زيارة أولى إلى بيت الحزب المسيحي الأعرق… فماذا عند رئيسه؟

كانت المرة الأولى التي يُقيّض لي أن أدخل فيها إلى البيت المركزي لحزب الكتائب في الصيفي، لمقابلة رئيس الحزب النائب سامي الجميل في موعد مسبق، على الرغم من أن هذا البيت التاريخي بناءً ودوراً فاعلاً في الحياة السياسية اللبنانية، لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن مكان عملنا.

المسألة لم تكن نابعة من عداوة أو تصفية حساب، مع أن في الطيات العميقة لنفس يساري مخضرم مع حزب أولى صفاته أنه يميني الهوى وُجد أصلاً للمحافظة على الكيان ولحراسة الصيغة من أي تعديل أو تبديل أو حتى تطوير وتحديث، شيء من الودّ المفقود أو النقزة التي لم تمرَّ بمرور الزمن.

على باب هذا البيت العتيق تدافعت إلى ذهني دفعة واحدة كل تلك الخواطر، ولكن ما لبثت أن تيقنت بمجرد أن صافحت سيد هذا البيت، أن الأمر كله لا يستأهل كل ذلك التهيّب الذي اعتراني سلفاً، خصوصاً بعد البشاشة والابتسامة العريضة التي استقبلني بها، وخصوصاً أيضاً بعدما استنتجت سريعاً أن ثمة فارقاً كبيراً بين الصورة الجادة والصارمة التي يحرص الرجل على الظهور بها في إطلالاته الإعلامية، لاسيما وهو يوجه فيها سهام الانتقاد الحادة إلى النخبة الحاكمة، وبين صورته المباشرة التلقائية وهو يستقبل زواره بكل أريحية.

لا ريب أن أمر الولوج إلى هذا المقر الحزبي التاريخي لأعرق حزب مسيحي لبناني على الإطلاق (تأسس في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي) في هذا الوقت بالذات لم يعد ذاك الحدث المدوّي أو الفعل المستغرب. فالحرب الأهلية، وما أوجدته من حواجز وسدود انتهت منذ نحو ثلاثة عقود، والحزب الذي كان ذات يوم “الآمر الناهي” في ساحته وميدانه قبل أن تخرج من رحمه وتتناسل قوى وتيارات تتصدى لمنافسته والحلول محله، لم يعد بهذه الصفة وبهذا الدور الريادي حالياً، عدا عن أن خارطة الأحوال في الساحة المسيحية، خارج حدود هذا البيت المطل على المرفأ والبحر اللامتناهي قد أصابها التحول والتبدل تماماً لتنقلب الأدوار والأوضاع رأساً على عقب. فتقدم متأخّرون، وتراجع متقدّمون، وسبحان الحي الدائم.

ربما من هذا المنطلق ومن هذه الخلفية بالذات، يُكثر الشيخ سامي في حديثه التعارفي المختصر معنا، من الكلام عما أسماه “ضياع المقاييس السياسية وسيادة الفوضى واختلال الموازين في الساحة”، لدرجة أن المشهد الحاضر بعناد أمامنا منذ ردح من الزمن أضحى أقرب ما يكون “إلى طبخة الشوربا أو صحن الفتوش، لاسيما وأن الطبقة السياسية الحاكمة تبدو في حال انعدام وزن وعجز عن اجتراح الحلول والخروج من عنق زجاجة الأزمات المتوالدة باستمرار”.

وعليه لم يفاجئ سليل عائلة الجميل الضاربة جذورها عميقاً في عالم السياسة اللبنانية، والمنحدرة أصلاً من بكفيا البلدة الجبلية المتنية، لتأخذ مكانها الريادي في الأشرفية الحاضرة المسيحية الساحلية في العاصمة، عندما بادرناه بالسؤال عن أبعاد هذا الحجم من الاحتقان السياسي الحاصل في طول الساحة اللبنانية وعرضها والذي تجلت ذروته أكثر ما يكون في حدث طرابلس الأخير (لم يكن مر على لقائنا معه أكثر من 24 ساعة على الحدث إياه) وما سبقها من أجواء سجالية حامية بين التيارين البرتقالي والأزرق (الوطني الحر والمستقبل)، هددت بسقوط التفاهم بينهما، وفوقها جو الاحتقان الضمني بين تيار المستقبل وحزب الله والذي تجلى برد التيار والمحسوبين عليه (رؤساء الحكومات السابقين) على قول سيد الحزب السيد نصرالله من أن الرئيس سعد الحريري لم يمثل إلا نفسه في قمتي مكة ولم يكن ينطق بلسان جميع اللبنانيين، فضلاً عن الاحتقان بين التيار الوطني وحزب القوات اللبنانية.

وقد أخذ (الشيخ سامي) الحديث ليعزو ذلك التوتر الحاصل إلى سبب أساسي وهو “نهج الكومبينات وتبادل المنافع وتقاسم الحصص الذي وسم المسار السياسي اللبناني وحراك أفرقاء الحكم الأساسيين، وهو ما تجلى بهذا الضياع الذي يسود عملية ينبغي أن تكون من أهون أعمال الحكم، وهو إقرار الموازنة العامة. وما يستغربه الرجل في هذا الإطار كيف أن المشاركين في الحكومة أقروا مشروع الموازنة أخيراً بعد لأي ومخاض عسير، ليعود نوابهم في اللجان النيابية المشتركة ليطالبوا بتغيير الأرقام وتبديل الوقائع”.

ويستطرد الشيخ سامي ليأتي على ذكر “النصر السياسي” الذي حققه نواب حزبه من خلال قبول المجلس الدستوري الطعن الذي قدمه هؤلاء مع سبعة نواب من كتل أخرى ببعض ما تضمنه مشروع الكهرباء. ويسارع إلى استغراب كلام وزيرة الطاقة ندى البستاني عن أن قبول الطعن هو “مجرد عرقلة للمشروع المنتظر”. ويسأل: “كيف يصير الاعتراض على مشروع وفق المعايير والأسس والآليات الدستورية والقانونية عرقلة؟ إنه أغرب الغرائب ودليل على الجهل بروحية القوانين والدستور؟”.

لا يخفي الشيخ سامي الإشارة إلى أنه في مرحلة “تزخيم الجهود” لوضع حزبه الأعرق على خارطة قوى المعارضة لما هو سائد من ممارسات في الحكم والإدارة، وعلى خارطة المشهد السياسي عموماً. لافتاً في هذا الإطار إلى الصدى الإيجابي الذي لقيه مؤتمره الصحفي الذي عقده أخيراً حول الموازنة العامة وما اعتراها من خلل وتجاوزات بل وأخطاء فاضخة”. والجدير ذكره أن الحراك السياسي للرجل كان بلغ أخيراً مداه عندما زار قبيل أيام قليلة الضاحية الجنوبية ووجهته هذه المرة لم تكن حزب الله حيث تُقصد الزيارات، لكنه آثر أن يزور السيد علي فضل الله وريث مرجعية والده المجتهد الراحل السيد محمد حسين فضل الله، والذي يصرّ على أن يكون له مكانة مميزة. ومن باب التذكير ليس إلا، إن والد سامي الرئيس أمين الجميل عندما أراد في عقد التسعينيات أن يزور الضاحية، اختار زيارة العلامة الراحل.

طبعاً الشيخ سامي يختزن في نفسه الكثير مما يود أن يبوح به من مواقف ويطلقه من أسرار، ولكن، ولأن الزيارة كانت بقصد التعارف أولاً كان الوعد بلقاءات أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*