الرئيسية / home slide / زوارق الهرب من جهنّم

زوارق الهرب من جهنّم

27-04-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

عناصر من الجيش اللبناني خلال عمليات البحث عن ناجين قبالة سواحل طرابلس (24 نيسان 2022 – أ ف ب).

الخطأ، عزيزي بروتوس، ليس في حظوظنا بل فينا.
شكسبير

الوقوف على الحافة، رعب حتى في النوم. وفي ملء يقظتنا نجد العالم برمّته واقفاً بنا على الحافة الأخيرة: فرنسا كادت تسلّم الإليزيه الى مارين لوبن، ومعه الجمهورية الخامسة، وروسيا تكاد تلجأ إلى السلاح النووي انتقاماً لكرامة فلاديمير بوتين أمام كوميدي غير مضحك، والمواسم الانتخابية لا تكفّ عن إنتاج أهل الخمول الفكري. بعدما شاهد هذا السيرك الباهت قال صاحب “عامل” الدكتور إبراهيم مهنا “كنا نعتقد أن المشكلة في الحاليين، فإذا بها في البدائل”، سيرك عَ مد النظر.

المخاوف في الزمن الحالي، متشابهة. بوتين يرفع شعار الديموقراطية وصناديقها لكي يبقى حتى عام 2036. والديموقراطية في أقرب صيغها الى الصدق، تضع فرنسا – والعالم – على حافة حرب أهلية، ولبنان الغارق في ديموقراطية “الصوت التفضيلي” يذهب الى الاقتراع في جنازتين: الأولى جنازة الحرّية، والثانية جنازة الاحرار. والبلد نفسه “مروبص” على الحافة الأخيرة في سباق الحفافي والهاوية.

بين نهائيات لبنان نحو دفن النظام، ونهائيات روسيا نحو دفن النظام العالمي، ونهائيات أوروبا نحو دفن الليبرالية العالمية، تبدو عودة النازية وشيكة جداً. لكنها هذه المرة لن تخرج من برلين وميونيخ، بل من البلد الذي أعطى الإنسانية، لينينغراد وستالينغراد. في حملتها الإعلامية الحالية تكرّر موسكو استخدام عبارتين: النازية والقومية، فيما هي تعبّر عنهما في أسوأ غلوّ، منذ أن سلمت ألمانيا نفسها الى أدولف هتلر.

أفظع ما يخيف في مشهد التردّي العالمي هو غياب وتغييب الوسيط. الدول التي كانت تتبرّع بالوساطة في الماضي وتعتمد الحياد، تندفع نحو حلبة الاستقطاب، مثل السويد وفنلندا. والسبب هو الرعب ممّا يحدث في أوكرانيا، والخوف من أن يكمل بوتين حملة السربون دون توقف. ففي أزمنة الاهتراء، يصل البلاء الى العقول ويعمي الجماعات وتصبح الآنسة لوبن على عتبة الإليزيه محمولة على أكتاف نصف الشعب الفرنسي. لكن من ألطاف القدر أن الفرنسي هو دائماً ناخب اللحظة الأخيرة.

تذكّر مشاهد لوريوبول بفيلم “هيروشيما حبيبتي” لـآلان رينه. فمنذ الحرب العالمية الثانية ورؤية العالم لما حدث بمجرد تفجير قنبلة ذرية صغيرة، ساد توافق ضمني بالبقاء ضمن السلاح التقليدي. ذلك هو الخبث الدولي في تفسير الجريمة. فهل المشهد في لوريوبول أقل منه في هيروشيما أو ناغازاكي أو النابالم الذي استخدمه الاميركيون في الفيتنام. قتل إنساني وقتل غير إنساني. لك ان تقتل بالسلاح العادي ما تشاء، لكن احذر القتل النووي والكيماوي. إنّهما ضدّ الإنسانية.

قتل لبنان دفعة واحدة غير مسموح. المسموح هو أن تبدأ بالمال، ثم السياحة، ثم العمل، ثم العلاقات العربية، ثم المستشفى، ثم الصيدلية. لكن مرة واحدة، فلا. ثم لا. كفى. لا تبحث عن صيدلية أخرى. عن عائلة من أربع نساء. القتل، مثل الأمن، مناخ. لم نعد نسمع شيئاً عن الكائن الذي طارد شاباً من طريق المطار الى الاشرفية ليقتله أمام المارة، لأنه تجاوزه في سيّارته. أو الشاب العشريني الذي قُتل في كفرذبيان للجريمة نفسها. الجريمة مناخ أولاً. كانت نيويورك مدينة الجريمة، ثم جاءها محافظ يدعى رودي جولياني، وكادت تصبح آمنة أكثر من جنيف. ولم ينزل جولياني الجيش، أنزل الهيبة.

أيّ هيبة تبقى عندما يسمع القاتل أن 4000 رجل أمن “فرّوا” من الخدمة لأن رواتبهم انهارت مثل دولتهم؟ في ذروة الحرب تدهورت الليرة الى 3 آلاف للدولار. الآن أصبحت ثلاثين ألفاً، وحاكم البنك المركزي على عرشه، ويخبرنا أننا أصحاب ثاني احتياطي ذهب في المنطقة. وكان قد أخبرنا في الماضي أنه صنع ثروته في “ميريل لينش”، وأن ليرتنا بخير، والبنوك بخير. وماذا لم يخبرنا سعادته. لمَ لا؟ ألسنا في البلد الذي قال صاحبه للسي. إن. إن. ذات يوم إن على بريطانيا وأميركا أن تتعلّما منّا إدارة الموازنات الحكومية؟ ولمَ لا؟

مناخ. كل شيء في الدنيا مناخ؟ جوٌّ. بدأنا بالشكوى من الزبالة في الطرقات، والآن نعتبرها نعمة، فربما عثر الفقراء فيها على ما يأكلون. المعركة الآن معركة انتخابات. واقتراعات وشعارات وحريات. ومخمس مردود. وفي نهاية المطاف لا يعدو إلا أن يتحول كل شيء الى صفقة مثل تلك التي عقدها الدكتور فاوست مع الشيطان في الفولكلور الألماني. في الصفقة يرتكب صاحبها الخطايا السبع الكبرى: الغرور والطمع والغضب والحسد والشراهة والخمول والفسق.

لا تشمل الصفقات الانتخابية بالضرورة الخطايا السبع مجتمعة. ثم إن بعضها متشابه ويمكن دمجه، كالطمع والشراهة والحسد. أحب دونالد ترامب لذة العقد المربح حتى سمّاها “فن الصفقة” من دون أن نعرف إن كان سمع بالدكتور فاوست .

يتأمّل المرء الأبّهة التي يحيط بوتين نفسه بها هذه الأيام في مشاهد لم تُرَ داخل الكرملين من قبل، ويتساءل أي عقد عَقَد؟ وإلى ما ضم ويضم من بلدان ومدن الجوار، ويتساءل، كيف يكون الطمع والشراهة والطموح والغضب؟ ولماذا يحيط نفسه بكل هذا العدد من الجنرالات في القاعات المذهبة فيما يجول زيلينسكي في شوارع كييف المهجورة مع بضعة جنود. إنه خطأ إعلامي غير مسموح في هذا الجانب من الحرب ومن الصفقة. تماماً كما قلت إن الطراد موسكفا احترق وغرق ولم يصب بصاروخين. ولو؟ معقول لهذه القلعة الفولاذية أن تذهب باحتكاك أسلاك؟ هل نسيت أنك أول من وصل الى مدار الأرض على سفينة الفضاء.

ليس مهماً. عند العجلة يمكن أن نقول لأهم اقتصاد في الأرض وفي التاريخ أن يتعلم إدارة الموازنات من الجمهورية اللبنانية، المعروفة سابقاً بهالكم أرزة العاجقين الكون.

مسكينة الجمهورية اللبنانية. مسكينة براً وبحراً وجوّاً. ومن مرمى الثلج الى فقش الموج. الهجرة ولو في زوارق الموت. البعد وعلى حافة الغرق. الأحلام التي تراءت لي بعد ليلة بحر الموت تحوّلت الى ضنك. وهذا في الحلم، فكيف بأهل المدينة وفي رمضانهم؟ هؤلاء لم يكن لهم من عزاء سوى في رثاء محمد مهدي الجواهري لعبد الحميد كرامي: باقٍ و أعمار الطغاة قِصارُ.

حافات. حافات. حافات. بلاد الحرّية والأخوّة والمساواة، ينتخب نصفها مرشّحة الفاشية والعنصرية والقمع. إذا لم تستطع هزيمتهم انضمّ إليهم. لكن الحمد لله أن اكثرية الفرنسيين لا تزال تصفّق للمجانين، وفي اللحظة الأخيرة تقترع للعقلاء. 44 عاماً فخامة الرئيس ماكرون. وحيوية تفيض. يوم في مرفأ بيروت، يوم الى طاولة مستطيلة قليلة الذوق ليس عليها حتى باقة من ورد. يوم في واشنطن. يوم في الريف الفرنسي، ديار الجبنة والنبيذ وحكايات القصور والكونتسة دو سيغور.

العالم كله على حافة دعوتين: واحدة الى الحياة، وواحدة الى الموت. صور خارجة من الكرملين وصور من الإليزيه. وصور من جهنم البحرية في الجمهورية.