الرئيسية / home slide / زياد كاج: كتبت بنية صافية وسعيت لاستعادة الماضي بوعي الحاضر

زياد كاج: كتبت بنية صافية وسعيت لاستعادة الماضي بوعي الحاضر

زهرة مرعي

 القدس العربي
03072022

مهنة الصحافة وكواليسها في رواية «مونداي مورنينغ» ولقاء الوردية بالسيوفي

بيروت ـ «القدس العربي»: جذبني عنوان رواية «مونداي مورنينغ» فقررت قراءتها. يعود العنوان لمطبوعة شكّلت في زمن مضى، جزءاً من واجهة برّاقة لصحافة لبنانية مرّت بمراحل ازدهار وانتشار كبيرين. تلك الصحافة التي احتلت لمرحلة طويلة صفة النموذج الحر للصحافة في العالم العربي، كبت رويداً رويداً بدءاً من إقفال مؤسسة ألف ليلة وليلة، بفعل عالم الإنترنت. صاحب الرواية الأديب والكاتب زياد كاج مرّ ضيفاً لسنوات على مطبوعة مونداي مورنينغ الأسبوعية الإنكليزية. مهنة لم يجد نفسه فيها فراح إلى عمل آخر. له العديد من الروايات وكتب الشعر.

في روايته «مونداي مورنينغ» بدا زياد كاج صاحب سردية قصصية قالبها ساخر وتهكمي. هكذا وصف تجربته في عالم الصحافة. نصه واقعي، مُطرّز ببعض الخيال. ومن تُشكّل مهنة الصحافة جزءاً من حياته، يحاول فصل الخيال عن الواقع ليتعرّف إلى بعض المجريات الداخلية للسلطة الرابعة.
في رواية زياد كاج عن تجربته المهنية محطات، بعضها يتضمن عبقاً إنسانياً وتضامناً مع الزملاء. وتتضمن أسئلة ربما ليس لها إجابات حتى الآن عن عالم الصحافة. كشف بعض كواليس المؤسسات الصحافية، وتناول أسماء بعينها.
«مونداي مورنينغ» رواية تعتمد الأسلوب المبسط كما الكتابات الصحافية بشكلها العام. وتحتفظ بجانبها التشويقي الكامن في المهنة وكواليسها بحد ذاتها. والأكثر تشويقاً فيها مرحلة انتقال الكاتب مع زملائه من مكتب الوردية في الحمرا، إلى مكاتب السيوفي في الأشرفية. تجربتة شيقة بالفعل، يصف فيها اخلاط مكونات اللبنانيين وبدء رحلة استكشاف الآخر بحذر وريبة. كانت تجربة غير مشجعة، لكن رواية «مونداي مورنينغ» الصادرة عن دار نلسن أعادت خلط الأوراق. حضر زملاء السيوفي توقيع الرواية، تسامروا وتضاحكوا، وبات للجميع «غروب» عبر واتس أب. اقفلت مطبوعة، لكن قلوباً عادت لتفتح وفق مشاعر إنسانية عمادها تقبل الآخر.
مع زياد كاج هذا الحوار:
○ ما هي نسبة الحقيقة إلى الخيال في هذه الرواية؟
• تساوي الحقيقة نسبة 90 في المئة.
○ هكذا يمكن أن نطلق على الرواية تعريف التوثيق لمرحلة محددة؟
• إنها تجربة شخصية عشتها مع عدد من الزملاء والأصدقاء. كتبتها بهدف استعادة ما عايشناه معاً في مجلة «مونداي مورنينغ» في مكتب الوردية، وهي واحدة من المطبوعات التي كان يملكها ويديرها نقيب المحررين الراحل ملحم كرم. وكان للمطبوعة مكتب آخر في الأشرفية حيث مقر النقابة. إلى مكتب الوردية كانت تصل المواد لترجمتها، وإعادة كتابتها باللغة الإنكليزية. أردت أن تشكّل هذه الرواية نوعاً من الأدب الساخر، وتحكي تجربتي المهنية. خلال الكتابة لم تكن الأهداف شديدة الوضوح، ثمّ كانت استعادة للذكريات تظهّرت بالتدريج خلال الكتابة. كتبت بنية صافية.. وإنما الأعمال بالنيات.
○ ما هو العامل المؤثر في هذه التجربة؟
• إنها شخصية «كريس» المصحح الأمريكي الغريب الأطوار. كان ينتمي للمدرسة التقليدية باللغة الإنكليزية، ونحن نرغب بالتحرر منها نسبياً. لهذا حدثت خلال العمل مواقف مضحكة للغاية. كنّا في مرحلة تجربة مهنية غير واضحة المعالم. قد ننجح؟ قد نُكمل؟ إنها أسئلة. ما اكتشفته بالتدريج أننا كنّا حيال صحافة الزبائينية والفساد. فالحوارات التي كان يجريها النقيب الراحل والتي كان مكتب الوردية يترجمها للإنكليزية، وتنشر بالعربية والفرنسية في مطبوعات دار ألف ليلة وليلة الأخرى، كانت مدفوعة الثمن.
○ لو تواصلت تجربتك المهنية ولم تكن عابر سبيل هل كنت كتبت ما احتوته «مونداي مورنينغ»؟
• حينها لم أكن أدرك أني عابر سبيل. لم اُكمل هذه المهنة، فهي تحتاج لنفس طويل وعلاقات عامة، وإنسان لا يجنح نحو الأبيض والأسود. وكوني شاعر ورسّام منذ بداياتي، لم أجد نفسي في هذا المكان. آخرون من الزملاء في الرواية كما صديقي «عبد الرحمن» نجح واستمرّ في المهنة، فهو ذو شخصية تمكنه من المتابعة، ومسايرة الآخرين. وهنا أعود للقول أن رواية «مونداي مورنينغ» ليست بكليتها عن الصحافة.
○ لكنّك ركزت أكثر من مرّة على النقيب الراحل ملحم كرم الذي استمرّ على رأس النقابة 44 سنة؟
• لم أكن اعرفه شخصياً بل كان يُلفتني حين يلتقي المسؤولين السياسيين مع وفد من النقابة، وينتقل ليصرِّح رسمياً ومن خلفه مجموعة يومئ بعضهم برأسه موافقاً. وجدت النقابة جزءاً من الحياة السياسية في لبنان. وكان شكل النقيب يلفتني من شعره إلى ملابسه التقليدية. التقيته لأول مرّة في مكتب السيوفي حين استدعانا لاجتماع بعد فتح معابر بيروت على بعضها. وصف النقيب الراحل في الرواية هو جزء من مهمتي كأديب وروائي. أنصفته حين قلت بأن جديداً على المهنة أمثالي، ليس له بالضرورة أن يحكم بهذا القدر. كان للنقيب الراحل دور في زيارة الدول التي حلّ ضيفاً عليها، لأنه كان إلى حد ما يتعامل مع الآخرين كرجل دولة استمر لـ44 سنة نقيباً للمحررين، أي انه جزء من المنظومة التي أدت بنا لما نحن عليه. ما يشفع له أنه وبعد الحرب الأهلية اتاح لنا إكتشاف الآخر، حين قرر نقل العاملين في مكتب الوردية إلى السيوفي في الأشرفية.
○ وحسب الرواية كانت مرحلة قاسية على العاملين في مكتب الوردية؟
• نحن المنتقلين إلى السيوفي حللنا في مكاتب محرري جريدة «البيرق» قبل الظهر، وهم بعد الظهر. نعم، المعاملة سيئة، وكان وقعها أخف علي شخصياً كون والدتي من طائفة الروم الأرثوذكس، وصلتي بالأديان الأخرى تعود للنشأة. في الرواية أنصفت الزملاء وكيف تعاملوا مع الوافدين الجدد. فلم يكن اللقاء منطقياً بيننا وبين مجتمع يشعر بالهزيمة والإحباط. في ظل هذه المشاعر، ليس مرحباً بالوافد، لكنّ النقيب كان واعياً للواقع وفرض وجودنا.
○ في جزء منها هل نبشت رواية «مونداي مورنينغ» الماضي وفسّرته؟
• نعم، وهذا جزء أساسي من الرواية. انه تفسير الماضي بوعي الحاضر وخاصة مرحلة مكتب السيوفي.
○ هل ترى الإندماج اللبناني مستحيلا حتى على الصحافيين؟
• إلى يومنا الإندماج مستحيل. اُنشأ لبنان كي لا يكون بشعب واحد. اللبنانيون مجموعة طوائف، وكمال الصليبي وصفنا بالشعوب. كذلك أطلق الصحافي اللبناني سركيس نعوم علينا تعريفاً موفقاً وهو الشعوب اللبنانية. نحن شعب واحد في الأغنيات. من يرفض شريكه في الوطن لا يستحق وطناً برأي.
○ في نقدك لبعض الصحافيين في إطار الفساد ذكرت أسماء محددة. لماذا هذه الأسماء دون سواها؟
• الإضاءة المدفوعة الثمن في بعض الإعلام تشكل جزءاً من المجتمع اللبناني القائم على الخدمات التي تمتد إلى مهن أخرى. بالحقيقة أقنعني الناشر بعدم نشر الأسماء من داخل مجلة مونداي مورنينغ وخارجها. حدث خطأ في المطبعة وبقيت بعض الأسماء من ضمن الرواية. وفي الوقت نفسه ذكرت أسماء الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم بدءاً من كامل مروة إلى سليم اللوزي وسمير قصير. اؤمن بما قالته الصديقة الدكتورة وفاء أبو شقرا من أن إعلامنا بعيد كثيراً عن التشابه في دورته وآلياته مع الإعلام الحقيقي. نحن نسيس الخبر باللفظ وحركة الوجه، في حين أنه مقدّس ولا حق لنا بالتدخل فيه.
○ وكأن توقف الصحف اللبنانية تباعاً بدأت مؤشراته مع ربط باب دار ألف ليلة وليلة بالجنزير ذات صباح؟
• ظلم أن يؤرخ بداية الإنهيار مع إقفال ألف ليلة وليلة. انهارت الصحافة في لبنان كما في سائر أنحاء العالم نتيجة الكلفة الورقية وغيرها. وعلى الصعيد المحلي ثمة فساد عام في الصحافة إلى جانب الإفلاس الوطني. والأهم من كل ذلك أن الصحافة البديلة ومنها الاستقصائية وصحافة الإنترنت جذبت الأجيال الجديدة من القراء. الجيل الجديد بأغلبه قطع صلته بالورق فتسارع اقفال الصحف.
○ بالعودة إلى «مونداي مورنينغ» الرواية كم تأثرت بالنص الصحافي السردي بعيداً عن الحبكة وغيرها من آليات القصة؟
• وصفها الناشر سليمان بختي بالرواية النخبوية إلى حد ما. كتبتها إثر متاعب عانيتها مع رواية سبقتها هي «أمر فظيع يحصل». فخلال الإجتياح الصهيوني للبنان ودخوله بيروت كنت متطوعاً في الدفاع المدني. شاركت في العمليات التي جرت في مخيمي صبرا وشاتيلا إثر القتل الذي تواصل ليومين على المدنيين. كان لا بد من الكتابة، وإذا بها رواية وقعها ثقيل على النفس، رغم كوني سعيت للتخفيف من هول الواقع والمشاهدات.
○ من جهتي بقيت لسنوات عاجزة عن التحديق في أي صورة عن المجزرة.
• تشكل الصورة أو حتى مجمل الصور التي نُشرت عن المجزرة 0.01 من الحقيقة التي رأيناها. عملنا لشهر بحثاً عن الضحايا لدفنهم. كانت بمجملها جثث متحلله لمرور الوقت، وحر أيلول/سبتمبر. وإلى حينه تحتفظ حاسة الشم عندي برائحة الدم المنبعثة من كافة الأمكنة. كنا حينها بعمر الـ18 سنة، أكملنا المهمة ولم يفكر أحدنا إن كان تعرّض لصدمة أم لا. جميعنا تابع حياته. ولأن رواية «أمر فظيع يحصل» أتعبتني كثيراً، كان لا بد من رواية أخرى تعيد لي توازني فكانت «مونداي مورنينغ» التي تضمنت بعضاً من الفكاهة. فبعد جائحة كورونا لاحظت خلو الأدب اللبناني والعربي من السخرية.
○ ماذا عن أجواء لقائك بزملاء مكتب السيوفي لدى توقيع «مونداي مورنينغ»؟
• رائعة جداً، ساهمت ببناء علاقات مع البعض، وجددتها مع آخرين. وبات «غروب» يجمعنا على واتس أب.
○ هل شعرت براحة ما بعد كتابة «مونداي مورنينغ»؟
• يمكن القول أنها شكّلت محطة مريحة بعد رواية «أمر فظيع يحصل». السردية التي اعتمدها في رواياتي هي عبارة عن استعادة لتجارب شخصية عشتها بهدف تفسير الماضي بوعي الحاضر. تتسم كتاباتي بالسردية وهذا ناتج عن قراءة الصحف يومياً منذ كنت بعمر العشر سنوات. تعجبني لغة جريدة النهار، ووجدت رواياتي تأخذ سياقاً سردياً منساباً يسرح معه خيالي. وإن لم أجد متعة خلال الكتابة أتوقف.

 زهرة مرعي