الرئيسية / مقالات / زيارة بوتين دمشق… أبعد من ملء فراغ؟

زيارة بوتين دمشق… أبعد من ملء فراغ؟

  • جورج عيسى
  • المصدر: “النهار”
  • 8 كانون الثاني 2020 | 18:56

صورة نشرتها الرئاسة السورية تظهر الرئيسان بشار الأسد وفلاديمير بوتين يتصافحان في دمشق، 7 كانون الثاني 2020 – “أ ب”

في زيارة “مفاجئة” لكن غير منفصلة على الأرجح عن سياق التوتّر الإقليميّ، وصل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى سوريا للقاء نظيره السوريّ بشار الأسد في “مقر تجميع القوّات الروسيّة” في دمشق. من غير المؤكّد ما إذا كانت زيارة بوتين سوريا قد فرضتها الظروف المستجدّة أو محدّدة سلفاً بما أنّها أتت قبل يوم واحد على توجّهه إلى أنقرة للقاء الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان. لكنّ غموض هذا التفصيل لا يخفي أهدافاً أخرى محتملة قصدَ الرئيس الروسيّ تحقيقها أمس.

احتمال أوّل

ذكر الكرملين أنّ الرئيسين استمعا للتقييمات العسكريّة التي تحقّقت مؤخّراً، وقد أعلن بوتين أنّه “يمكن القول بثقة إنه تمّ اجتياز طريق هائل نحو إعادة ترسيخ الدولة السوريّة ووحدة أراضيها”، وأنّه “يمكن أن نرى بالعين المجرّدة عودة الحياة بسلام إلى شوارع دمشق”. وتوسّط الرئيسان وزيري دفاع البلدين وسط حضور عدد من الضبّاط الروس.

هنالك احتمال أوّل في أن يكون بوتين قد أعاد التشديد على محوريّة الدور الروسيّ في الحسم الميدانيّ. يؤيّد هذه الفرضيّة الحضور العسكريّ الطاغي على المحادثات الرسميّة. واستمع الرئيسان إلى عرض عسكريّ قدّمه قائد القوّات الروسيّة العاملة في سوريا.

جال بوتين على عدد من المعالم الدينيّة في دمشق وهي الجامع الأموي وضريح النبي يحيى (يوحنّا المعمدان) ودوّن كلمة في سجلّ الزوّار. وزار أيضاً الكاتدرائيّة المريميّة للروم الأرثوذكس حيث كان بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي في استقباله. يمكن ربط جولة بوتين بين شقّيها الدينيّ والسياسيّ حيث يُظهِر الرئيس الروسيّ مساهمة موسكو الأساسيّة في إعادة الأوضاع إلى الهدوء.

“ضعف موقع إيران”

طرحَ توقيت الزيارة أسئلة عمّا إذا كانت مرتبطة باغتيال قائد قوّة القدس قاسم سليماني. يصعب امتلاك الجواب الأكيد من دون معرفة ما إذا تمّ اختيار توقيتها قبل أو بعد عمليّة الاغتيال. علماً أنّ سليماني هو الذي سافر إلى روسيا في آب 2015 لطلب المساعدة العسكريّة في سوريا حين كانت موازين القوى تصبّ في صالح المعارضة المسلّحة. لكنّ صراع النفوذ الضمنيّ بين إيران وروسيا حول سوريا ليس مسألة جديدة. نقلت وكالة “رويترز” عن الخبير في الشأن السوريّ دايفد ليش قوله: “أعتقد أنّ بوتين هناك لتعزيز الموقع الروسيّ في سوريا ومع شخص الرئيس السوريّ بشار الأسد، خصوصاً مع ضعف موقع إيران بشكل لا رجعة عنه، بما أنّ سليماني كان أساساً إيران في سوريا”.

يفتتح اغتيال سليماني فصلاً جديداً في الإقليم. تحاول موسكو تكييف التطوّر الجديد بما يحفظ موقعها في مشهد متغيّر، بالنظر إلى ما كان يمثّله سليماني من قوّة عسكريّة في الميدان. مع فقدان إيران للعقل المخطّط لتوسّعها العسكريّ في سوريا، ثمّة حاجة لملء تراجع محتمل في الدور الإيرانيّ، على الأقلّ وفقاً لتحليل ليش.

“بعكس الولايات المتّحدة”

لا يتّفق كلّ المحلّلين على الرؤية نفسها حول زيارة بوتين سوريا من حيث مطابقتها مع واقع اغتيال سليماني. هنالك رأي يشير إلى أنّ الرئيس الروسيّ أتمّ زيارته على وقع إثبات تناسق السياسة الروسيّة في المنطقة. نقلت شبكة “بلومبيرغ” عن مدير المجلس الروسيّ للشؤون الدولية أندريه كورتونوف قوله: “هذه إشارة واضحة إلى الحلفاء والخصوم أنّه حين يتضاءل الاستقرار وترتفع المخاطر، حين يظهر اللا يقين، تؤكّد روسيا أنّ حضورها في الشرق الأوسط غير متبدّل، بعكس الولايات المتّحدة”.

وفاضلَ كورتونوف بين عدم القدرة على التنبّؤ بتصرّفات ترامب والتناسق في السياسة الروسيّة والذي يصبّ برأيه في مصلحة روسيا. بناء على ذلك، أشارت زيارة بوتين إلى أنّه يأتي إلى المنطقة وفقاً لرؤيته الخاصّة.

ستتوازى الرؤية الروسيّة مع عمليّة اغتيال سليماني وتتكيّف مع نتائجها. لكنّ نظرة بوتين إلى عمليّة الاغتيال قد تنبع من مشاعر متناقضة وفقاً للبعض. تحتاج روسيا إلى القوّات البرّيّة التي شكّلها سليماني من أجل الحفاظ على الاستقرار داخل سوريا. لكن من جهة أخرى، شكّل القائد السابق لـ”قوة القدس” التجسيد الأبرز للنفوذ الإيرانيّ السياسيّ والاقتصاديّ في ساحة تغصّ بمواقع النفوذ المتصادمة.

“رِضا”

نقل موقع “ألمونيتور” عن المحلّل السياسيّ المقيم في موسكو، أركادي دوبنوف، قوله إنّ “موسكو تلقّت تصفية سليماني برضا وحسد ومهابة”. بِرضا، لأنّ إلغاء الرقم الثاني في القيادة الإيرانيّة يضعف مواقف طهرن الإقليميّة ويعزّز مواقف روسيا، وفقاً لشرح دوبنوف.

لا يعني تعزيز الموقف الروسيّ على حساب الموقف الإيرانيّ وفقاً لفرضيّة “الرضا” ارتياحاً مطلقاً في الكرملين. فالزيارة التي أتت قبل الردّ الإيرانيّ على الأميركيّين في العراق أمكن أن تهدف إلى إبعاد سوريا عن تحويلها إلى ساحة للصراع الإيرانيّ-الأميركيّ أو الإيرانيّ-الإسرائيليّ. فتدهور الوضع الأمنيّ في سوريا يهدّد مكاسب موسكو التي حقّقتها بعد تدخّلها العسكريّ في البلاد. كما أنّ الدور الذي لعبه الروس منذ تدخّلهم العسكريّ في سوريا تمحور حول الوساطة في الشرق الأوسط بين مختلف أطراف الصراع، لا الانضمام إلى طرف أو محور على حساب آخر. على أيّ حال، ثمّة تساؤلات عمّا بعد زيارة بوتين إلى سوريا.

وفقاً لدوبنوف، نظر الكرملين “بحسد” إلى الاغتيال “لأنّ البيت الأبيض أظهر علناً من هو المُشكّل الرئيسيّ للنظام العالميّ اليوم. لا يزال هذا الموقع بعيد المنال عن الكرملين، ولا يزال عليه قيادة عملياته الخاصّة بسرّيّة بما أنّه ليس متأكّداً حقّاً ممّا إذا كان لديه “حقّ القوي”. أمّا المهابة، فلأنّ العمليّة الأميركيّة كانت “فعّالة، هادفة، وسريعة”، بحسب المحلّل نفسه.

على الأرجح، سيكون اغتيال سليماني مؤثّراً في موقع روسيا في سوريا، لكن أيضاً في الشرق الأوسط وربّما في نطاق أوسع. لهذا السبب، ستكون الزيارة محطّة من محطّات عدّة ترسم تحرّكات بوتين المستقبليّة على ضوء الموقع الأميركيّ بعد اغتيال سليماني. وخطوات بوتين اللاحقة ستبيّن ما إذا كان دوبنوف على حق لجهة من يرسم معالم النظام العالميّ في الوقت الحاليّ.

اضف رد