الرئيسية / home slide / زيارة ماكرون وفرت مخرجاً للحزب!

زيارة ماكرون وفرت مخرجاً للحزب!

04-12-2021 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في معرض “إكسبو” الدولي في دبي (أ ف ب).

سيأخذ كثر استقالة الوزير #جورج قرداحي على أنها خطوة كانت ملحّة وضرورية وتأخّرت ولكنّها حصلت من أجل تخفيف ردّ الفعل السعودي وتالياً الخليجي الكارثي على لبنان. لن يتوقف هؤلاء عند الكلام الذي قاله قرداحي في مؤتمره الصحافي، وقد هالهم “التخبيص” الذي قام به لجهة إعلانه أنه “يتخلى” عن مسؤولياته فيما لا يدرك أنه ليس في موقع من يستطيع أن يقوم بذلك، لأن الوزير يستقيل أو يُقال أو تُنزع منه الثقة في مجلس النواب. لكن قرداحي قال إنه “تُرك له القرار ليعلن استقالته” وهو أمر مهمّ باعتبار أن هذه الاستقالة تعني أنها لم تكن ملكه وكانت تُوظّف، كما أنه تبلّغ من رئيس الحكومة أن الرئيس الفرنسي يزور المملكة السعودية وهم طلبوا استقالته، ما يثير تساؤلات عن رفضه الاستقالة فور انفجار المشكلة مع المملكة والدول الخليجية بذريعة أن الأمر لا يحصل بناءً على طلب سفير أو دولة ما.

كان يمكن لمن هم وراء قرداحي أن يبيعوا الورقة فوراً للسعودية بدلاً من بيعها للرئيس الفرنسي لولا أن الحزب أو إيران رأت فيها فائدة جمّة في هذا التوقيت بالذات فيما هي على طاولة التفاوض في فيينا حيال ملفها النووي وتحاول أن تحدِث تمايزاً في المواقف الغربية إلى جانبها أو سوى ذلك ممّا تسعى إلى تحقيقه. فعلى الأقل كان يمكن أن يتمتع لبنان بالسيادة لبيع ورقة الاستقالة مباشرة بدلاً من اللجوء إلى وسطاء مهما كانوا أصدقاء لو أن السلطة تمارس الحد الأدنى من السيادة الوطنية، علماً بأن هؤلاء الوسطاء كانوا أول من طرح ضرورة استقالة قرداحي منعاً لتفاقم تردّي العلاقات مع الدول الخليجية من دون طائل. والمفارقة أن لبنان يشحذ لمواطنيه ولجيشه بكل أسف المساعدات والأموال فيما نتحدث عن الكرامة الوطنية، ما يعكس مدى أزمة غياب رجال الدولة بمقدار ما هي عليه أزمة النظام في لبنان.

يقول ديبلوماسيون إن خطوة إعطاء ورقة الاستقالة للرئيس إيمانويل #ماكرون على صلة أكبر بالمسؤولية المتزايدة في الانهيار، التي لن يستطيع تحمّلها “#حزب الله” نتيجة تراكمات مواقف إزاء تصنيف الحزب إرهابياً بكليته وتأثير ذلك على أبناء الطائفة الشيعية أينما كانوا في الغرب أو في الدول العربية، إضافة إلى أنه وحده في واجهة تكذيب سيطرة إيران على لبنان أو احتلالها له. ولم ينجح حليفه رئيس التيار العوني في دحض منطق عدم وجود احتلال إيراني للبنان عبر سيطرة الحزب، فيما لا يعدو ذلك رأياً سياسياً يقابله واقع مثبت على مستويات، فضلاً عن اتساع مروحة الأفرقاء السياسيين الذين يرون لبنان خاضعاً للسيطرة الإيرانية. يصرّ هؤلاء الديبلوماسيون على أن الذهاب إلى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد ١٣ شهراً من التعطيل كان مخرجاً لأن أفرقاء التعطيل بدأوا يلمسون انعكاسات خطيرة على أوضاعهم المباشرة قبل أي نجاح للجهود الخارجية. وهذا ينسحب راهناً على الحزب الذي وجد مخرجاً في بيع ورقة الاستقالة للرئيس الفرنسي تجنّباً لبيعها المباشر للمملكة السعودية والدول الخليجية، فيبقي فرنسا إلى جانبه بعيداً عن الالتحاق بتصنيفه إرهابياً كما تضغط الولايات المتحدة ودول أوروبية، ولا سيما أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه بعدما أصبح مسؤولاً على نحو مباشر ومعلن عن الكوارث التي تصيب اللبنانيين خصوصاً بعد الأزمة مع الدول الخليجية، فيما يصوّر نفسه منقذاً ومقدِّماً مساعدات للبنانيين من أبناء طائفته ثمّ تعميم أفضاله على الآخرين. فهذا تناقض لا يستطيع الحزب بيعه للبنانيين بعد الآن حتى لبيئته في الجنوب والبقاع.

يصعب الاعتقاد، في ظل المواقف التي أعلنها وزير الخارجية السعودي من الأزمة التي انفجرت أخيراً مع لبنان، بأن العلاقات ستُرمَّم بسهولة. هناك منطقان، أحدهما أنّ دول الخليج العربي لا ينبغي أن تترك لبنان تحت وطأة هذه الأزمة وما سبقها من استفزاز وأخطاء لإيران، إذ تكون قد ذهبت بإرادتها إلى فخ وضع إيران يدها على لبنان العربي كلياً. هذا كان جانباً من المسعى المبدئي لدول عدة مع الدول الخليجية وفي مقدّمها المملكة السعودية. فالعراق تُرك لإيران وكذلك سوريا، وهناك صعوبات جمّة أمام استعادتهما ولو جزئياً، فيما خسارة لبنان قد توفر لإيران الامتداد التاريخي الذي تسعى إليه، علماً بأن غالبية شعبه لا تزال تمانع وتجد في الدول الخليجية والمحيط العربي امتداداتها بغضّ النظر عن أهل السلطة التي ينكرها الشعب ولا يريدها. فالدول الغربية ترغب في أن تكون الانتخابات معبّرة عن تطلّعات الشعب اللبناني الذي ثار على الطبقة السياسية وحصرت كل الدعم بالشعب اللبناني من دون الدولة ومؤسّساتها.

يمكن أن تبيع المملكة باريس تساهلاً تترجمه دول مجلس التعاون الخليجي إزاء لبنان قبل المملكة السعودية، لكن إزاء مقابل أيضاً تقدّمه باريس. وهذا على الأرجح ما يمكن أن يحصل نتيجة الوساطة الفرنسية بداية، فيما اللبنانيون يدركون قبل الآخرين أن المسألة لا تُحلّ بهذه الاستقالة، فيما الدولة عاجزة عن التزام مسار واضح في سياستها الخارجية كان دوماً مطلوباً في هذا العهد من دون طائل.

لا ينبغي أن يكون تذرّع قرداحي بأن اتصالات كثيرة من لبنان والعالم (!) ناشدته عدم الاستقالة. وتستطيع المملكة أن تسجّل مكسباً من زاوية أن الاستقالة، بغضّ النظر عن أهمّيتها وتأثيرها، حصلت فيماهي الاستقالة الثانية بعد استقالة الوزير شربل وهبي، ما يعني أنها أوجعت لبنان بقسوة أيضاً. والسؤال: هل سيرتدع أهل السلطة نتيجة لذلك حتى لو في غياب سياسة خارجية محدّدة في ما بقي من الولاية الرئاسية الحالية؟

المنطق الآخر يتصل بحتمية عدم ترك الدول الخليجية الشعب اللبناني ككل وفي مقدّمه الطائفة السنّية، مهما يكن العتب أو المآخذ. فالدول مصالح وتتجاوز الاعتبارات الشخصية. وفيما تتحسّس المملكة من استغلالها بالدعم المالي، فإن الدعم السياسي ومساعدة مؤسّسات لبنان لكي لا تنهار وتخدم الخصوم يكتسب أهمّية قصوى، وهو في مصلحة لبنان والدول العربية على حدّ سواء.