الرئيسية / home slide / زوال لبنان “الماروني”

زوال لبنان “الماروني”

يوسف بزي
الإثنين23/11/2020
Almodon.com

رهنت “المارونية السياسية” مرة أخرى أنها أسوأ من يمثل لبنان (الماروني)

التوجه المبكر للجماعة المارونية نحو الغرب، والمبتدئ مع “الإصلاح” الكنسي لتوكيد كاثوليكية هذه الطائفة الشرقية (أواخر القرن الخامس عشر)، سيتأكد أكثر سياسياً وثقافياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين فرضت فرنسا حمايتها عليها. وهذا ما سيؤسس لاحقاً دولة لبنان الكبير، بوصفه مشروعاً مارونياً بامتياز.

منافع التوجه غرباً لا تُحصى. كل أنظمة التعليم والصحة والإدارة والقوانين، كما كل أفكار التنوير والحداثة، تلقفتها الجماعات اللبنانية، وأولهم الموارنة، مبكراً. وهذا عدا المنافع الاقتصادية والسياسية والحقوقية، والتقدم الكبير في “نوعية الحياة”.

أعمق من ذلك، هذا النموذج من العلاقة بالغرب، لم يقترن بتجربة استعمارية استيطانية. فليس من ذاكرة دموية هنا كما الحال في الجزائر مثلاً. ولذا، كان لبنان نموذجاً للعرب في مقاربة الغرب من دون قهر أو تعسف.. ومن دون ظلم تاريخي كالذي اقتُرف في فلسطين.

لكن ذلك سيسبب مشكلة خطيرة لهذا الكيان، في عهد “حركة التحرر” التي قادها جمال عبد الناصر بثلاثة شعارات كبرى: تصفية الاستعمار، الوحدة العربية، تحرير فلسطين. وبمعنى آخر، الصدام مع الغرب ومعاداته.

وبموازاة ذلك أيضاً، كان النموذج الناصري وباقي نماذج أنظمة الحكم العربية، إما ديكتاتورية عسكريتارية وإما ملكية مطلقة، في حين كان النظام اللبناني ديموقراطي برلماني يتيح تداول السلطة بقدر إتاحته للحريات العامة والفردية، رغم كل عيوبه الطائفية.

التباين بين “النموذج الماروني” وانجراف مسلمي لبنان نحو المدّ الناصري العروبي، سيسبب الصدع الأول في الكيان.

لاحقاً، وعلى الرغم من أن نتائج “حركة التحرر” والناصرية والبعثية لم تكن جذّابة، ولم تشكل نموذجاً بديلاً لا عن الغرب ولا حتى عن الزمن العثماني.. ستتكرر الأسباب ذاتها لتصديع الكيان اللبناني، مضاف إليها قصور فادح في إصلاح النظام اللبناني، ما يؤدي إلى الانفجار الكبير عام 1975.

من الحسنات النادرة لمسلسل الحروب اللبنانية المنتهية عام 1990، تلك القناعة “الثقافية” عند المسلمين بالنموذج اللبناني، وفق أسسه المارونية. لم يكن “الطائف” في فلسفته السياسية سوى تجديد اعتراف بهذه الأسس مقترناً بـ”إصلاحات” دستورية أو بالأحرى تعديلات في موازين الطوائف وحصتها في الحكم والدولة. بمعنى آخر، بقي لبنان متجهاً إلى الغرب (قيماً وأنظمة)، بعد حسم هويته العربية. بل أن صلاته بالعالم العربي ودوره فيه تماماً كما اقتنع به جمال عبد الناصر نفسه: نافذة على الغرب.

خلال 15 سنة المنصرمة، وفي مفارقة تاريخية قاتلة، سيقوم الشطر الأكبر من الموارنة بالتحالف مع حزب أيديولوجي منبعث من ثورة دينية تحلم بتقويض الغرب وحضارته: الثيوقراطية المتعصبة بوجه الديموقراطية والليبرالية، الأصولية بوجه الحداثة. ومنذ تلك اللحظة، سيبدأ هدم أساسات الكيان اللبناني وأنظمته السياسية والحقوقية والاقتصادية والثقافية، على نحو منهجي وتراكمي. الثأر من “الطائف” يتحول تدميراً ذاتياً.

على امتداد سنوات، ونتاجاً لهذه المفارقة التي أرساها التفاهم بين “العونيين” وحزب الله، ستصبح الجماعات السياسية بحل من “العقد الوطني”. وهذا ما سيجعل الفساد، بوصفه استيلاء محموماً على مقدرات الدولة والبلد، سياسة عامة ووحيدة. الاستباحة التامة وليدة طبيعية لغياب العقد السياسي الوطني.

مسار الانحطاط وصل إلى قعره، ومات النظام اللبناني. محاولة 17 تشرين 2019 باءت بفشل من الصعب تعويضه. لقد برهنت “المارونية السياسية” مرة أخرى أنها أسوأ من يمثل لبنان (الماروني).

إزاء ذلك كله، ما من اقتراح فعلي وجدي للغد، ويملك الأدوات والمقومات والقوة والمقدرة، سوى برنامج حزب الله السياسي، المضمر منه والمعلن. وهو أولاً يقوم على أنقاض لبنان الزائل. برنامج يستمد “ثقافته” من تلك الثيوقراطية المتزمتة المعادية للغرب. ويمكن القول أن مقاومته مدنياً وسياسياً وثقافياً (بل وطائفياً) تلاشت في السنتين الأخيرتين، خصوصاً مع استسلام “شيعة الدولة” لـ”شيعة الثورة” (حسب توصيف أحمد بيضون).

يبقى القول، أن السمة المشتركة للدول المعادية للغرب هي ليست الفقر والانحطاط وحسب، إنما أيضاً العيش انتظاراً للإعاشة من الغرب نفسه، أو الهروب منها إلى الغرب تحديداً.