الرئيسية / أضواء على / زمن “الآنسة مي”

زمن “الآنسة مي”

سمير عطاالله
26102017
النهار

هذا شهر التذكارات الكبرى. وفيه غابت، العام 1941، مي زيادة، اللبنانية التي أقامت في مصر أشهر صالون أدبي تعقده امرأة في التاريخ المعاصر. وربما اشهر من حمل قضية المرأة، رائدة شجاعة ونيِّرة وعذبة، تتقدم في حضورها الذائع والجميل والمؤثر، بنات زمنها وبنات جنسها، متجاوزة في قلب القاهرة الملكية، مقاييس “الأقليات” جميعها، أقلية المرأة، وأقلية البلد القادمة منه، وأقلية الدين الذي ولدت فيه.

ولدت في صفد لأب ماروني لبناني وأم فلسطينية أرثوذكسية العام 1886، وتوفيت عن 55 عاماً في 17 تشرين الأول 1941. والعام 1907 سافرت الى القاهرة مع العائلة حيث أصدر والدها الياس زيادة صحيفة “المحروسة” وفيها بدأت نشر مقالاتها. وانضمت الى الجامعة المصرية للدراسة الأدبية. وكان أحد اساتذتها حامل أكبر عدد من شهادات الدكتوراه، زكي مبارك، الذي عرف بـ”الدكاترة”. ومن الدكاترة زكي مبارك يأتينا اول وصف جمالي للمرأة التي احبها جميع الرجال، وظلت مثل “سمراء” سعيد عقل: “لا تقربي مني، وظلي فكرة لغدي جميلة”.

قال مبارك (1) إنها “الفتاة الجميلة المحيا، الرشيقة، الحلوة العبارة، ذات الصوت الساحر كالموسيقى، سمراء بلون التمر”. بدأت الكتابة بالفرنسية باسماء مستعارة، ثم ترجمت شعرها الى العربية. وكان لا يزال ممنوعاً على المرأة أن تكتب أو أن تبوح، لكن عدداً من سيدات مصر البارزات دخلن المعترك.

ونأخذ صورة للواقع من خطاب القاه بطل الحريات سعد زغلول تلك الفترة في فندق سمير اميس قال فيه: “ايها السادة، آمل أن أبداً خطابي المرة المقبلة، أيها السيدات والسادة”. أما مي، فلم تكتب فقط عن المساواة، بل كانت تعقد الندوات والمحاضرات. كانت مقالاتها في “الاهرام” تثير الردود والاعجاب، وكتب فيها الاديب قسطنطي داود بك قصيدة مطلعها:

“شرفت جنسك في العلوم والأدب

يا من اعترف بها كل العرب

ولم تجلس مي في جامعتها أو بيتها أو “صالونها” فحسب، بل راحت تدرس الآثار الاسلامية في مواقعها، وطافت بالمساجد الكبرى باحثة عن دور المرأة في انشائها، وشملت مقالاتها في “الاهرام” نحو 500 جامع. وفي الوقت نفسه، واظبت مي، التي لم يعرف وجهها المساحيق، على الصلاة في الكنيسة مغطاة الرأس. وبعد اصرار من قراء مصر، نشرت صورتها على غلاف “الهلال” مع مقدمة لرئيس التحرير اميل زيدان.

إليك هذه الاسماء:

احمد شوقي، طه حسين، حافظ ابراهيم، أحمد لطفي السيد، شبلي الشميل، محمد التابعي، عباس محمود العقاد، شيخ الصحافة داود فرحات، الشيخ مصطفى عبد الرازق، ولي الدين يكن، مصطفى الرافعي، اسماعيل صبري. هذه بضعة اسماء من رواد صالون “الآنسة مي”. ولم يخف معظمهم هيامه بها. وقد كتب ابراهيم ناجي، صاحب “الاطلال”:

احببت “مية” حباً لا يعادله حب، وافنيتُ فيها الحبَ اجمعه

حتى شوقي كتب في غزلها. وادعى عباس محمود العقاد المبادلة. لكن الأرجح ان مي أحبت ولي الدين يكن، وهامت بجبران خليل جبران، الذي ظل سابحاً في عالمه، الى ان بعث إليها يوماً برسالة حول عبث العلاقات ومعها لوحة لرجل يدير ظهره لامرأة، أو العكس.

سوف اتجاوز الجزء المأسوي من حياة مي، وكيف احتال احد اقرباء والدها عليها وادخلها العصفورية لكي يسرق ممتلكاتها، وقد تولى أمين الريحاني يومها حملة الدفاع عنها وإخراجها من المصح بعد عذابات لا يمكن تخيلها.

أتجاوز ذلك لسببين جوهريين، أولهما أنني لا اريد أن ابتعد عن هدف المقال وغايته، والثاني أن هذا فصل معيب، مقزز، في تاريخ العائلات اللبناية والطب اللبناني، لا يجوز ان يبقى دون محو، لأنه عار تاريخي. وليس هذا مكانه الآن، وقد لا يكون له مكان أبداً في بلد كان في العام 1913 يدفع مواطنته لإقامة صالون يستمر 25 عاماً، لا شبيه لها. ثم يعود فيرسلها الى العصفورية بوشاية من أحد حثالات العائلة.

تذكرت مي زيادة، التي لم أنسها لحظة واحدة، لأنها أهم شاهدة تاريخية على عار بلد “الكوتا النسائية”. أو البريستو. أو الطناجر. أو الماجيميكس. قبل قرن وأكثر، عندنا مي زيادة، تسافر الى روما لمحاربة الفاشية وموسوليني في عاصمته، والآن يجتمع البلد ليقرر كم بيضة وكم خم للمرأة فيه.

يحق لها الاقتراع، لكن لسيدها، لا لنفسها. هي، لها زاوية تقبع فيها مثل الهررة والكلاب وسائر مخلوقات الطبطبة. ويحق لها في العلوم والمهن كل ما يحق لبعلها: الطب. الهندسة. الخرّبرّ. القضاء. الحقوق. الفلسفة. الغناء. الوقوف على المسرح. ادارة الشركات. الديبلوماسية. الصحافة. قيادة الطائرات. أما في البرلمان، فكوتا.

قبل قرن، كنا نرسل مي زيادة الى مصر، ونرسل الى مجلسها شيوخاً من فئة مصطفى صادق الرافعي وولي الدين يكن. وكنا نرسل يعقوب صروف الذي أذهلته “الآنسة مي”. ونرسل فرح انطون وشبلي الشميل وسائر الحداثيين. ونرسل حكماء مثل انطون الجميل، الشيخ المحافظ الذي فتح صفحات “الاهرام” أمام “تحررات” الأنسة مي.

يوم التشكيلات القضائية الاخيرة، نشرت “النهار صورة لمجموعة من القضاة الجدد. اللافت في الصورة ليس جمال القاضيات فحسب، بل غلبة العدد ايضاً. ففي هذا السلك الذي لا يزال ممنوعاً على المرأة في معظم العالم العربي، تشكل القاضية اللبنانية نسبة 53% من المجموع. أي انها تحكم في الموت والحياة، ويحق لها ان تُسقط الحصانات، وأن تحاكم النواب في حالات معينة، أما حقها في أن تُنتخب فهو كوتا. بريستو.

المسألة ليست في الذكورية والأنثوية، ولكن في القانون والمساواة. فالناخب اللبناني، في أي حال، لن يغير عاداته مهما تغيرت القوانين والحصص. إنه كائن آلي، يخشى ان يؤدي رفع الصدأ، الى التفكك. لذلك، تتغير القوانين وتؤدي الى فوز الفئات نفسها. منذ الاستقلال لم يتغير الواقع: ناخب يندفع الى خيارات بعضها غير مستحق، وناخب ممتنع لاقتناعه بأن النخب لا تصل، وإذا وصلت، ضُرب حولها الحصار.

كانت مي زيادة مثالاً تاريخياً على مدى ما يمكن أن تكون اللبنانية عظيمة في الخارج، وضئيلة ومسكينة وحزينة أمام الممسكين بالسلطة في لبنان. ولا يزال عنوان مي في شارع عدلي باشا في القاهرة، عنوان أهم صالون أدبي في تاريخ مصر. ليس بسبب مي، بل بسبب كبار وعظماء المصريين، الذين سمحوا لهاماتهم العملاقة بأن تلتقي في عَبقِ مجهولةٍ من لبنان.

لم تبذل مي حياتها في سبيل حقوق المرأة وحدها، بل في سبيل جميع الحقوق وجميع القانون. وخصوصاً في سبيل جميع العرب. فالمرأة التي كانت تواظب على قداديس الكنيسة المارونية، كانت ترفض ان ينظر إليها من خلال الطائفة أو البلد. ولقد عشقت في جبران أنه انطلق من هذا البلد الصغير ليعلن الانتماء الى “روح كونية” لا تسجن البشر في اقفاص عمياء.

هل يحق لنا، أهل هذا الزمن، ان نحتفل بذكرى مي لمجرد أننا نحمل هوية مشابهة؟ ألا يشعرنا عصر مي وخطابه وروحه بالخجل والعار؟ مي وجبران ونعيمة والريحاني والشميل وصروف والرافعي ويكن وزيدان: مهاجرو بلد صغير وفقير ما أن يبحروا حتى يصير كل قلم علماً. وعلى ذكر الهجرة فإن مهجرنا الجديد، الامارات، اعلن الاسبوع الماضي حكومة من خمس نساء. احداهن في الثانية والعشرين.

(1) يوسف الشريف، “وجهات نظر”.

اضف رد