الرئيسية / مقالات / ريا الحفار الحسن: إبنة الجيل الملعون

ريا الحفار الحسن: إبنة الجيل الملعون

يوسف بزي|الثلاثاء19/02/2019
Almodon.com

ما تتصف به تعبيراتها، جسدياً ولغوياً، هو توازنها بين مظهري الأناقة والقوة (Getty)

في مقابلتها مع محطة “يورونيوز”، جاء تصريحها عن الزواج المدني الاختياري، محسوباً بدقة: “سأسعى لفتح الباب لحوار جدي وعميق حول هذه المسألة مع كل المرجعيات الدينية وغيرها”. كانت تعرف مسبقاً أن هذه القضية لا يقاربها سياسي لبناني، إلا إذا امتلك حصانة كبيرة، عدا عن تمتعه بالشجاعة.

وزيرة الداخلية، ريا محمد علي الحفار الحسن، كانت تدرك أنها في حوارها مع هذه القناة التلفزيونية بالتحديد، تخاطب جمهورين مختلفين: الأوروبي واللبناني في آن واحد. هذا ما حفّزها أكثر أن تداري تماماً صيغة كلامها، إن بوصفها، في نظر الجمهور الأوروبي، إمرأة عربية (غير محجبة)، ناجحة، تتولى حقيبة وزارية من العيار الثقيل (الذكورية الطابع حتى بالمعايير الغربية)، ومتعلمة بمستوى أكاديمي رفيع، وتتمتع بخبرة إدارية واسعة، في جهاز الدولة، كما في عالم المال والقطاع المصرفي. أي أنها تقدم لهؤلاء الأوروبيين نموذجاً مناقضاً لستريوتايب “المرأة العربية” المسكينة والمقموعة، لا على مثال أغلفة المجلات الصقيلة ولا على صورة “المرأة العصرية” لسيدات المجتمع المرفهات، ولا على مثال سيدات السلطة كعائشة القذافي أو أسماء الأسد.. أو بوصفها، في نظر الجمهور اللبناني، مع إضافة ما سبق، سيدة جديرة بالثقة، لكنها تبقى أسيرة تمثيل سياسي محدد يراعي “بيئته” الطائفية أو مرجعيته المذهبية. فهي لبّت بحديثها توقعات جمهورها الأوروبي أن يطابق منطوقها مظهرها ووظيفتها المدنية والسياسية، كما دارت نوازع اللبنانيين المتباينة في الحداثة وفي التدين وما بينهما من مظاهر هجينة وملتبسة على الدوام.

انتقت الحسن صيغة في كلامها، ما يرضي كذلك “جمهور الزواج المدني” المحلي، إنما مع الكثير من علامات الاحترام والمراعاة للسلطات الدينية. فهي دعت إلى “حوار”. وهذا اعتراف ضمني أن لا قانون يمر من دون موافقة تلك السلطات “الروحية”. هذا، حتماً، يبعد عنها تهمة الكفر أو الهرطقة أو الردة..إلخ. والدليل، أن صراخ الفقهاء لم يقرب من شخص الوزيرة بتاتاً.

في تصريحات ومقابلات أخرى، تحدثت عن طموحها بـ”ترك بصمة” في وزارة الداخلية، وعن الشرطة الاجتماعية للحد من العنف الأسري، وعن حقوق المرأة وحمايتها، كما عن قوانين يتوجب تحديثها، عدا عن الفساد وسوء الأداء..إلخ. ما يوحي أن السيدة ريا الحسن، كانت تتحضر جيداً لوزارتها منذ زمن.

لا مفاجأة في كل هذا، لمن يتذكر توليها العصيب لوزارة المالية، في فترة كان الاستهداف السياسي (والمسلح) للفريق الذي تنتمي إليه. فهي أبدت صبراً ودهاء صامتاً يضاهي ذاك الجلَد “الاستفزازي” الذي تمتع به سلفها ورفيقها وربما “أستاذها المعنوي” فؤاد السنيورة.

ما تتصف به تعبيراتها، جسدياً ولغوياً، هو توازنها بين مظهري الأناقة والقوة، اللطافة المقرونة بالنفوذ والحزم، (بعيداً عن المقارنات الخبيثة عن الأنوثة والجدية والاقتدار مثلاً). هي، كمن يستعد لاجتماع مجلس إدارة الساعة الثامنة صباحاً، ويتحضر لعشاء رومانسي في اليوم نفسه، وعند الظهر عليه أن يوبّخ ضابطاً عسكرياً.

برأيي الشخصي، اكتسبت الوزيرة خصالها من كونها تنتمي إلى الجيل “الملعون”، الذي بدأ وعيه الطفولي تماماً مع بداية الحرب، وعاش مراهقته تحت القصف وفي شوارع المعارك اليومية والسيارات المفخخة، وعندما نضج وجد بلداً بأكمله محطماً واقعاً على الدرجة صفر.

حين كانت في صف البكالوريا، عام 1984، كانت بيروت في أسوأ سنة بتاريخها المعروف. ولا يمكن الاستهانة بتجربة فتاة في سن المراهقة منكبة على الدراسة والاجتهاد العلمي، في مدينة تتعرض لحرب قذرة، وتشهد فوضى أمنية غير مسبوقة، وتطهيراً طائفياً، وانقلاباً ديموغرافياً مذهبي الطابع، سيستمر على مدى سنوات بقائها في الجامعة الأميركية. بل وحينها، انهار صرف سعر العملة من ثلاث ليرات تقريباً للدولار الواحد إلى ثلاثة آلاف ليرة (ما بين 1984 و1991)

منذ منتصف الثمانينات وحتى نهاية الحرب عام 1991، كان ثمة حياتان متوازيتان تجريان في العاصمة، خصوصاً في رأس بيروت. الأولى تخص مواطنين يستأنفون عيشاً وعملاً واجتماعاً، مستمداً من بيروت الكوزموبوليتية، وتقاليد العائلات البيروتية المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، والمقتدرة، في إقبالها على التعليم النوعي. وهؤلاء كانوا “يقاومون” سلطة الميليشيات وثقافة الأحزاب ومظاهر الأمر الواقع، على طريقة ريا الحسن: الإصرار على اكتساب العالم والانتماء إلى الجامعة الأميركية.

يُخيل إليّ، أن خروجها من هذا الجحيم إلى جامعة واشنطن، كان عن وعي التحضير لهذه العودة “المظفرة”: عودة جيلها برفقة رفيق الحريري لإزالة آثار انحطاط الزمن الميليشياوي والدمار والبؤس. ويا له من ثأر سكّري الطعم.

لسيرتها في المصارف والمؤسسات الدولية وداخل أجهزة الدولة وإداراتها ما يدل أننا أمام وزيرة “معمرة” وسياسية دائمة. وهذا ما نأمل.

اضف رد