اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / “زيزفونة الدرب” للشاعرة الراحلة جمال سليم نويهض تترقرق في الكلمات

“زيزفونة الدرب” للشاعرة الراحلة جمال سليم نويهض تترقرق في الكلمات

19-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

جمال سليم نويهض.

تكتب #جمال سليم نويهض (أم خلدون) الشعر في “زيزفونة الدرب” (دار نلسن) مثلما تكتب الحياة أوقاتها. أو كمن تقرأ في كتاب خلاصته الأخيرة: كيف تصير القصيدة الجواب الوحيد في عراء هذا العالم. والمحسوس في الطبيعة يستدعي اللامرئي، كأن وصف الطبيعة في جانب منه إنسكاب للذات في الصور والحالات والمدلولات. وحين تصدح القصائد في الوطنيات يحضر الموقف الذي بدونه تبقى العاطفية قيد الإكتمال. هنا الشعر يلتحم بعضه ببعضه مثل الصوت والصدى والفعل والإنفعال. هكذا تحضر الشاعرة في الوجود، فلا حجب أو أقنعة بينها وبين الطبيعة ولا الإنسان ولا الآخر ولا القضية. كأن الشعر كان يرود الأشواق والآفاق والأرض البكر، ولم يزل ولم يستسلم مرة لوهن أو ضعف، بل قاوم وثابر وانتصر. 

الأجمل في قصائد جمال سليم نويهض أن الأمل لا يغيب بل ينمو كالبراعم بين الحروف والكلمات والأبيات ليجعل الحياة أغنية للحياة. حتى في القصص الشعرية تبزغ حكاية أجنحة الفراشة التي تنطلق منها رياح التغيير والحرية. وأراني في انحياز إلى ذلك السبك الخالص، حيث تفوح القصيدة فوح الحديقة وفوح روح الزمان، ولو كان زماناً مجيداً أو زماناً تعباً تبقى القصيدة الطائر الذي يكشف عن مجمل المكنون جسراً وقنطرة وأفقاً.

القصائد بعناوين مثل “الكرمة” و”زهرة الفل” و”دموع السماء” و”أبطال الحجارة” و”صلاة” و”البنفسجة الطموح” و”رثاء الحي” والمسرحية الشعرية “عمر ونغم”، تأخذنا إلى ربى وقمم في النفس والوجود والبيان. حالات تتجلى لأجل تأبيد اللحظة في تعابير ومفردات شعرية. لا تخفي الشاعرة رموزها وأسرارها أو حجبها بل هناك وصال عفوي ومستدام بينها وبين موضوعها. الشعر هنا هو الوجود هو الصيرورة وقد غدت كلمات وحروفا لتعبّر عن أحاسيس الروح وآلامها وحلاوتها.

كتبت جمال سليم نويهض القصة والمسرحية والرواية وجاءت إلى الشعر لتعبر عن مطلق يستحيل التعبير عنه بغير الشعر. ربما لأنها أدركت أن كل الفنون تسعى إلى أيقونة الشعر ورمزيته وفتنته. وأن الأحاسيس متى بلغت وارتقت وشفت، لن يحتويها سوى القصائد. هذه السوى تجد معادلا موضوعيا لها في معاني الإنتماء الإنساني والقومي والحلول في الطبيعة والكون.

هذا ديوان ديوان يحتفي بالمشترك الإنساني والوطني والجمالي والإبداعي الذي يحققه الشعر وسيظل يحققه رغم كل شيء. بعض الشعر وقوع العين على الأثر، وبعض الشعر ظن واحتمال، وبعض الشعر تمنّع وصراع، وبعض الشعر ضوء في الحياة وسفر في المحال، ولكن كل الشعر روح تترقرق في الكلمات. بهذا المعنى، تقبل جمال سليم نويهض على قصيدتها إقبال الصحو وإقبال المطر، وتصنع من المعنى ثرياتٍ ونجوماً. وتكمل الطريق لتكون القافية ماثلة في السياق وفي الفصاحة ذات الشعلة المتّقدة. ولها أن تفلت أنفاسها في أي غرض من أغراض الشعر ومواضيعه بلا قيود حتى يضيء السراج ويستفيض في الغنائية الهادرة من رحاب القصيدة ومن أبوابها ومن أقواسها ومن ينابيعها. وقد احسنت الشاعرة صنيعها لأنها جاءت من الصدق والحق والحقيقة. هذه القصائد هي تيجانها الباهرة وانتصاراتها المرة، وهي كنوزنا الباقية بعد إنقضاء العمر وستبقى ماثلة أمامنا كحياة مستعادة بالشعر ومزهوة بالأمل ونابضة بالشوق.