الرئيسية / مقالات / ساحر بحر العرب

ساحر بحر العرب

غاب في عُمان سلطانها، قابوس بن سعيد، الذي نقلها خلال 50 عاماً مما قبل القرون الوسطى وعصور الظلام تحت حكم والده، إلى كل ما في تقدّم الألفية الثالثة من علوم وعمار وتنمية. وكان السلطان سعيد قد منع على مواطنيه، حتى انقلاب قابوس عليه العام 1970، ما يلي: الكهرباء، القراءة، لعب كرة القدم، أن يتحدث عماني إلى آخر أكثر من ربع ساعة في الأماكن العامة، التنقل داخل البلاد بين الجبال والساحل، الموسيقى والغناء والراديو والآلة الكاتبة. وكانت للجيش فرقة موسيقية تتضمن قرع الطبول، فأبعد الطبالين منها خوف أن يقرعوا ذات يوم طبول الثورة.

كان لسعيد بن تيمور ابن واحد هو قابوس، سمح له بتعلّم الانكليزية. وكان يريد ارساله إلى بيروت للدراسة لكنّه خشي أن يتأثّر بالمظاهر المسيحية فأرسله إلى بغداد. وبعدها إلى كلية ساندهيرست العسكرية في بريطانيا. وعندما عاد إلى البلاد العام 1964 أسكنه القصر الملكي في صلالة، في شبه اقامة جبرية. ومنع عنه الكتب والجرائد وسمح له فقط بالأشرطة المسجلة. ووسط هذه الأشرطة تبادل قابوس والسلطة البريطانية تفاصيل عزل الأب المعتم.

عندما تسلّم السلطان الشاب السلطة، كانت لا تزال للعاصمة مسقط ثلاث بوابات تقفل عند السادسة مساء. ولم تكن مساحة الطرقات المسفلتة تتعدى عشرة كيلومترات في كل السلطنة، تقطعها عادة سيارة السلطان “الاوستن” وهو النوع الذي أغدقه الانكليز على جميع سلاطين المنطقة في لحج والضالع وغيرهما. فقد كبّروا لهم الألقاب وصغروا السلطة. وكان سعيد بن تيمور يخشى حركة الظلال والاشباح، ولا يأمن لأحد أو لشيء، منذ أن تآمر بعض عبيده (1966) مع متمردين من ظفار لاغتياله على الطريقة التي اغتيل بها أنور السادات: عرض عسكري قاتل.

أول قرار اتخذّه قابوس كان الغاء العبودية والرّق وابعاد الذاكرة العمانية عن شراكة السلاطين في تجارة العبيد في أفريقيا (زنجبار). والثاني كان نشر التعليم في بلد ليس فيه سوى ثلاث مدارس ابتدائية ونسبة الأمية فيه 95%. والثالث، اقناع المرأة العمانية الحامل بأن التوليد على يد قابلة أوروبية مسيحية لا يصيب المولود بالرجس. فقد كان معدل الوفيات عند الولادة آنذاك، الأعلى في العالم.

فازت جوخة الحارثي العام الماضي بجائزة بوكر للأعمال المترجمة عن روايتها الساحرة “سيدات القمر”(1). في خدرٍّ لذيذ وخفر ايمائي، ترسم جوخة الحارثي صورة المجتمع العماني وهو يتنقل بين سلطانين، الأول يشبه العصر الحجري، والثاني ينحت في الصخور البركانية السوداء، بلداً يعيش خارج الكهوف لا داخلها. جميع العمانيين الذين تعرفت اليهم قبل عام الخلاص، كانوا “هاربين”. جاؤوا الكويت أو السعودية وحتى بيروت، يعملون ويتعلّمون. وعندما أراد قابوس ارسال أول سفير إلى الأمم المتحدة لم يجد سوى زميل بسيط من زملائنا العاملين في الكويت. وكانت مؤهلاته، عدا طيبته وأخلاقه، تواضعه ونضاله ضد عصور الظلام.

العام 2010 أعلن صندوق التنمية الدولي التابع للأمم المتحدة ان عمان هي الدولة الأولى في تحقيق التقدّم في العالم، خلال السنوات الأربعين السابقة.

التقيت خلال عملي، جميع قادة الخليج منذ نصف قرن. الوحيد الذي لم التقه إلّا في مصافحات المؤتمرات، كان السلطان قابوس. ولا أذكر أنه التقى أي صحافي. أو أعطى أي مقابلة. أو نسب اليه أي حديث. حتى الصحافيون الذين عرف عنهم فبركة اللقاءات، وجدوا من الصعب ادعاء لقاء مع السلطان المبتعد عن سياسات العرب وصخب العرب وخلافات العرب، وبالتالي صحافتهم أيضاً. لكنني فهمت مرة من رسالة بعث بها إليّ عبر وزير اعلامه عبد العزيز الرواس، انه ليس غائباً اطلاقاً عن متابعة الاعلام العربي.

التقى قدران استكملا بعضهما بعضاً: الأول تكويني، وهو حب العزلة وكره المظاهر، والثاني جغرافي، وهو وجود عُمان على آخر حدود الجزيرة والخليج والعالم العربي برمته. وإذ تأمّل جيداً وضع بلاده، أدرك أن لا وقت لديه لأي شيء آخر، سوى العمل. وما دام “العرب ظاهرة صوتية”، كما وصفهم عبدالله القصيمي، فليتركهم لخطاباتهم اليومية وشتائمهم ونزاعاتهم. ومن أجل منع التنافس الداخلي والحد من الشهوات المألوفة، استبقى لنفسه الوزارات الأساسية.

وعلى نحو ما، كان قابوس المدرّس الخاص لكل عماني. في بدايات حكمه كان يخاطب الناس مرة كل أسبوع في شؤونهم اليومية، مدركاً انهم عاشوا حياتهم في الظلام وفي نظام يشرِّع العبودية. وكان في ذلك أقرب إلى الحبيب بورقيبة في تونس بعد الاستقلال، الذي أدرك النقص الذي يعانيه شعبه. ومثل بورقيبة أو لي كوان يو، أعطى الناس الحرية الشخصية ومنع عنهم الغرق في تفاهات السياسة وآفاتها وخوائها واجهاض حكوماتها والولوغ الوقح في مستقبل الناس. وقد استمرت تجربة سنغافورة من بعد لي كوان يو، أما في تونس فقد طغت الجينات العربية من جديد. وعادت الأولوية للهراء والجدل والظواهر الصوتية. ومثلنا، نحن أهل قرطاج، تعجز تونس اليوم عن تشكيل حكومة لها، هي التي عرفت يعض أرقى رجال الدولة. وتغرق في صغارات من الفئة التي تغرق فيها، كمثل أن يذهب رئيس الجمهورية إلى الأمم المتحدة ليدعو إلى جعل بيروت مركزاً للحوار ثم نكتشف أن وزارة الخارجية، على عجقتها بالشؤون الداخلية والفيتوات الأبدية، نسيت طوال عامين أن تسدد بدل الانتساب وبطاقة العضوية.

المشكلة في رجال أمثال بورقيبة ولي كوان يو وقابوس بن سعيد، أنهم لا يتكررون في سهولة. كل رجل عصر. محظوظ الشعب القادر على استبقاء عصور كباره. هنيئاً للشعوب التي لا تفترسها السياسات ولا تغرق حياتها ومصائرها وسكينتها في علك الكليشهات البالونية التافهة والمقززة.

عُمان قابوس بن سعيد تشبه حكاية في ديزني. ساحر يحوّل الظلام إلى أقمار طائرة ويرشُّ التنمية والتقدم كما كان كونفوشيوس يذرّ الحكمة في الحقول. بالقليل من النفط والكثير من التمور، والغزير من العمل، حاكت عمان ببطء وثبات ووعي دولة تتمتع بأحد أعلى مستويات الدخل. وعلى أطراف الهند وباكستان، أقامت هي المدن الأكثر نظافة في العالم. المرة الوحيدة التي تلقيت فيها دعوة من مدينة كانت من مدينة مسقط. وكان عبد العزيز الرواس مع السلطان في مدينة نزوى، على بعد ساعتين، فقصدته. وعلى مدى ساعتين لا قشة ولا غبرة على الطريق ولا كلينكس ولا زجاجات فارغة.

لم يكن قابوس يسافر إلى الخارج. لكنه كان يمضي جزءاً طويلاً من السنة متجولاً في المناطق، متفقداً الأهالي، متأكداً من أن اللحمة متينة بين الأعراق والجذور التي تتألف منها البلاد، حيث تبدو كلمات من نوع “توافق” و”تعايش” صدعاً قديماً واجتراراً تفوح منه رائحة الحموضة وقِدمها.

عندما تسلّم قابوس الحكم، كانت ثورة ظفار اليسارية على وشك الفوز. دعا الجميع إلى العودة. وجعل اشدّهم عنفاً أقربهم اليه، وفي طليعتهم عبد العزيز الرواس ووزير الخارجية يوسف بن علوي الذي لا يزال في منصبه إلى اليوم.

مع قابوس كانت تطول الحكومات. وكانت الممنوعات محرمات: لا فساد ولا لعي ولا ثرثرة ولامكاتب اعلامية تتبادل الكليشيهات السطحاء وطوفان الابتذال.

(1)سيدات القمر، جوخة الحارثي، دار الآداب.

اضف رد