الرئيسية / home slide / زنبقات الـ”رغبة” لفيليب سولرس تعريب عيسى مخلوف: نقرة على الطبلة من إصبعك تطلق الأصوات كلها

زنبقات الـ”رغبة” لفيليب سولرس تعريب عيسى مخلوف: نقرة على الطبلة من إصبعك تطلق الأصوات كلها

03-09-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

"رغبة".

“رغبة”.

قصيّ الحسين

“الثقة هي المفتاح”، “هي الطريق الآمن. تفتح الدرب، تزهر وتتكلم. للإنسان الخيار بين ثلاثة مسارات. الأول، فارغ، غامض ووعر. وهو يؤدي إلى المسلك الثالث، مسلك الجموع التي تعيش بين مد الخطأ وجزره. وحده المسلك الثاني، لمن لديه #رغبة جامحة في الحرية، يقود إلى الحقيقة. كم من المغامرين الملهمين مروا من هنا؟ نحن نجهل عددهم. لقد وضعوا ثقتهم بأكملها في هذه الوجهة التي كانت تناديهم، والتي لم تدرج في خريطة. وحدها الرغبة الخاصة جدا هي التي إبتكرتها”. هذا ما #كتبه فيليب سولرس في روايته “رغبة” الصادرة للتوّ بالعربيّة لدى “الرافدين”، ترجمة الشاعر والباحث عيسى مخلوف.

بين الرغبة في تقديم مادة ثقافية عن عصر الأنوار، تحت ظلام اليوم السابق، وسطوع اليوم اللاحق، وبين تصوير الشتات بكل ألوانه ومعانيه، بكل نثره وشعره، يتقدم الحديث، عن أية حالة هي الأولى والأهم. أي منهما، يمكن أن تشكل ثقلا ذهانيا ومعرفيا وثقافيا وضوءا كاشفا أمامنا. أي منهما علينا أن نقف إليها ونصطف ونتعاطف، أو نعاينها في اعتبار أول؟: “غريب أمر الفرنسيين. صحيح أنهم صنعوا الثورة الفرنسية، وكان الفيلسوف حاضرا، ونحن ندين له بما هو أساسي في هذا الحدث، لكن السقوط اللاحق كان الأكثر قسوة. لم يعد في إمكان الفيلسوف اليوم أن يتحدث لأحد عن الثورة. لقد عرف فقراء ادعوا أنهم يمتلكون الشيء. تحللهم مبرأ، والغطرسة الحمقاء لخصومهم ليست أفضل” (ص41).

التساءل الذي يفرض نفسه علينا: هل كتاب “رغبة” هو عن الرغبة التي تنفجر نثرا يلامس حد الشعرية، في زمن البطولات الباطلة، هي المكتوبات المطلوبة، عن المكبوتات الإنسانية القاهرة، هي التي تشدنا لكتاب الرغبة، أم الوقوف المادي الموازي، الذي يدفعنا لتحري الجشع والظلم والقهر والحب والحرب؟ “هذا ما يبوح به الفيلسوف في إحدى رسائله: “لطالما شعرت بميل كبير إلى المسلك الحميم السري، لا إلى المسلك الخارجي الذي لم يفتني، حتى في فترة الشباب. هكذا فإن نتاجي يدور بأكمله حول الجانب الداخلي” (ص 51).

كان الأولى بسولرس، اختيار خط عريض أول، ثم نلازمه بخط ثان، عوض الدوران في حلقة مختلطة، تشتت الرسالة المتوخاة من كتاب “رغبة”. الرسالة المرغوب إيصالها للقراء، هي وصف الحال في عصر الأنوار، وإلقاء نظرة عامة على ثقافة الناس، بعين مجردة، حيث نتحرك جيدا لقراءة المفارقات الواردة، والدخول والخروج بين حالات وسلوكيات عدد جم من الشخصيات بين فلاسفة وشعراء وأدباء وسياسيين، وذلك تبعا لسياق سردي ثري بالمعاني والأخيلة والظلال، والمشاهد “الزماكانية”، التي تثبت الوقوعات والأحداث، وتظللها بالمعاني: “عندما كتب جوزيف هايدن، في العام 1764، سمفونيته الثانية والعشرين، “مي بيمول ماجور”، المعروفة بإسم “الفيلسوف”، كان في الثانية والثلاثين من عمره. وسان مارتان في الحادية والعشرين. في القرن العشرين، حوّل المجريون سمفونيات هايدن كلها، تحت إشراف أنتال دوراتي، إلى روائع وإشراقات. الإنقطاعات المفاجىة هي الأكثر أهمية، هنا، بصفتها رسالة مشفرة. تشعر كأنك تسرع في غابة، وفجأة، ثمة، توقف وإنفراجات، يمينا ويسارا. منافذ وفتحات” (ص 61).

يبدأ الكتاب فصوله بمقدمة ثرية لصاحب الترجمة عيسى مخلوف. تقع فيها صفحات سبع، كثيرة التشويق. لا أقول إنها تغني عن قراءة الكتاب، إنما تشوق لمتابعة الكاتب، وتمهد لتتبعه التمفصلي، بين الفصول: “في إحدى أمسيات الشغب، في باريس، في شهر أيار/ مايو 1968، وجد الفيلسوف نفسه في 45 شارع أولم، حيث كان على موعد مع صديق فيلسوف… خطرت في بال الفيلسوف الفكرة الآتية، وكان أمامه رجل مصاب بجروح، ويحتاج إلى نقله بشكل عاجل إلى المستشفى. كان يكفي أن يمسك يده ويتظاهر بأنه طبيب. وهكذا كان. الطبيب المزيف يتسلل إلى سيارة الاسعاف، ويختفي في الليل”(ص84).

على ظهر الغلاف الخلفي، تعريف موجز بالكاتب: “فيليب سولرس: كاتب، روائي، باحث وناقد فرنسي. أسس في العام1960، المجلة الطليعية “تل كل” Tel Quel وفي العام1983، مجلة “لينفيني” L,infini من مؤلفاته الكثيرة: “فردوس”، “نساء”، “صورة اللاعب”، “العيد في البندقية”، ” السر”، ” كنز الحب”، “رحالة الزمان”. ينوه الناشر بالكاتب والكتاب، بنص اقتطعه من مقدمة المترجم، يقول فيه: “قد يتوقف القلب، لكن الفكر سوف يحيا”.

بهذه العبارة، والقول للناشر: “يختتم فيليب سولرس روايته “رغبة” التي صدرت في العام 2020، عن منشورات “غاليمار” في باريس. ويستهلها بعبارة لأرتور رامبو: “نقرة على الطبلة من إصبعك تطلق الأصوات كلها ويبدأ النغم الجديد”.

بين ضفتي العبارتين، تبدأ رحلة الكشف عن أحد الأصوات المركزية في عصر التنوير في أوروبا، الفيلسوف الفرنسي لوي كلود دو سان مارتان (1743- 1803) المعروف بـ”الفيلسوف المجهول”. بين الفكر والشعر، ترتسم آفاق هذا العمل الروائي الذي ينطلق من الماضي، ليتحدث عن الحاضر ويستشرف المستقبل. حقا تلقي مقدمة الكتاب التي وضعها المترجم عيسى مخلوف، الأضواء على المفاصل المهمة من هذه الرواية الشيقة. يذكر مثلا، أن هذه الجولة تبدأ من القرن الثامن عشر حتى اليوم فيتوقف صاحب الكتاب عند محطات أساسية في حياة الفيلسوف وعند حيوات أخرى، مثل تسليط بعض الضوء على حياة رامبو وفلاسفة فرنسيين آخرين من عصر الأنوار: فولتير ودوني ديدرو وجان جاك روسو. وكذلك عن الثورة الفرنسية التي رافقت الولادات الدموية. وعن “سرها الثوري”. وكذلك عن الدوائر التي أخذت تتسع لتثير المياه الراكدة. يذكّر أيضا بأسماء أخرى: بلزاك، بودلير، لوتريامون. ويقول: “الذوق هو الصفة الأساسية التي تختصر الصفات الأخرى كلها. إنه أقصى درجات الذكاء.”

توضح مقدمة الترجمة، مسار الرواية كلها عند سولرس. إذ الرغبة تحول العيوب كلها جمالا وتفسر معطيات الحواس وفقا للمثال الذي نقترحه. ويقول أيضا: إن الفيلسوف ترك أثره على الأدب والسياسة، من روبسبيير حتى ميتران. دفاعا عن النساء يقول: ان النساء تعرضن منذ القدم للتحرش والإعتداء والإغتصاب.. كذلك يتحدث عن العنف الجنسي في جوانبه المختلفة. وأنها أكثر ما تحصل في مكاتب الشركات والخدمات العامة والأوساط السياسية والسينمائية.
يقول عيسى مخلوف أيضا: إن حركة “فيمن”، كانت تغيظ سولرس. ودعما لوجهة نظر مؤلف الكتاب، يقول: “بفضل زوابع الشكاوى، أدركت البشرية أخيرا أن ثمانين في المئة من النساء لا يعنيهن الجنس. وهن في الغالب، ملزمات إياه لأسباب تتعلق بالسلطة أو بالنفوذ.” ويختم عيسى مخلوف مقدمته بالقول: “كلما كتب فيليب سولرس، لاحت إيطاليا في الأفق. خصوصا مدينة البندقية. التي كان يعرفها عن كثب. مستشهدا بقول سولرس نفسه: “تعيش بيرسيفوني تحت الأرض في فصلي الخريف والشتاء. هذه السمراء الفاتنة تعاود الظهور، مع حلول الربيع، على مرجها الكبير، المتناثرة فيه النباتات من فصيلة الزنبق. إنظروا إليها، وهي برفقة أزهارها البيض، بينما خفيض نشيدها المرفوع إلى حياة النهار” (ص 19).

أريد أن أنوه بمقدمة كتاب “رغبة” التي وضعها الأستاذ عيسى مخلوف لأنها أتت شديدة الوفاء لصاحب الكتاب وللقارئ، الذي أتيح له من خلالها، الوقوف ببعض الإختصارات، على مضمون الكتاب نفسه. ذلك لأن المقدمة جاءت جاذبة لقراءة الكتاب من ألفه إلى يائه. إن معظم الحادثات التي وردت على لسان سولرس تبرر على أساس من تأويلها واحتمالات النجاح في تأويلها لدى القارئ الحصيف بصرف النظر عن الدعوة للوثوق بها، أو حتى تبنيها. ذلك أننا ندعو لتذوقها كمادة ثقافية لا أكثر ولا أقل. الرواية، فيها الكثير من العناصر الدرامية. والمشاهد كثيرة الأهمية للتعبير عن المكبوتات العاطفية، والأبعاد الجنسية في الحياة الإنسانية، خصوصا مع العاملات والقرويات. فكرة المشهد بين الرجال والنساء بحد ذاتها صائبة، للإيحاء بعاطفة مكبوتة. ولو أنه يتيح لنا أن نراه طبيعيا، أو ناتجا من تحرشات سابقة على العمل الجنسي.

ينهض كتاب فيليب سولرس، مثل زنبقات الرغبة فينا. تماما كما يرغب الموج بزنبقاته المقشرة، التي يهديها إلى البحر. وهو يحتمل قضايا عديدة، مثل الكفاح الطبقي والدفوعات الفلسفية والمدفوعات النفسية المؤولة، مثل طلقات مصوبة في إتجاهات كثيرة. جمعها سولرس بأسلوبه الفني المميز على الرغم من الثغرات المنطقية العالقة تباعا، في تضاعيف النصوص المختصرة، والمتحررة من وجهات النظرة الرائجة، أو المعاكسة.