الرئيسية / home slide / ستة وخمسون عاما على رحيل السياب وما زالت أمطاره غزيرة

ستة وخمسون عاما على رحيل السياب وما زالت أمطاره غزيرة

 نادية هناوي
القدس العربي
28122020

إذا كانت (قصيدة النص) بنية مفتوحة وكتابة قابلة للتأويل؛ فإن (مدينة بلا مطر) قصيدة نصية بامتياز، لأنها تتخذ من مفهوم الاختلاف والمنافرة وسيلة لصدم أفق توقع القارئ، الذي تريده مرناً يعيد تأويل النص بقراءات فيها يتعاقب المكان في الزمان، ويتداخل الزمان بالمكان بشكل يجعل في التعاقب التدليل وفي التوالي التوليد. بهذا تصبح قصيدة النص شكلاً من أشكال التجريب الكتابي المفتوح واللامتناهي، في فضاء الشعر الذي لا يعرف الحواجز بين المضامين والأشكال والأدوات والأهداف. ومن ثم يمكن للأنواع الشعرية أن تتماهى في الأنواع النثرية، تعبيراً عن الرغبة في الانزياح عن المألوف الذي يقتضيه نظام الشطرين وكسرا للقواعد المظهرية في القصيدة العمودية.
وهو ما يجعل قصيدة النص خطاباً شعرياً حداثياً له صفة التحرر والانطلاق، تأكيداً واعترافاً بدور القارئ الذي ينبغي أن تخيّب القصيدة أفق توقعه مباغتة إياه ذهنياً أو تخييلياً. وكما أن قصيدة النثر تقيم الجسور الحرة مع المستويات السردية على اختلافها، فإن قصيدة النص تسعى حازمة إلى اعتلاء البنى السردية المتنامية داخل بنية الشعر الموزون. وقد جرّب بدر شاكر السياب ـ الذي تمر علينا ذكرى رحيله السادسة والخمسون بعد أيام ـ كتابة هذه القصيدة في (مدينة بلا مطر) معتمداً رؤى وتصورات انفتاحية، بناءً على جملة اعتمالات نفسية وإبداعية تمخض عنها هذا البناء الفني بصيرورة حداثية، وفق ترسيمة تشاكلية تتزامن فيها تقاطعات اللاكتابة/البياض مع الكتابة/ السواد، والظاهر/ العلني مع الباطن/ الخفي، والأفقي المباشر مع العمودي الغائر، والداخل القريب مع الخارج البعيد، والانفتاح غير النصي مع الانغلاق النصي، والأدبي مع الحياتي، والإنتاجي مع التلقي، والذاتي مع الموضوعي، والمتناهي مع اللامتناهي. وتبدأ هذه الترسيمة من التقاطع الذي يعتري البنية التركيبية لهذا النص وهي تتواتر دلالياً عبر مقاطع القصيدة في شكل انفتاحات تسعة. فأما الانفتاح الأول فيبدأ بالمدينة، وهي توشى بالليل وبما يوحي بانتهائها في نقطة التلاشي كعتبة لفضاء مجدب يملؤه الجفاف واليبوسة والاصفرار والذبول. ويمتزج الليل راسما آفاقا داجية فيها بابل ضائعة بالغروب والعتمة، وكل ما فيها من دور ودروب ومستنقعات نائم بلا صحوة وقد غشيته ريح صافرة بأنين.
وتموز هو البطل الذي تُسرد حكايته وقد صحا بعد سبات شتائي بحيوية صيفية هادرة. لتكون في هذه الثنائية (الصحوة/ النوم) تراتبية زمانية (الشتاء/ الصيف)؛ فللشتاء دلالته (النوم الطيني) وللصيف قرينته (عرائش العنب). وتتعمق مشاهد الفجيعة والألم مشكلة صورا سمعية جنبا إلى جنب صور بصرية فيها عشتار حلقة الوصل بين المدينة والليل. وتأخذ بعض بوادر انبعاث تموز ولقائه بعشتار، تتشكل باستعمال الفعل (صحا) الذي فيه انتصار إرادة البقاء في روح المدينة، التي عاد إليها تموز يرعاها فصارت خضراء مزدهية. وما أن تنفرج لحظة الانقلاب فيها ببزوغ الأمل، حتى تنفتح القصيدة ثانية من جديد حيث بنية التوازن تقابلها بنية اللاتوازن وقد أخذت شكلا تصويريا صوتيا، فطبول بابل توشك أن تدق، لكن صفير الريح في أبراجها وأنين مرضاها يغشاها مع مسحة قاتمة مليئة بالتشاؤم وتتغير صورة المشهد من اللون التفاؤلي المبتهج متمثلا بعودة (تموز إلى بابل) إلى اللون المأساوي المتمثل بالغشيان في مشهد بانورامي وصفي فيه تظهر شخصية (عشتار) جامدة على غير عادتها ومجامر النار خاوية والتعب يخيم عليها:
(وفي غرفات عشتار
تظل مجامر الفخار خاويةً بلا نار،
ويرتفع الدعاء، كأن كل حناجر القصب
(من المستنقعات تصيح:
لاهثة من التعب
هنا يكون الانفتاح الثالث حيث الحاضر ينتكص أمام الماضي منكفئا في صوت هادر يأتي من حناجر متلازمة (تصيح لاهثة من التعب) بملامح توجز هذا الحاضر زمكانيا بأنه بابلي/ ربيعي:
تؤوب إلهةُ الدمِ، خبز بابلَ، شمسُ آذارِ.
ونحن نهيم كالغرباء من دارٍ إلى دارِ
لنسأل عن هداياها.
وإذا كانت بابل هي العطاء والربيع هو الحياة؛ فإن الشاعر هو المجموع الذي فيه يتجلى الانفتاح الرابع، أي انفتاح الأنا على الآخر وفيها يتحول الشاعر إلى حكاء بضمير المتكلمين (لنسأل /نحسها/ قضينا / نرعاها / ننام ونستفيق/ نخشاها / لترجمنا/ ألفناها ) وتستمر الرؤية الجماعية للمدينة وقد هيمن البرود والغياب عليها ضمن أفق واقعي آني كله جوع وفراغ وقسوة. وتتحول القصيدة بالانفتاح الخامس من الوصف إلى الدراما بمشهدية درامية وقد اقتحم المكان الزمان، بمجيء الريح كإعصار لا هدأة له، ضمن متوالية حركية بالفعلين المتضادين (ننام / نستفيق) وأجواء مليئة بالخشية والخوف. هنا ينفتح المشهد على جانب آخر مأهول من المدينة هو جانب الرعاة والسادة وهيام الغرباء وعيون الأرباب، يعيدنا إلى الماضي السحيق حيث أناشيد الحياة والربيع، ومسرحيات الضحك في خضم نضج العنب، وازدهاء العناقيد، إلا أن هذه العودة تصطدم بتغير المشهد المألوف إلى مشهد لامألوف فيه عشتار لا تغني، والربيع لا يغازل العنب. وبينما يغيض الماء تذبل الكرمة وتتلاشى الضحكة في الدمعة، فتغدو العودة هي اللاعودة، التي فيها يستحيل على تموز إعلان بدء الحياة وقد غاب في العتمة. وباندماج الأسطوري باللاأسطوري يكون الانفتاح السادس وقد استحال تموز إلى أسد يكابد، شدقه أدرد بلا أسنان وفي عينيه شعلة زرادشتية أو برق ناري وعيناه مبخرة أوجرت أو نافذة.
وبالتحول من اليبوسة إلى النداوة يكون الانفتاح السابع، فيصبح تموز هو المنقذ الذي ينتظره العالم آتيا بالأزهار والأمطار، ليعيد للأرض حيويتها كحلم هو أمل الأزمان لكنه لا يأتي فقد (جفانا)، واندثر في قبره إلى غير رجعة. وفي ظل هذا الفضاء التشاؤمي الأليم، تنفتح بؤرة لنافذة جديدة تطل على فضاء آخر جديد فيه الاستعلام هو بمثابة انفتاح على انفتاح. وتأخذ مشهدية الصورة تتغير بانفتاح هو عبارة عن رؤية بانورامية خارجية، يقف فيها الشاعر في موضع عال نقل لنا عبره ما يراه في المشهد الأرضي، حيث المدينة (بابل) بلا مطر، وتموز وعشتار هما الصبار والفخار والتجهم والتبسم ينتظران الحياة. وهنا يكون الانفتاح الثامن وفيه تبزغ جدوى الانتظار برحلة تموز وانتظار عشتار. وهذا هو الانبعاث الذي ينتظره الحالمون كمعجزة لا تقتطف بالأيدي إنما بالتمني:
وتبحث عنك ِ أيدينا
لأن الخوف ملء قلوبنا ، ورياحَ آذارِ
تهزُّ مهودنا فنخاف. والأصوات تدعونا.
جياع نحن مرتجفون في الظلمه
ونبحث عن يد في الليل تُطعمنا ، تغطِّينا.
ويكون في الانتقال من البحث والانتظار إلى الإنقاذ والأمل انفتاح تاسع هو الأخير، الذي فيه سيصطدم القارئ بتموز وقد أتى منقذا في صورة عشتار. بمعنى أن تموز الذي كان قد تمثل جسدا للتموزيين، فإنه اليوم هو عشتار بوصفها الأمل والأرض التي تدر على ساكنيها الخير والأمان، وهم يتوسـلون إليها أن لا تخاتلهم وأن لا تظهر لهم (قاسية بلا رحمة) بل متوثبة مع آمال ملايين الجياع المسروقين، متوهجة مع الكركرة مليئة بالحياة ونابضة بالتجدد والتحول في بابل/ المدينة، التي تنتظر السحاب والرعد والعارض السحاح والغيمة ورعشات الماء. وإذا كانت بداية القصيدة غامضة متشحة بالسواد؛ فإن نهايتها مزهرة مضاءة وخلابة فيها تتحول (بذور وجذور) و(عمد وأسوار) و(حفيف النخل) مع (الأقدام والأيدي) من حال إلى حال مشحونة بالحياة انفتاحا وتجددا في شكل ترنيمة سيمفونية، بها يستشرف السياب غدا آتياً بالآمال التي فيها الخلاص من تركات ماض أليم وحاضر مشين مرير بالخطايا والذنوب.
فهل تتحقق نبوءة السياب، ويكون ذلك الغد مرتسماً في أعيننا رؤية ندركها بوعينا أيّاً كان هذا الوعي ممكناً أو قائماً؟ الله أعلم.

٭ كاتبة عراقية