سبعون عاماً على غياب خليل مطران: أنا أجرأ من حافظ وشوقي لكني لم أجدد شيئاً عظيماً

إذا سمعنا الشاعر خليل مطران (1872-1949) قبل أكثر من ثلاثة أرباع القرن يقول: “أردت التجديد في الشعر. وبذلت ما بذلت فيه عن عقيدة راسخة، لأن التجديد شرط لبقاء اللغة حيّة نامية”، فليس باستطاعة أي شاعر أو ناقد معاصر أن يزيد حرفاً على هذا الكلام. في هذه السنة تمرّ على وفاة شاعر القطرين بل شاعر الأقطار العربية سبعون سنة. هذا المتفرد بتجديده وصبابته وكآبته وعنائه، هو على قول الشاعر صالح جودت “أصدق شعراء العرب تمثيلاً للقومية العربية”.

ولد خليل مطران في بعلبك أول تموز 1872 وتعلّم في مدرسة البطريركية في بيروت على أيدي اليازجيين الشيخ ابرهيم وشقيقه الشيخ خليل. نظم قصائد عديدة وهو بعد على مقاعد الدراسة. قصائد ضد السلطنة العثمانية وغالباً ما كان يجمع رفاقه ويتظاهرون في شوارع الاشرفية ويردّدون نشيد المارسيلياز.

في صيف 1890 عاد إلى غرفته، في آخر الليل ورأى سريره مثقوباً بالرصاص. فعلّق: “لقد ظنّ جواسيس عبد الحميد أنني فريسة سبات عميق وأن بضع رصاصات تنهي الأمر”. أوقف بتهمة العمل للثورة، لكن أطلق سراحه لغياب الأدلة ولمكانة عائلته. أصيب بعد توقيفه بداء ذات الجنب، فتأثرت صحته، وسافر إلى باريس وتابع النضال ضد السلطان عبد الحميد وغايته تحرير الوطن العربي. هناك اطّلع على أشعار فيكتور هيغو والأدب الغربي. تعلّم الاسبانية وفي نيته السفر إلى تشيلي وفي اللحظة الأخيرة كان قراره مصر. استقرّ في الإسكندرية أولاً ثم جاء إلى القاهرة كمراسل لجريدة “الأهرام”. أنشأ “المجلة المصرية” ثم جريدة “الجوانب المصرية” مناصراً مصطفى كامل باشا. اصدر ديوانه في أربعة أجزاء عام 1908 وجذبه المسرح معجباً بأداء جورج ابيض فترجم له مسرحيات لشكسبير وغيرها من الأعمال مرسخاً دوراً فعّالاً في النهوض بالمسرح القومي في مصر. في العام 1904 هجر الصحافة إلى التجارة وخسر ثروته. وفي العام 1913 عيّن موظفاً في الجمعية الزراعية الخديوية. ونظراً لجهوده الأدبية المميزة أقامت له الحكومة المصرية في العام 1947 ندوة تاريخية كبرى في القاهرة شارك فيها جمع عظيم من الأدباء في مصر والعالم العربي من بينهم عميد الأدب العربي طه حسين. وقد وجّه طه حسين رسالة إلى مطران يقول فيها: “إنك زعيم الشعر العربي المعاصر، وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين، لا يُستثنى منهم أحد. وأنت حميت حافظ من أن يسرف في المحافظة حتى يصبح شعره كحديث النائمين، وأنت حميت شوقي من أن يسرف في التجديد حتى يصبح شعره كهذيان المحمومين”.

كانت السنتان الأخيرتان هما الأصعب في حياته وقد رافقه فيهما الأديب الصديق وديع فلسطين (أطال الله عمره) الذي يروي في كتابه “هجرة الأدباء الشوام إلى مصر” (دار نلسن) أن مطران بلغ من الشهرة أقصاها وكان اسمه يُرْدَس بإسم الشاعرين شوقي وحافظ. وانه منح رتبة البكوية. ويصف فلسطين كيف كان مطران في أيامه الأخيرة لا يتحرك إلا متوكئاً على كتفَيْن. وإن سطح البيانو لديه امتلأ بالادوية والعقاقير والروشتات. وانه كان يكثر من ترديد بيتين من الشعر:

مواضيع ذات صلة

  • جوزف نمنم غدر به المرض… ولـ”قلبي حب” قصة
  • إمام أوغلو يكرّس نفسه خصماً قوياً لإردوغان… اليوم اسطنبول وغداً تركيا
  • رحلة حياة مليئة بالحبّ والإرادة… ميشيل حجل ملكة القلب والروح

ولي كبد مقروحة من يبيعني بها/ كبداً ليست ذات قروح/

أباها عليّ الناس، لا يشترونها/ فمن يشتري ذا علة بصحيح/

وبأسًى يكمل مطران: “ليتني أبادل كل مجدي الأدبي بمجرد القدرة على المشي”. ويختم وديع فلسطين: “وبرغم الأمراض الكثيرة التي نهشت جسد مطران الناحل فلم أره أبداً يتضجّر أو يشكو”. لم يمهله المرض كثيراً (داء النقرس) فتوفي في 1 حزيران 1949. ويشير كثيرون إلى أن شاعر القطرين جمع بين مصريته ولبنانيته ولكن هل قرأه اللبنانيون كشاعر لبناني؟ وهل قرأه المصريون كشاعر مصري مع شدّة انغماسه بالهم المصري؟ فالمصريون كما يقول أمين نخلة “جعلوا لهذا البعلبكي قصراً في الحارة المصرية، باطنه من ياقوت وظاهره من ذهب العين”. لكن البعلبكيين استردّوه بعد الوفاة إلى لبنان تنفيذاً لما ورد في بيته الشعري:

“إن المصير إلى الثرى وأخاله/ أندى وارفه في ثرى لبنان.”

ولديه في بعلبك تمثال تحجبه جدران عن مطلاّت البقاع الرحبة.

هذا المجدّد الكبير كان لخلفيته الثقافية والفكرية دور كبير في فهم الشعر ومراميه والأدب وأبعاده. أحب اللغة العربية حباً جماً وكتب غير مرة: “إذا ما القوم باللغة استخفوا/ فضاعت، ما مصير القوم؟ قل لي”.

عنِيَ المطران بالخيال وتميّز أسلوبه بصدق الوجدان وأصالته، واهتمّ بالشعر القصصي والتصويري مستعيناً بقصص التاريخ ومصوّراً دقائق الحياة البشرية.

كل قوم خالقو نيرونهم/ قيصر قيل له أم كِسرى”.

وكذلك قصيدته التاريخية “بزرجمهر” التي ينهيها بالبيت الشهير:

ما كانت الحسناء ترفع سترها /لو أن في هذي الجموع رجالا.

وكتب متفوقاً على حافظ وشوقي في مواضيعه الاجتماعية. لكن السؤال: هل استطاع خليل مطران تطبيق نظرياته التجديدية؟ يجيب بنفسه عن هذا السؤال: “أنا أجرأ من حافظ وشوقي على التجديد ومع ذلك لم أجدد شيئاً عظيماً”. في رأيه أن مفهوم التجديد “أن يخلق الشاعر موضوعاً من أوله لآخره، ويصوغه ويصوره ويفصّله على النحو الذي أجاده كل شعراء الغرب العبقريين ونَحوه في مولّدات قرائحهم”. في رأي الناقد محمد مندور أن تجديده امتدّ إلى ديباجة الشعر نفسها وموسيقاه، وهو رائد ما يمكن أن نسميه في شعرنا العربي الحديث الوصف الوجداني. والحال أن تجديد خليل مطران لم يقتصر على الشعر بل كان مجدداً في النثر أيضاً وقد أخرجه من الأساليب الأدبية القديمة. وقد أقرّ النقاد بفضله وريادته بحركة التجديد التي تبلورت في “جماعة الديوان” ثم في “جماعة ابوللو” فالشعر المهجري وأثرت رومنطيقيته في شعراء عصره.

هذا الفضل العميم اختصره أحمد شوقي بهذه الكلمات: “خليل مطران صاحب المنن على الأدب العربي”. ولكن ابعد من المِنن كان خليل مطران جسراً متيناً وراقياً بين الكلاسيكية في الشعر العربي واول طريق الحداثة فيها. جسراً لا بدّ منه في تطوّر القصيدة العربية وتجديدها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*