الرئيسية / home slide / سبائك الذهب ورقائق العجب

سبائك الذهب ورقائق العجب

07-12-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

عن فضيل ابن عليل، المتداوي بزوم الزنجبيل، إنه في الثالث من شهر مقفر، الرابع من فصل مفقر، الواقع فيه عيد الشعب وذكرى فورة الغضب، سجدت الجموع تتوسل شيئاً من تحقيق الأرب، فلم يطل بها الركوع، وظهر سعادة الحاكم مظفراً بين مروج #الذهب.

وعن عدنان بن جوعان بن قرفان بن خذلان بن فشلان، إن صاحب الذهب هدف من الظهور المقدس، طمأنة الخائفين والجائعين وعموم المودعين، الى أن الأونصة بخير وسلامتكم على جناح الطير، وكل سنة وانتم سالمين، غانمين الى يوم الدين.

وبشروا في الامم، قال يفتاح بن مفتاح، واشكروا اباكم على ما اعطاكم واقيموا له الذبائح ورسموا الماء واليابسة، ولترفع اعلامكم وتزهو سيوفكم، ويعتز اقوامكم، ولتناموا آمنين سعداء خاوين على وسائد من ذهب.

وروى من سمع عمن قال ان الشعب العظيم فرح فرحاً اعظم لما رأى صاحب السعادة بين ألواحه المذهبّة في الدولة المكركبة، وسأل: وأنا مالي؟ ولفظها باللغة المصرية، فأُسيء فهمها. ولم يدرك المدركون انه يسأل عن ماله وحلاله ورزقه ورغيف اطفاله، فما كان من الشهم الملهم شهدان بن وجدان إلاّ أن تولى الترجمة الى اللغا ال#لبنانيي قائلاً: الشب مِن يسئل اش بنا بالديهب. بدنا كم ليرو تانعشي الولاد.

ففوراً كان له ما تمنى واحيل طلبه على دائرة الاحلام في جبل لبنان، التي سارعت فأحالته على مركز الأوهام في جبل القضيب. أصحاب النوايا السيئة يمتنعون، فهذا اسم علم اطلقه علماء الجغرافيا. وقد ربط الراحل سيغموند (فرويد) بين الجنس واللاوعي عند البشر في كل ما يفعلون، وما لا يفعلون.

ويبدو ان مُطلق الاسم على الجبل الأشم كان يكثر من قراءة ترجمة الافلام التلفزيونية، التي تكثر فيها، بدورها، تعابير مثل تبّاً، واسم الجبل المشار إليه ادناه واعلاه.

فلما اشتد الأسى على قوم لبنان (يا قوم يا قوم) انصرفوا مثل جميع الاقوام البائسة الى السخريات والمضحكات وتركيب المقلاة. لكن احداً لم يخطر لرجل ان يركّب لنفسه مقلاة من ذهب. ولم يحدث ذلك منذ اختراع الصورة الفوتوغرافية: “سيلفي” لصاحب السعادة وخلفه ما تبقى من سبائك ورقائق.

ربما يحدث ذلك في رسوم الكاريكاتور. حيث تعبّر الريشة عن المضامن لا عن المعالم. وكان بيار صادق، يرسم شارل حلو ضاحكاً، دوماً ملء وجهه الممتلىء “بيتي فور”، في ثوب راهب جزويتي. وقد عرف عن اهل هذا السلك انهم غير صرحاء. وهي صفة ارباب العلم والفكر والثقافات، بينما تغلب الصراحة، أو الفجاجة، في دنيا الرعاة والمكاريّه، الذين يمضون معظم العمر مع دوابهم ورواحلهم وقطعانهم ولا من يتحدثون إليه.

وكان يحصل في القرى ان يكنّى المكاري، أو الراعي، باسم ناقلته. ومن حسن حظ احد الفرسان في الضيعة انه بدأ حياته يعمل حمالاً على دابة، فسميَّ “يوسف الدابة”. ولما كبر وتحسنت احواله، اقتنى بغلاً فسميَّ فوراً “يوسف البغل”. وهكذا حدث لعدد غير قليل من القرى نفسها مثل “اسطبل” و “حمارة”.

ولما جاء ذلك الرؤيوي الألماسي النادر فؤاد شهاب رئيساً كان في جملة ما فعل وهو يحاول نقل لبنان من “الولاية أو “الايالة” الى الجمهورية، أن غيَّر الاسماء المضحكة للقرى، لكنه لم يستطع ان يغيّر الرجال المبكين، ولا استطاع ان يبني دولة على “مروج الذهب ومعادن الجوهر” كما في عنوان “المسعودي” الشهير. فما نزال حيث لا نزال قوم نتصور مع صفائح الذهب، ونعيش في صفائح التنك، وننام على الضنى والضنك. وانجازنا الوحيد هوالصورة. صورة القصر الجمهوري خالياً مثل المتحف. وصورة الذهب ولم يعد قادراً على كفل رواتب موظفيه وحاكمه وفرقة المطاردة القانونية التي تقتل الناس بالسكتة القلبية قبل محاكمتهم، وتستعين لاتهامهم بمراجع خارجية.
عندما يصبح مثل هذا الأمر امراً عادياً، من الطبيعي ألا تنتبه الناس الى مخالفة مضحكة مثل صورة الذهب المرصوف في بلد الفقر الموصوف. يوم بدأت الحملة المتشعبة الاسباب على #رياض سلامة، كان طبعاً يعرف خصومه ومعظمهم بلا قيَم، وبلا مصداقية، وبلا موضوعية. يومها دافع عن نفسه باستعراض الثروة التي جمعها من عمله قبل الحاكمية، وهي بعشرات الملايين. لكن المسألة لم تكن ابداً ثروته الخاصة. ولا حتى ما جنى بعد المنصب. المسألة كانت، ولا تزال فقر الناس ومسؤوليته في الكارثة. سعادتك ساعدت البنوك الكبرى بحوالى مليار دولار بحجة المحافظة على اوضاعها. لا احد يعرف كم ساعدت تحت الاضطرار، ومن سياسيي الخوات والفسق ومدَّعي الطهارة. نحن غابة من النصب والسرقة والاحتيال، ونحن نعرف ذلك. لم يقف احد مرة لادعاء العكس. لكن ليس بهذه الطريقة تدافع عن نفسك. فلا احد من اللبنانيين يتقبل قانون مقاطعة جبل لبنان. لكن الدفاع عن النفس لا يكون بصورة الذهب، ولبنان في مغارة افقر من مذود. هنا فقط يُصلب يسوع في يوم ميلاده. وتُقرأ الاناجيل عن درب الجلجلة، وتصدح فيروز باسم المنهارين، “انا الأم الحزينة، وما من يعزيها”.

طمأننا سعادة الحاكم الى ان الذهب لا يزال هنا. “قيس ابن عمي عندنا، يا مرحبا يا مرحبا”. ما لم يعد هنا هو لبنان. هو القاضي الذي يفرج عن قاتل لأن القضاء مضرب. هو القصر الجمهوري المقفل في وجه الاستقبالات والاحتفالات وإذلال رؤساء الحكومات، ومحاربة رؤساء البرلمانات.

كان يمكن ان تحل الأعياد الباكية من دون صور الذهب، أو صور الضحكات الخليعة ورفع الأصابع الكافرة في وجه اللبنانيين. لم يبق شيء. حتى الذهب لم يعد يعني شيئاً إلا لصاحبه. وصاحبه يتصور. وأصحاب صاحبه يتصورون. ولا احد من ذوي اللعنة وعناوين الخراب يكلف نفسه التقاط صور المؤسسات المغلقة بين مكتبه ومنزله. والمحلات والدكاكين والمحاكم. وابواب البقاء..