ستيفان بارن في لبنان: مجتمع يَجهل جذوره، يَجهل مصيره

ستيفان بارن (مارك فياض).

للبنانيين والفرنسيين، يُعتبر ستيفان بارن مسيرة نجاح تخطت حدود الجغرافيا ولامست الآفاق العالميّة، ليُلقَّب وفق رئيس الجمهورية الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ “حافظ الإرث”.

يزور بارن للمرّة الأولى لبنان في ظلّ الأوضاع الراهنة الصعبة التي يعيشها، متعطشاً لاكتشاف الإرث اللبناني وتوسيع اطّلاعه الثقافي والأدبي.زيارةٌ نظّمها قسم العلاقات الدولية والتاريخ الذي يرئسه كريستان توتل إضافةً إلى قسم الآداب الفرنسيّة الذي يرئسه كارل عقيقي في الجامعة اليسوعية في بيروت، انطلقت منذ يوم الأربعاء، وتخلّل برنامجها وقفة عند المعالم الأثرية في لبنان: متحف بيروت الوطني، متحف سرسق، أرز الباروك، قصر بيت الدين، حريصا وغيرها.

غصّت قاعة أبو خاطر، أمس، بعشاق التاريخ وهواة الثقافة والفن، ووسط تصفيقٍ عارم دخل “العالم في الرؤوس الملكية” القاعة لملاقاة متابعيه وإشباع فضولهم الثقافي وتزويدهم بخبراته الواسعة التي تطال جميع العصور والحقابات التاريخيّة.

(مارك فياض).

وبابتسامةٍ وتواضعٍ، استقبلنا بارن قبل بدء مؤتمره، وأشار في حديث لـ”النهار” إلى عدم تضارب قناعاته الجمهوري والمَلَكية في الوقت عينه. وبنظره، بهدف حماية المُلك العام، على الحاكم ألا ينتمي إلى فئة معيّنة: “أنا جمهوري في فرنسا وملكي في لوكسمبورغ”. يسعى بارن إلى أن تتناغم تناقضاته وألا تشكل له عائقاً أو مشكلاً، معتبراً أنّه يُعطى لرئيس الجمهورية في فرنسا نفوذ أوسع من النفوذ الذي كان يُعطى للملك.

وأضاف: “لا أنتمي إلى مجموعة تتّبع فكراً معيناً ولا حزباً سياسياً، أنا حرّ، الحرية هي ألا نكون مرتبطين بمصلحة خاصة”.

وعن الحريق الذي طال “نوتردام دو باري” وتعاطف الملايين حول هذا الحدث، ووقوع مجزرة سري لانكا بعدها بأسبوع، وسقوط عدد من الضحايا مع تعتيمٍ حول هذا الموضوع، أشار بارن إلى أنّه “نُخطئ عندما نقارب الحجر والبشر”، مستشهداً بقول للأديب الفرنسي لامارتين: “نحن لا نملك قلباً للحجر أو قلباً للبشر، نحن نملك قلباً أو لا”.

وأكّدَ أنّه: “علينا التوقّف عن إجراء هذه المقاربة، لافتاً إلى أنّ “أحد أصدقائي تبرّع بمبلغ مليون دولار لبناء معمل في أفريقيا لمكافحة فيروس إيبولا، كما تبرّع بالمبلغ عينه لإعادة بناء كاتدرائية نوتردام”. 

يؤكّد بارن أنّه “أقلّ شأناً من الكاتدرائية، فـ”أنا فانٍ، وكم تمنيت أن تنجو، صَمدت أكثر من 1850 سنة وقاومت الحروب والثورات، وعند رؤيتي هذا المشهد رحت أبكي كتاب تاريخ فرنسا الذي تحوّل في لحظة إلى رماد في ظل ظروفٍ غير طبيعيّة”.

واعتبر أنّ هذا الحدث المأسوي هو بمثابة فقدان الأهل أولادهم خلافاً للنظام الطبيعي، حيث يُتوقّع أن يفقد الأولاد أهلهم أولاً. وقال: “كنت أعتبرها خالدة، وبرأيي، هذا ما خلق صدمة عند الناس ودفعهم إلى البحث عن طريق للمساعدة”، لافتاً إلى أنّه يسعى دائماً من خلال نشاطاته إلى مساعدة جمعيات إنسانيّة.

(مارك فياض).

وخلال اللقاء، عبّر بارن عن حماسته لرؤية قلعة بعلبك: “تستحق إعداد أكثر من حلقة واحدة عنها”، مضيفاً أنّ “جميع المعالم الأثريّة اللبنانية الدينيّة تشكّل الإرث التاريخي الذي يخبر عن لبنان اليوم”، متوجّهاً إلى جميع من يسعى إلى تدمير هذا الإرث بالقول: “يدمرون المجتمع اللبناني برمّته”.

وأضاف: “إنّ مجتمعاً يجهل جذوره، يجهل مصيره، وما يميّز المجتمع اللبناني اليوم هو تعدّد الثقافات والأديان، ما يجعله فريداً من نوعه”. وأكثر ما لفت نظر بارن هو وجود جامع تقابله كنيسة ما يدُل على التعايش والانفتاح.

ودعا اللبنانيين إلى “التّشبث في جذورهم كالأرزة الصامدة التي تمسك بجذورها الأرض وتحافظ على خلودها”.

وسلّم رئيس الجامعة اليسوعيّة البروفيسور سليم دكاش لبارن، ميداليّة المئة وخمسة وأربعين لذكرى تأسيس الجامعة.

(تصوير مارك فياض).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*