الرئيسية / home slide / زمن البلابل وعصر البلاء

زمن البلابل وعصر البلاء

17-11-2021 | 00:50 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

نلسون مانديلا (أ ف ب).

عندما أفرج إف. دبليو دوكليرك عن #نلسون مانديلا بعد 27 عاماً من سجون جنوب افريقيا، لم يحتفل احد تقريباً بقرار آخر رئيس أبيض لآخر مستعمرة افريقية. الفائز هنا هو المناضل لا المستعمر التائب. وهو ايضاً الصورة الجماهيرية الجذابة والصوت الرخيم والشعر الجعدي الشائب والناحل المستقيم الكتفين برغم سنين الرطوبة والعتم. كان خالياً من ملامح البطولة، رجل أصلع، ربعيّ القامة، مائل الى السمنة، ولا يقدم في اي حال، سوى ما عليه أن يقدمه.إذاً، لم يكن دوكليرك شريكاً إلا في جائزة نوبل التي تناصفها مع الرجل الذي سمّاه والداه، نلسون. لماذا نلسون؟ لأن “العبيد” كانوا منبهرين بالمستعمر الأبيض. وكانوا يتسلحون على الأقل باسمه. كل حق آخر كان ممنوعاً عليهم. يولد الأسود بلا حقوق، حتى في ارضه وغابته.توقفتُ العام 1964 في الخرطوم في الطريق الى نيروبي لحضور احتفالات الاستقلال. فالرحلة من بيروت الى كينيا آنذاك، كانت محطتها الأولى القاهرة، ثم الخرطوم، ثم بلاد “الماو ماو”، إحدى أجمل بقاع الأرض. قمت في العاصمة السودانية المثلثة بزيارة صاحب جريدة “الأيام”. ومما رواه، أن الجنوبيين يأتون الى العاصمة للعمل وهم من دون اسماء. وبعد فترة يختار واحدهم الاسم الذي يروقه سماعه: تليفون. حيط. بوليس. باص. وإذا سمعت في الشارع رجلاً ينادي على رفيقه فرحاً، يا تليفون، لا تعجب.

أشهر أبطال افريقيا سمّوه اهله، نلسون. على اسم اميرال البحرية، المقطوعة ذراعه، مثل الجنرال غورو. لكن نلسون مانديلا اصبح محامياً، مثله مثل مواطنه غاندي. الأخير عاد الى الهند ليقود استقلال اكبر دولة في الأرض من حكم أصغر دولها، ونلسون بقي في جوهانسبورغ لكي يفكّ آخر أغلال بيضاء عن رسغ القارة، التي سمّاها جوزف كونراد “قلب العتم”، أو “عمق الظلام”. ومن مصادفات اللغة وبدائعها ان الظلام الدامس، أو الشديد عند كونراد، هو نهر الكونغو، أما دامس عند العرب فهي ظلمة المياه التي لا تصل اليها أشعة الشمس!حسناً، إذاً، السيد دوكليرك، الذي غاب الاسبوع الماضي عن 86 سنة، تسهل الأمور كثيراً عندما يكون شريك الحرية عاقلاً. ليس بالضرورة بطلاً. عاقلاً يكفي، العقل يتدبَّر اصعب القضايا. عندما وصل ديغول الى الحكم في باريس ساد شعور بأن استقلال الجزائر صار قريباً. جرّد جنرالات الجنون من نجومهم، وانهى الغباء القائل ان الجزائر فرنسية.

جنرال عاقل آخر في اميركا، يدعى دوايت ايزنهاور، ارسل انذاراً إلى دول العدوان الثلاثي في قناة السويس (بريطانيا، فرنسا، واسرائيل) بالإنسحاب فوراً. العسكري العاقل يعرف معنى الحرب اكثر من سواه. وائل ابو فاعور قال ان وليد جنبلاط ضنين بالسلم الأهلي، لكثرة ما جرّب وعاش حياة الحرب في لبنان. ليست الحرب الأهلية مجرد عنوان آخر من عناوين هذا الاشتعال الذي لا يهدأ، في بلد يرى في الطمأنينة عيباً، وفي الازدهار عاراً. فؤاد شهاب، العسكري اولاً، والعسكري اخيراً، كانت ميزته وفضيلته، الانسحاب وليس الهجوم. في المرة الأولى، ترك القصر الجمهوري بعد ثلاثة ايام. في الثانية تركه في آخر يوم من ولايته. في الثالثة عزف عن الترشح، تاركاً للبنانيين وأسيادهم، أن يقتلوا لبنان من دون ان تكون له علاقة برثاثة عقولهم أو أخلاقهم. رفض، وهو مالك القرار وملكه، حتى ان يحمل وريثه اسم العائلة. هناك خيار واحد في الحياة، وهو خيارك وحدك: أنت أو كرسيك. وطنك أو قصرك. فؤاد شهاب رفض القصور، اولاً واخيراً. ديغول خصص لنفسه شقة من 220 متراً مربعاً في الاليزيه. مانديلا رفض ان يبقى يوماً واحداً بعد الرئاسة. ايزنهاور أعدّ مزرعته. عبد الناصر مات فقيراً، سوار الذهب رفض البقاء لحظة واحدة، فيما بقي خَلَفَه البشير ثلاثين عاماً يكملها الآن في السجن. وظل حسني مبارك خمساً وثلاثين، ونهاية مؤسفة لرجل طيّب.

في الحياة، قرارات كثيرة يشاركك فيها الآخرون: عائلتك، اصدقاؤك، مستشاروك، وهناك قرار واحد لا يشاركك فيه سواك: كرامتك. كان مانديلا يملك كل افريقيا، وليس جنوبها فقط، ويملك محبة العالم، ولم يبقَ يوماً واحداً. وضع التاريخ في جيبه الأعلى وذهب يمضي بقية العمر مع حفيده.

يتميّز الرجال بخصالهم. اشهر روايات النمسا كان عنوانها “رجل من دون صفات”. تقوم بعض الاحزاب اللبنانية حاليا “بامتحانات” لنوابها الحاليين، لمعرفة مَن يستحق الترشح باسم الحزب في الانتخابات المقبلة. إذا صح الزمان واقبلت.

ما هي الشروط والمواصفات؟ هل هي خدمات النائب في دائرته؟ سلوكه في دولته؟ مواقفه حيال مواطنيه؟ شجاعته حيال شعبه؟ أم مدى صياحه وصراخه؟ أم تفاهة ديماغوجيته؟ أم مستوى تغريداته في هذا الزمن البلابلي الذي تبلبلت فيه الحياة، ولم يبق من البلبل سوى لونه القاتم مثل قلب الظلام. أو الحلكة. أو العتم.

ما من عمل واحد. ما من صفة واحدة. ما من شيء سوى الصراخ والحقد ونبش القبور. ما من ضوء أو رغيف، او كوب ماء. المستشفيات تُغلق، والافران تغلق، والقضاء يغلق وهؤلاء يفتحون القبور ويباهون بالمدافع ويزرعون البلد جلافة وغلظة وحقداً وفشلاً وثرثرة وتمنيناً سافلاً وسفيهاً.

أبكتنا هذه السيدة التي وقفت في برنامج مارسيل غانم مساء الخميس الماضي لتصرخ في وجه نواب المسيحيين: كفى قبوراً وموتى وقلوب الظلام. وما اكتفوا. المعركة على اشدها و”تصفية” المرشحين قائمة. والمطلوب اصوات. لا شيء سوى الأصوات. عالية وواطية وفاجرة وكبد الظلام.

يخوضون المعركة الانتخابية بالتغريد فوق الصدور والرقص فوق القبور. ودائماً بأصوات عالية. وفيهم من الجلافة والوقاحة والابتذال ما يمكنهم من المشي الى صناديق الاقتراع وهم يغردون. البلد يمشي في جنازته وهم في مواكبهم، في بلد آخر، في وهم بشع وحاد ولا يصدّق. في برنامج “صار الوقت” أخذ نائب الأمة يشرح للشعب العظيم كيف انه – الشعب العظيم – غبي لا يدرك مدى استفادته من الكهرباء. ويشرح. ويشرح. ويغرد ويعربد.

ووقفت السيدة تسأل: “أين مالي؟ أين جنى عمري؟”. لم يكن سعادة الحاكم حاضراً كي يجيبها ويطمئنها إلى ان “وضع الليرة جيد في الأشهر الستة المقبلة”. المشكلة انه سيىء في السنوات الست المقبلة. والسنوات الست الماضية. المشكلة في “جردة” السنين في حياة الشعوب، خصوصاً العظيم منها.

هذا عصر البلابل وزمن البلايا. وكلاهما ممتد وله طعم الرماد. رجال بلا خصال، وامرأة حزينة ومحزنة، تذكّرنا بقول كسرى: ما كانت هذه الحسناء ترفع سترها لو ان بين هذي الجموع رجالا! هذي الجموع روبوتات لحمية معبأة حقداً وكرهاً وسموماً وكذباً لا تنتهي صلاحيتها. تعانق نلسون مانديلا وإف. دبليو دوكليرك في الحياة وفي الموت. وما يزال نواب الشعب العظيم يتقاتلون فوق جثمانه. إلى ان تقف قربه سيدة صارخة: كفى! ولقد أسمعتِ لو ناديتِ حيّاً!