الرئيسية / مقالات / ساحات أميركا وإيران: سلامة لبنان أولاً

ساحات أميركا وإيران: سلامة لبنان أولاً

أحمد جابر|الأحد05/01/2020
Almodon,com

تحييد لبنان عن الأعباء التي لا طاقة لديه على حملها (Getty)

جرت العادة الكتابية مجرى إعلان النضالية والتحررية، عندما يتعلق الأمر بحدث تكون الولايات المتحدة الأميركية أحد أطرافه. خلافاً لهذه العادة، وفي مناسبة الاستهداف الأميركي لقائد فيلق القدس قاسم سليماني، من الأجدى قراءة الحدث في سياقه، وربط المستهدفين بسياق السياسة العامة التي جعلتهم موضع استهداف. في السياق السياسي العام للصراع الدائر بين السياستين الأميركية والإيرانية، يفهم الفعل الأميركي سياسياً ومصلحياً، وعلى ذات المعنى يفهم الفعل الإيراني بارتباطه بمجمل التصورات الاستراتيجية، التي يسعى نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى تحقيقها. هكذا يكون المراقب أمام مشهد متحرك تستخدم فيه كل الأدوات والأساليب المتاحة في كواليس السياسة، وفوق تراب الميادين.

في المشهد هذا يتساوى طرفا الصراع أو أطرافه، وتكون المسؤولية عن النتائج السلبية مشتركة، وتبادل الموقع، بين فعل ورد فعل، حركة ينفذها ويكون فيها كل من انتسب إلى صراع سياسي واسع، ما يعني أن الفعل الهجومي المتصاعد لا يكون سياسة مبادرة لطرف واحد محدد، وأن الفعل الدفاعي لا يكون سياسة “رد ضرر” من قبل طرف آخر معين. هذا التحديد الذي ينسب إلى كل المتصارعين والمتقاتلين، الهجوم والدفاع بالتناوب، أو في اللحظة ذاتها، يجري مجرى السهولة عندما يكون المراقب غير منتمٍ لدوائر الصراع، وبعيداً من مجرياتها وتداعياتها، وهذا على عكس الذي يرفع شعارية المواجهة على امتداد الإقليم، ويتجاوز بمشاركته أو بإدانته أو بدعوته، حدود البلد والمنطقة إلى ساحات وبلدان بعيدة.

هدوء لبناني ممتنع
وضعية المراقبة من بعيد، لا يستطيعها اللبناني العادي الذي يسكن الخارج داخله، وتعكير الرؤية من البعد، يشترك في إثارتها المقيم البلدي الذي يرى في بلده تفصيلاً غير مهم، بمقياس القضايا الكبرى التي تستحق أن يسقط من أجلها وطن وبلدان.

لكن امتناع الهدوء على طالبيه، لا يمنع من الإدلاء برأي مخالف لكل السياق، الذي يدّعي أهله أن ضجيجهم هو الممر الإجباري، لابتكار هدوء يكون مقدمة لسكينة سلام مستدامة، في ظل نسق إيديولوجي، يشرف عليه قادة تصطفيهم الآلهة أو ينجبهم التاريخ الخلاصي، أي التاريخ الذي ينيط بكل قائد ملهم مهمة تحقيق غايات الزمان في حلبات المكان. الرأي الذي يتمسك ببعده عن السائد الإندماجي في صراعات الخارج، هو أضعف إيمان كل ذي نظرة معترضة تسعى إلى صياغة نسيج الداخل من خيوطه المحلية، والتي تدرك أن الألوان الاجتماعية المتعددة هي المشهدية الانسجامية التي تفترض تناسقاً لونياً واضحاً، وتعلم أن نشاز اللون الأهلي الفئوي ينتج لوحة تخضع باستمرار إلى إعادة نظر في التشكيل وفي التعديل.

ألوان لبنانية
يصطبغ كل طيف أهلي لبناني بلون محدد. هذا أمر يجب الإقرار به اليوم أكثر من ذي قبل. ذلك أن الاعتراف المتبادل يشكل أساساً للمواقف والسياسات التي يجب اتخاذها حيال المشهد، الذي نجم عن اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وما قد ينجم عن ذلك من تداعيات لها صداها لدى فئة لبنانية واسعة.

تأسيساً على ما حصل في العراق من قبل الأميركيين، تبرز الدعوة إلى إعلاء شأن التماسك الداخلي، وعدم تعريضه إلى التحاق يفوق طاقة احتماله، وإلى تجنب استخدامه كاحتياط في حسابات الاستراتيجي الخارجي، الذي هو حالياً السياسي الإيراني والسياسي الأميركي. تستدعي معادلة التماسك القول باستبعاد ما حصل في العراق عن أوهام توظيف نتائجها في لبنان. هذا يعني أنه من الجهل السياسي التنظير لإضعاف حزب الله أو استضعافه على خلفية أن اللحظة مؤاتية، كذلك من الجهل السياسي التبرير للعملية الأميركية العسكرية، وتنسيبها إلى هجوم معاكس شامل مرتقب، بحيث يبشِّر المنتظرون المتفائلون بقرب انقلاب التوازنات الداخلية اللبنانية. في امتداد ذلك، وساق المطالب على الساق، فإن مجموع المنادين بـ”محور المقاومة”، وفي طليعتهم حزب الله، مطالبون بفهم صعوبة اللحظة اللبنانية، وهم مدعوون إلى العمل بموجب هذا الفهم، الذي يستدعي إبقاء لبنان بعيداً عن كل الدعوات الثأرية التي انطلقت من طهران ووصلت إلى آذان “محورها” كأمر عمليات للمستقبل، الذي قد يقصر أمده أو يطول.

حزب الله غير محاصر، وحصاره مرفوض لبنانياً. إطلاق يد حزب الله أو سواه في الوضع اللبناني مرفوض أيضاً. الممكن والمقبول هو القول السياسي الذي يجب أن يظل بعيداً عن الميدان العملي، وعن تداعياته.

واجبات لبنانية
ضمن معادلة التعايش بين الممكن والمقبول، وغير الممكن والمرفوض، يحضر واجب القادرين في كواليس المحاور التي ينتمون إليها. وعلى هؤلاء تقع مسؤولية شرح معنى تحييد لبنان عن الأعباء. لأن في ذلك سياسة مفيدة للداخل اللبناني، ولكل القوى التي تقيم صلات مع المحاور الخارجية. وعلى سبيل الظنّ، تستطيع الثنائية الشيعية القول في المحفل الإيراني، إن خصوصية لبنان الآن ستنوء حتى السقوط بأي أثقال سياسية خارجية. مصدر الاعتقاد بقدرة الثنائية، حقيقة تقديماتها الكثيرة للسياسة الإيرانية. لذلك، فهي “تمون” على تلك السياسة في لحظة مصيرية صعبة كما هي عليه الحال اللبنانية الراهنة.

وللتأكيد، ولو من باب التكرار، يقع على عاتق باقي القادرين اللبنانيين عبء القول في مجالس الساسة الذين ينسجمون مع سياساتهم، لا قدرة للوضع اللبناني على الاحتفاء بما تعتقدونه “فوزاً”، ولا طاقة لهم للاستجابة إلى دعوات الانتفاضة على فئة من شركائهم في البلد، وأن للبنانيين طريقة حصار للنشاز الداخلي، من مظاهره الأبرز، التحرك الشعبي الذي اندلعت شرارته في البلاد منذ 17 تشرين الأول 2019.

خلاصة الأمر، طهران معنية بردودها. أميركا معنية بأفعالها. على اللبنانيين السعي إلى أن لا يكونوا وكيلاً عن أصيل، وأن لا يكون بلدهم بديلاً في المواجهة عن أي من البلدان… وعند مخالفة منطق اللبنانية الصعبة الآن، ومن أي جهة أتت هذه المخالفة، ستكون المعارضة هي السلاح في مواجهة كل الخارجين على منطق السلامة اللبنانية.

اضف رد