الرئيسية / home slide / “ساحلُ النصارى” ولبنان.. ضاحيةً لحزب السلاح والعماء

“ساحلُ النصارى” ولبنان.. ضاحيةً لحزب السلاح والعماء

م
حمد أبي سمرا|السبت30/05/2020
Almodon.con

كان في صحراء الشويفات 53 ألف و600 شجرة زيتون، حسب إحصاء نواطيرها في الأربعينات (الأنتلانت)

ظل ساحل المتن الجنوبي يسمى “ساحل النصارى” حتى بدايات القرن العشرين. لكن تأسيس دولة لبنان الكبير سنة 1920، نزعت عنه تدريجاً هذه التسمية، ليسمى تسمية جغرافية: ساحل المتن الجنوبي، الذي يناسب “الكتمان” الرسمي للهويات الطائفية في “الكيان” السياسي اللبناني الجديد.

أما نمط الحياة الزراعية والبلدية في قرى هذا الساحل – من صحراء الشويفات جنوباً، وحتى حرج صنوبر بيروت شمالاً، مروراً بقرى وادي شحرور، كفرشيما، برج البراجنة، المريجة، حارة حريك، الشياح، وفرن الشباك ومزارع هذه القرى الكثيرة – فاستمر على حاله حتى مطالع الخمسينات، على الرغم من تزايد سكانه وموجات الهجرة إليه. وهذا قبل أن تشيع تسميته ضاحية بيروت الجنوبية، مع تحوله من نمط عمران أهلي بلدي ومحلي، إلى عمران الضواحي الأهلي الجماهيري الكثيف. ليصير اسمه أخيراً الضاحية، بلا صفة ولا إضافة، بعد رسوخ سيطرة حزب الله على تلك المناطق، سيطرة أمنية وعسكرية، وعلى لبنان كله وجماعاته سيطرة سياسية خانقة.

زيتون وحرير
قبل أن يصير “ساحل النصارى”، وساحل المتن الجنوبي، ضاحية لحزب السلاح، كان لا يزال قرىً زراعية لتربية الأبقار، وأشجار التوت الملازمة لتربية دود القز وشرانق الحرير، وبساين الحمضيات والخضر. وكانت هذه كلها من مصادر العيش الأقدم في برج البراجنة، وسواها من تلك القرى. وروى خليل خالد الفغالي (المولود في 1934 بالمريجة) أن ليس في الساحل كله من شجر أقدم من التوت، سوى الزيتون في صحراء الشويفات.

ومع إنشاء المسيحيين مزارعَ وقرى في ذاك الساحل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تزايدت زراعة التوت، واتسعت وازدهرت مواسم دود القز وأعمال الحرير. فنشأت في الساحل ثلاث كرخانات لحلّ شرانقه وتوضيب خيوطها. وتوافرت لدى بعض مزارعي الحرير وتجّاره مبالغ مالية أدت إلى تكاثر العمران وتشييد بيوت جديدة واسعة، وإلى تزايد الوافدين المسيحيين إلى الساحل، للعمل والاقامة والتملك.

واحدة من الكرخانات كانت للحاج يوسف بيضون (والد النائب والوزير في ستينات القرن العشرين)، المرحوم رشيد بيضون، وهي تقع قرب جبّانة الرادوف في نهاية محلة الرويس، لكنها توقفت عن العمل وأُقفلت في أواخر الثلاثينات. الكرخانة الثانية كانت على تخوم حارة حريك. وقبل قفلها مطلع الأربعينات، عُرفت بكرخانة الدكاش، وكان موقعها ما بين خمّارة أبو الياس حنا الدكاش ومفرق المنشيّة أو حارة الدكاش. أما الكرخانة الثالثة فكانت لآل الدوماني، الوافدين من دوما في بلاد جبيل، وتقع على الحد الفاصل بين الساحل وبيروت، في مكان مستشفى البربير التي صارت واسمها معلمًا في لغة سواقي سيارات الأجرة وركابها. وقبل إنشاء المستشفى في مكان الكرخانة، كان أهالي قرى الساحل يقولون الدوماني بدل قولهم البربير، عندما يريدون التوجه إلى محلة المزرعة وشارع فؤاد الأول، فوسط بيروت التجاري.

كرخانة الدوماني كانت الأكبر والأهم بين كرخانات الساحل في عهد مالكها اسكندر بيك ألبير الدوماني الذي كان معروفًا وصاحب صيط في الساحل كله. فهو كان يملك لتربية دود القز مزرعة كبرى إسمها بخعون ما بين ساحل السعديات وأحراج الدبية، ويجمع في مزرعته هذه الشرانق من مربيها في الشوف وإقليم الخروب، ثم ينقلها إلى كرخانته القريبة من بيروت ومرفئها.

إعدام يوسف الهاني
كان زوج ابنة اسكندر الدوماني، يوسف الهاني، من معتقلي جمال باشا، قائد الجيش العثماني الرابع، أثناء الحرب العالمية الأولى. وعندما أقامت السيدة إميلي سرسق في قصرها بحي السراسقة، مأدبة عشاء على شرف القائد العثماني الذي كان ينزل في أحد قصور الحي، دعت زوجة المعتقل إلى مأدبة العشاء، علّها تحظى بعفو الباشا والقائد العسكري التركي عن زوجها. قدّمت السيدة الهاني أطباق الطعام للباشا، ووضعت إلى جانبها على المائدة ورقة كُتبت عليها كلمة “العفو” بالفرنسية. عندما سأل جمال باشا: عمن تريدون العفو؟ قالت النسوة: نريد عطفك على يوسف الهاني وعفوك عنه، وهذه زوجته. صمت الباشا، وقبل مغادرته قال لزوجة الهاني إنه لا يبدّل حكمًا أصدره، وأوصاها بأن تربي أولادها على حب الدولة العثمانية. وفي 6 أيار 1915 أُعدم يوسف الهاني شنقًا في ساحة البرج (الشهداء) مع سواه من معتقلي الديوان العرفي العثماني في عاليه.

سمع الراوي خبر هذه الحادثة من نجل اسكندر الدوماني، ألبير، وريث الكرخانة الأخير الذي ظل يشغّلها حتى مطالع الخمسينات. وكان الفغالي يدخلها متفرجًا على حلَّ الشرانق وعمل الأنوال فيها، قبل توقفها عن العمل وبيع بنائها من الدكتور نسيب البربير الذي هدم المبنى وشيد المستشفى في مكانه. أما ألبير الدوماني فتوفي عازبًا، وكان من ملاك الخيول في سباق الخيل ببيروت. وقبل تشييد نسيب البربير مستشفاه، كان الدكتور إبرهيم رزق يملك مستشفى من طبقتين إلى جانب كرخانة الدوماني، فتدرب في المستشفى توفيق رزق، ابن أخيه، الذي أسس لاحقًا مستشفى رزق في الأشرفية.

نواطير الصحراء
إلى الحرير وأشجار توته وكرخاناته، كانت كروم الزيتون تملأ صحراء الشويفات الواقعة غرب طريق صيدا القديمة الممتدة من حرج صنوبر بيروت إلى مثلث خلدة جنوبا. وكانت صحراء الزيتون تلك تنبسط مترامية في امتدادها من خراج أو مشاعات قرى شرق السهل الساحلي: دير قوبل، الشويفات، كفرشيما، المرداشية، بسابا، وادي شحرور، بعبدا، الحدث، والمريجة، إلى شاطىء البحر. كل كرم زيتون في هذه الصحراء، كان له اسمه الخاص، وفيه منطرة، أي بناء بدائي صغير يأوي إليه وينام فيه ناطور يشرف على الكرم ويعيّنه صاحبه. ومن أسماء تلك المنطرات: الزغل، الياتون، المراح، ضهر الريحان، مسكيتا، السويدي، قلعة شعبانة، كركون الصحراء، وجل السلم (سًمي لاحقًا حي السلم) الذي كان سعدالله الخوري يملك كرومه المتدرجة كالسلم. وفي منتصف أربعينات القرن العشرين كانت صحراء الشويفات تحوي حوإلى 53 ألف و600 شجرة زيتون، وفق إحصاء لجنة المالكين التي أوكلت إلى نواطير كرومهم إحصاها، كلٌ في نطاق منطرته. وكان في صحراء الشويفات 34 معصرة زينون، تعمل على الطريقة التقليدية القديمة، طوال الليل والنهار، أثناء مواسم قطاف الزيتون. وإضافة إلى أشجار الزيتون، كان في الصحراء 12 ألف و500 شجرة خروب صندلي.

مقالع الحجارة والمدارس
العمل في  مقالع الأحجار الرملية في الساحل، ونقل الجمَّالين (أصحاب الجِمال) أحجارها، واستخدام الحيوان الصحراوي في تجارة القوافل التي كانت تصل إلى دمشق وحلب، من الأعمال المزامنة للعمل في الحرير، أو أقدم منه قليلًا. لكن الأكيد أن مقالع الحجر الرملي قديمة في الساحل، وكان يعمل فيها ويملكها أهالي برج البراجنة الشيعة وسواهم من أهالي القرى المسيحية الذين برع كثيرون منهم في تشييد البيوت الحجرية القديمة، ليس في قرى الساحل فحسب، بل في غيرها من المناطق والبلدات.

والأرجح أن مسيحيي الساحل حملوا معهم خبراتهم وبراعتهم في البناء من مواطنهم السابقة في القرى الجبلية، فيما كان أهالي برج البراجنة يعملون في تطيين جدران البيوت الداخلية، أو ترقيعها وتلييسها، على ما يقال بالعامية الدارجة. والعمل في مقالع الحجر الرملي واستخدام الجمال في النقل ظلا ناشطين في الساحل حتى أربعينات القرن العشرين.

وجدّ خليل خالد الفغالي، الذي عاد من مهجره في البرازيل إلى أهله في قريته المريجة سنة 1903، مَلَكَ بعد عودته مقلعًا للحجار قرب طريق صيدا القديمة، مستخدمًا الجمال في نقلها. وفي واحدة من أسفاره مع قافلة جمال إلى دمشق، عاد منها بسجادة عجمية كبيرة اشتراها من هناك، فظلت مفروشة في صالون بيته وبيت ولده أنطون خالد (الفغالي) من بعده، حتى وفاته غمًّا وكمدًا سنة 1980 في بيته، الذي نُهِبت السجادة منه مع أثاثاته، كسائر بيوت مسيحيي المريجة، عقب نهار واحد على تهجيرهم الجماعي الكبير من بلدتهم في ليلة من ليالي سنة 1983.

المدرسة الرسمية الابتدائية الأولى في ساحل المتن الجنوبي أسسها في الغبيري وأدارها في مطلع ثلاثينات القرن العشرين، أنطون خالد (الفغالي)، والد الراوي. قبلها كان الأولاد يتعلمون في بعض كتاتيب الكهنة والمشايخ. من أبناء الغبيري الذين تعلموا في المدرسة الرسمية: المهندس محمد كنج (صار كبير المهندسين في وزارة الأشغال). المحامي خضر الحركة (المرشح مرات عدة إلى النيابة التي لم يفز بها)، شقيقه القاضي ابرهيم، العميد يوسف الحركة، والمفوض فهد فرحات. ومن برج البراجنة كان تلامذتها النائب والوزير محمود عمار وبعض أشقائه. وسرعان ما كُلِّف مدير المدرسة (أنطون الفغالي) بإنشاء تكميلية رسمية قرب كنيسة مار مخايل في الشياح. ابنه الراوي تعلم في هذه المدرسة التكميليّة. ومن تلامذتها: يوسف ناهض، حنا الحمصي، عادل نصرالله، إدوار وجوزف أبو صالح، جوزف عازار، عادل رضا، وعلي جابر. ومن أساتذتها: الشاعر محمود ستيتيه، والد الشاعر والسفير صلاح ستيتيه. واللغوي بولس الشرتوني، وتوفيق غريّب، وعبد الهادي الخليل، وأكرم العريس، وجوزف نعيم، وإميل ناصيف الذي أصبح قاضيًا، وأحمد فليفل مدرس الرياضة والموسيقى، قبل أن يصير ضابطًا دركيًا وقائدًا لفرقة الدرك الموسيقية. وفي العام 1944 عُيّن جوزف نعيم مكان أنطون خالد (الفغالي) مديرًا للتكميلية.

وكانت الرهبانية اللبنانية ترسل كل أسبوع راهبًا إلى المدرستين لتعليم التلامذة الدين. وكان ذلك الراهب الأب سمعان الدويهي، الذي صار نائبًا في البرلمان عن زغرتا. وكان يعاونه في المدرسة كاهن رعية كنيسة مار مخايل، الخوري منصور الحايك الذي كانت تتدلى على صدره لحية بيضاء طويلة. والتلميذ نيازي عنيد، صاحب الصوت الجميل، هو من كان ينشد النشيد الوطني اللبناني صبيحة كل يوم قبل الدخول إلى الصفوف ولدى انصراف التلامذة من المدرسة.

صيدلية عبده دكاش، والد النائب الدكتور بيار دكاش، كانت قرب المدرسة. وقبالتها كانت دكان جرجس الطيار لبيع العلف والأسمدة، وبيت مخايل زكور، والد النائب والصحافي المرحوم ميشال زكور. وعلى الزاوية التي تتفرع منها طريق الشياح – الغبيري – طريق صيدا القديمة، كانت هناك دكان من الخشب لصاحبها من آل ريشا الذي كان يرتدي القمباز العربي.

حنين سقيم
كانت كلمة ضيعة هي الشائعة تسميةً لقرى ساحل المتن الجنوبي. وحتى اليوم لا يزال أهلهُا القدامى المعمرون من سكانها “الأصليين”، يستعملون كلمة ضيعة في أحاديثهم عن أيامهم الخوالي. وذلك إذا التقوا في أماكن بعيدة من ضياعهم الزراعية التي أزالها وشتّتهم عمرانُ الضواحي الجماهيري وبعثرتهم الحروب. وإذا جمعهم دفنٌ في مقابر قراهم القديمة الزائلة، التي لم يبقَ سوى شواهد قبورها وأسماء الموتى دليلاً على وجودها. وفي صُدف لقاءاتهم المتباعدة زمنًا، يسأل واحدهم الآخر، أكان شيعيا أم مسيحيا، إن كان “ينزل” إلى الضيعة، أكانت الضيعة برج البراجنة أم الشياح أم حارة حريك أم الغبيري أم المريجة.

وكان في برج البراجنة عدد قليل من العائلات السنية، منهم آل العرب. وعلى رأس هؤلاء القوم (“الأشاوس” بلغة الراوي الفغالي) “الضابط اليوزباشي” عبد الهادي العرب المعروف بأبو عثمان أيام الحرب الكونية الأولى (1914 – 1918). وكان لهذا “الفارس” فضل كبير على مسيحيي برج البراجنة أثناء مجاعة تلك الحرب. فحينما أصدر جمال باشا أمرًا بمنع الحبوب والطحين عن سكان جبل لبنان، كان أبو عثمان آمر العساكر في مخافر الساحل من الأوزاعي حتى نهر الأولي، فأمر عساكره بالتغاضي عن مهرِّبي القمح والجنوب إلى قرى الساحل، ومنها برج البراجنة التي كاد مسيحيوها يقضون جوعًا لو لم يكن أبو عثمان على رأس عسكر مخافر المنطقة.

من أمثال هذه المرويات، صورًا وشخوصًا، استمد الأخوان رحباني في ستينات القرن العشرين قصة فيلمهما الفولكلوري الغنائي “سفربرلك” عن لبنان الجبل في الحرب الأولى، فصوّرا مشاهده وحوادثه نسجًا على منوال حكايات الأطفال أو أحلام اليقظة السعيدة، ليهنأ لبنانيو الستينات ويزهون زهو أطفال الأعياد، في احتفالهم الفولكلوري بتراث ماضيهم الأسود. والراوي الفغالي لا تبرأ روايته عن لقاءات معمِّري قرى الساحل الزائلة من ذلك الفولكلور البلدي الساذج والسعيد.

أرض السلاح والعماء
لبنان كله – كقرى “ساحل النصارى” – صار اليوم أرضاً للعماء: أسماء جوفاء خاوية. تاريخ غائب، وحنين سقيم وخانق إلى ما لم يكن سوى أوهام، مثل فولكلور سعيد بسذاجته الطفلية… وسلاح مقدس يُعبَدُ كالأوثان، وصار هو وأهلُه التاريخَ و”الشعب” وسدرة المنتهى.