ريشة توم يونغ “تروي” قصة عائلة مارديروس بالوميان في فيلّا باراديسو في الجميزة وصولاً إلى نيويورك فأرمينيا!

رافي فارتانيان واقفاً في فيلا باراديسو قبل ترميمها وعلى الجدران بورتريه لأفراد عائلته بريشة توم يونغ

زواج رافي فارتانيان، كما تشير لوحة الفنان المبدع توم يونغ جرى في دير “تاتيف” الأثري، وهو يعود الى القرن التاسع في جنوب أرمينيا على مقربة من حدود ايران. السكون يحتل الساحة ويعطي للحياة معنى آخراً… السماء لها لون خاص يبدو في اللوحة وسط ذلك الدير القديم المحاط بطبيعة خضراء وورود ملونة ورائعة كأنها “الشاهد” المواكب لتاريخ الدير. 

لوحة لدير “تاتيف” الأثري .

تحولت ريشة توم يونغ الى بساط ريح حط رحاله في ماضي عائلة مارديروس بالوميان في فيلّا باراديسو في الجميزة، وهو الذي عانى التهجير مرتين، المرة الأولى إبان الابادة الأرمنية والمرة الثانية هجرة العائلة من الجميزة الى نيويورك هرباً من خلال الحرب “المجنونة” في لبنان. أما المحطة الأخيرة في يريفان فهي لحضور زواج حفيد مارديروس بالوميان، الذي جدد عهده في جذوره الأرمنية.

لوحة يونغ يجلس في قلب النصب التذكاري وهو ريرسمه بتأن.

تمكن توم يونغ، الرسام البريطاني الماهر، من إنعاش الذاكرة الفردية والجماعية من خلال رسوماته “النابضة” بروح المكان والزمان واهله القريبين أو البعيدين عنه. هذه الاسرار في لغة الرسم لديه ومنطق الألوان جعلا من توم مؤرخاً موضوعياً للحدث – ولو لم يكن آنياً- والأداة، التي يعتمد عليها في ارشفة الحوادث بمجمل تفاصيلها، هي اللوحة وهي مساحة فعلياً تتضمن إشكالاً وألواناً يفهمها كل محب للفن او متطفل عليه للارتقاء في عملية التذوق.

فارتانيان يعزف على العود وهو محاطاً بمعرض ليونغ عن تاريخ عائلته في فيلا باراديسو.

من الجميزة إلى نيويورك

لنفهم فعلياً الأسباب التي دفعت به الى رسم لوحات في يريفان في أرمينيا، علينا العودة بعقارب الساعة الى جذور عائلة بالوميان خلال اقلمتهم في فيلّا باراديسو، التي باتت اليوم منزل “أوروبا”، مكان إقامة سفير الاتحاد الأوروبي في لبنان. اكتشف يونغ وهو يتجول في منطقة الجميزة “المحاطة” ببيوت أثرية، مبنى الفيلا المهجور من عائلة بالوميان، وهي عائلة ارمنية لبنانية غنية عملت بالتجارة، وسكنته حتى عام 1975، حيث اضطرت الى الهرب من الجميزة بسبب الحرب.

هذا هو مارديروس بالوميان بريشة بونغ.

أكب يونغ من خلال ريشته على توثيق اللحظات والذكريات في كل مكان، ونجح في نقل الأجواء السائدة في الفيلا، ولا سيما بعد ان اكتشف بعض المقتنيات الخاصة بعائلة بالوميان منها جوازات سفر، وقناني عطر، ومجموعات موسيقية، وتسجيلات قديمة، وكتب أرمنية، وصور فوتوغرافية، اضافة لبطاقة دعوة الى افتتاح متجرهم لبيع الهدايا “كاروسيل” عام 1965.

لوحة لرافي فارتيان يعزف العود وسط جو من الرقص و الفرح.

توجه يونغ الى نيويورك مع المقتنيات، التي وجدها في المنزل المهجور، ومجموعة لوحات “بورتريه” لأفراد عائلة بالوميان، وهي تحولت الى شجرة عائلة مصغرة من خلال الصورة…شاء القدر الجميل أن يوثق يونغ علاقته في نيويورك بأحد أحفاد بالوميان رافي فارتانيان، الذي زار الفيلا في العام 2013، ليكون فرداً من العائلة في معرض يونغ الرائع عن المكان واهله وذكرياته.

قصاصة جريدة وجدها يونغ في الفيلا تروي مأساة بالوميان خلال الابادة الأرمنية.

العودة إلى الجذور 

قرر رافي الزواج من نصفه الآخر في يريفان، جذوره الأرمنية الأصيلة، ما دفعه الى دعوة يونغ ليكون معه في ذلك اليوم السعيد. في كواليس صداقة الرجلين حب الموسيقى والفن والتاريخ العائلي، الذي عكسه يونغ، بالريشة واللون.

يونغ بشارك فارتانيان شغف العزف على آلات موسيقية في حفل في فيلا باراديسو.

ماذا وثقت لوحات يونغ؟ كل شيء رصدته العين الثالثة للفنان الرسام. تعكس لوحة يونغ، وفقاً لما ذكره لنا مدى “إعجابه بالمعالم التاريخية في ارمينيا ومنها جبل آرارات”. قال:”تملكني شعور مفعم بالروحانية لأن يطل امامي ذلك الجبل، الذي وفقاً لما ورد في سفر التكوينِ استقرت سفينة نوح على قمته”. وشدد على ان “الحدود بين تركيا وارمينيا ظهرت في احدى لوحاته وتظهر فيها المركز الفاصل لنقطة المراقبة بين البلدين”.

لوحة ليونغ عن جبل آرارات وتظهر المدينة العمرانية دال العمل الفني.

لوحة أخرى لجيل آرارات بنفس خيالي آخر.

أضاف: “في يريفان، قسم من المدينة القديمة كما هندسها المصمم الأرمني الكسندر تماميان بمعالمها القديمة، التي تعود الى العام 1921. التصاميم “سوفياتية” الشكل جامدة تبرز على شكل مجموعة من كتل من الاسمنت صالحة للسكن”. لا تنتهي الزيارة الا بوقفة اجلال رسمها يونغ في لوحة خاصة نقلت لنا تخليد ذكرى الإبادة في لوحات عدة تروي مأساة شعب أولها النصب التذكاري للإبادة الأرمنية في يريفان، نصب دائري وسطه شعلة ملتهبة ترتفع نحو السماء كأنها حارسة الذاكرة، ذاكرة قضية الابادة، التي لا تموت. هناك جلس يونع يرسم لوحة لذلك النصب، علامة حية لشعب يناضل لقضية محقة لا يمكن ان تموت!

لوحة عن النصب التذكاري .

لم يظهر ظل رجل في قلب لوحة النصب التذكاري؟ يجيب يونغ: “لا اعرف من هو هذا الرجل”؟ نقاطعه سائلين: “هل هو بالوميان؟” يسارع في القول:” لا أعرف. شعرت بوجوده، بطيفه، كأنه كان معنا…”. في وقفة فنية اخرى، وضع يونغ اللوحتين عن النصب على أحد الأدراج الإسمنتية المؤدية اليه كأنه يمهد عبرهما الى مدخل ذلك النصب التذكاري لقصة إبادة شعب لا يموت!

من هو هذا ظل الرجل، الذي تطفل على يونغ اثناء رسم النصب التذكاري وشعلته المضاءة؟

روعة أرمينيا

يونغ خلال رسمه النصب التذكاري.

يعجز يونغ أن يصف بكلماته جمال كل من يريفان وأرمينيا، فهو يبدع في التعبير عبر الريشة واللون أكثر من اي وسيلة اخرى. كل ارمينيا بدت رائعة في رسوماته، انجرف بعيداً ليعكس في لوحاته لوعة كنائس ارمينيا وجمال الطبيعة، ورودها الضاحكة المزينة بفراشات… لقد أثرته الطبيعة الخلابة وأديرة قديمة لا كهرباء فيها، وفقاً له، يدخل النور صباحاً من الشمس الى الداخل، وتستخدم الشموع لإنارة المكان.

مجموعة المباني الاسمنية كما نقلتها لوحة يونغ.

وتوقف عند لوحة تسحر من يراها، دير “خور فيراب” في وادي آرارات بجنوب شرقي أرمينيا، وهو مكان اول قديس غريغوريوس المنور، أول قديس شهيد عانى من الاضطهاد بعد اعتناقه المسيحية. وفي التفاصيل، سلط يونغ في عمله الفني أهمية هذا المكان لأن الملك تيريديتس الثالث سجن غريغوريوس المنَوِّر لدى عودته إلى وطنه لكون غريغوريوس أمل في إقناع الملك ورعيته في اعتناق المسيحية”. أضاف: “عمد تيريديتس إلى زج غريغوريوس في السجن، والذي قاوم كل محاولات الملك الهادفة الى ارتداده عن المسيحية. وبعد أعوام طويلة خلف القضبان نجح غريغوريوس في إقناع الملك باعتناق المسيحية. وفي عام 301 ميلادياً، أعلن الملك تيريديتس الثالث المسيحية ديناً رسمياً لأرمينيا…”.

يونغ ينقل روعة اديار ارمينيا.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*