحتية ضخمة كالتي تحتاجها سوريا اليوم، إضافة إلى توفير سيولة وعملات صعبة لدعم موازنة ما تبقى من «دولتها» المتهالكة. والسبب الثاني تمنّع الأوروبيين عن الخضوع لابتزازها الرابط بين استثمارات وتطبيع مع دمشق مقابل عودة للاجئين إلى سوريا وتراجعٍ لاحتمالات «الإرهاب» والتطرّف. ويضاف إلى الأمر الاخير أن الملفّات القانونية التي بدأت تأخذ طريقها إلى المحاكم في أكثر من عاصمة غربية، والتي تتّهم النظام بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تجعل التطبيعين السياسي والاقتصادي معه أكثر صعوبة في المدى المنظور، ولا تكفي الأزمات اللبنانية واستئناف العلاقات العربية مع دمشق لتغيير الأمر جذرياً.
ويمكن أن نعطف على مجمل ما ذُكر، أن بشار الأسد نفسه يشكّل عبئاً على الإدارة الروسية للملف السوري. فلا بديل حالياً عنه بالنسبة للكرملين، ولكن لا حلّ نهائياً معه يوفّر استقراراً وأرباحاً اقتصادية وسياسية مستدامة لموسكو. والأسد إذ يدرك ذلك ويحاول توسيع هامش حركته السياسية عبر التلويح بالالتصاق بطهران تارة، أو الاحتماء بأدوار عربية (خليجية وأردنية وعراقية ومصرية وجزائرية) تارة أخرى، يصعّب مهمة الروس في ادّعاء تسيّد ميداني يوفّر شروطاً مثلى لحلّهم الشامل…
في المحصّلة، يصحّ الزعم اليوم، في ذكرى التدخّل الروسي المباشر السادسة، أن الانتصار العسكري على مقاتلين فقيري العتاد الحربي وعلى مدنيّين عزّل في نصف الأراضي السورية لم يتحوّل إلى انتصار سياسي نهائي لموسكو، وأن الأحوال الراهنة في سوريا مرشّحة للاستمرار على المنوال ذاته لسنوات قادمة، يدفع المزيد من السوريين خلالها أثماناً إضافية، وتصبح روسيا أكثر فأكثر مجرّد قوّة احتلال عسكري لا مخرج سياسياً واضحاً له ولا مؤدّيات استراتيجية حاسمة.
*كاتب وأكاديمي لبناني

زياد ماجد