الرئيسية / home slide / روسيا وأوكرانيا والعلاقة الملتبسة

روسيا وأوكرانيا والعلاقة الملتبسة

04-03-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

مروان اسكندر

Bookmark
أضف للمفضلة
تعبيرية (أ ف ب).

اجتياح بوتين الأخير ل#أوكرانيا أسدل الستار عن علاقة ملتبسة تاريخياً تعود جذورها الى أكثر من ثلاثة قرون، منذ أيام بطرس الأكبر، وهي كانت تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الإمبراطورية الروسية. وفي هذا السياق، إن أي محاولة لفهم المواقف الأساسية للقيادة الروسية ولبوتين بالتحديد، لا بد من أن تنطلق من استيعاب دور الاعتزاز والكبرياء الروسية في الحياة العامة، وفي مقدمها الاعتزاز بتاريخ #روسيا، الإمبراطورية التي استمرّت على امتداد قرون ثلاثة والتي تضمّنت جميع الأراضي المحيطة بالفيديرالية الروسية القائمة اليوم. فالروس مفعمون فخراً واعتزازاً بإنجازات بطرس الأكبر وكاترين الكبرى، وبالأعمال الأدبية التي وضعها دوستويفسكي وغوغول وتولستوي، ومجد الإرميتاج، وباليه البولشوي، والأعمال الباهرة التي نظمها الموسيقيون الروس من رخمانينوف الى تشايكوفسكي وسترافينسكي.

يقال إنه إذا جُرّد الروس من كبريائهم وفخرهم ببلادهم، فسينال منهم البؤس والميل الى الانتحار، وهو تحديداً ما حلّ بهم خلال حقبة يلتسين عندما نُهبت الأصول الوطنية وبقي الجنود والأطبّاء والمتقاعدون والمعلمون من دون رواتب لأشهر عدة. لن يسمح الروس أبداً بأن تعاني بلادهم مجدّداً من السرقة والإهانات على غرار ما حصل قبل خمس عشرة سنة. ويطمح الروس الى تبوّء موقع هام بين قادة العالم، وتدفعهم هذه الرغبة الى المساهمة في تطوير العلوم والطاقة والتبادل والثقافة والسفر والسلام والازدهار.

من هذا المنطلق، فإن سعيهم هو إعادة مجدهم واستعادة المناطق التي يعتبرون أنها سُلخت منهم ومن ضمنها أوكرانيا التي يعتبرها بوتين مفتاح روسيا على الغرب، وصدّ أيّ محاولة لوصول الناتو إلى تخوم روسيا. وهذا السعي بدأ منذ تولي بوتين السلطة واجتياحه جورجيا وضمّه عام 2014 القرم وصولاً الى الاجتياح الأخير اليوم لأوكرانيا.

إن استيعاب توجّهات وسياسات القيادة الروسية الجديدة يتطلب من الزعماء السياسيين الغربيين أن يدركوا أن بوتين والمستشارين النافذين هم تلامذة وأحفاد بطرس الأكبر وكاترينا الكبرى الروحيون. وبالتالي، من أجل التنبؤ بردات فعل روسيا إزاء المسائل الدولية الكبرى وآخرها اجتياح أوكرانيا، لا بد من استعادة لمحة تاريخية سريعة عن القائدين اللذين طبعا بختمهما نجاحات روسيا في القرن الثامن عشر.

مع أن بطرس الاكبر لم يتلقَّ أي تعليم رسمي أو تدريب نظامي، لكنه كان صاحب رؤية. كانت أصداء روح التنوير المنتشرة آنذاك في أوروبا الغربية تتردّد في الحيّ الألماني الذي كان يتردّد عليه باستمرار وتشبّع بأفكارهم التنويرية وأشعلت حشريته ورغبته في التعرّف الى أنظمة الدول الأخرى ومجتمعاتها.

لدى اعتلائه عرش القيصر في عام 1694، أدرك بطرس ضرورة أن تتحوّل روسيا قوة بحرية وأن تمتلك مرافئ لاستيعاب الحركة التجارية على مدار السنة.

قرر بطرس تجهيز روسيا بقوة بحرية، ونجح في الاستيلاء على منطقة آزوف من الأتراك وضم أوكرانيا الى روسيا منذ ذلك التاريخ.

قام القيصر بالكثير من التحسينات التي طالت مستويات التعليم والقانون والبنى التحتية والنشاط الاقتصادي والصحّة العامة، والبناء المتين، والأمن، كما استعان بالأجانب لتصميم سان بطرسبرغ وهندستها. في عام 1712، أصبحت سان بطرسبرغ عاصمة روسيا.

عند وفاته، كان بطرس الأكبر قد نجح في دفع روسيا قدماً في جميع الميادين، ومن ضمنها الاقتصاد. وشهد مرفأ سان بطرسبرغ ازدهاراً جعله مركزاً تجارياً، وازداد حجم التبادل التجاري بين روسيا وسائر أنحاء أوروبا والدول الشرقية أربعة أضعاف.

كاترين الكبيرة التي صارت النبيلة الألمانية كاترين لدى زواجها بوليّ العرش الروسي، باتت أرثوذكسية شرقية، وتحوّلت فعلاً الى سيدة روسية في عاداتها وطريقة معيشتها وحتى في أعماق قلبها.

عند بلوغها الثلاثين في عام 1760، كانت أفكارها متأثرة بأعمال الكتّاب والفلاسفة الفرنسيين مثل مونتيسكيو وفولتير وجان جاك روسو وديدرو.

ولدى تسلمها السلطة في عام 1762 بعد وفاة زوجها في ظروف غامضة، أثبتت كاترين تعلقها بمُثل التنوير والإنسانية. أدانت العبودية التي كانت منتشرة في روسيا. وضعت قواعد عامة لتعليم الأولاد من الجنسين ولتطبيق التعليم الإجباري، مستلهمة أفكار جون لوك وجان جاك روسو.

وهي أنهت بقايا تحكم العثمانيين ببعض مفاصل الحياة في أوكرانيا، عندما استقدمت الفلاحين الألمان الى زراعة حقول أوكرانيا الخصبة. ولتشجيع هذه المبادرة، حرّرت الفلاحين من العبودية وعرضت عليهم قروضاً من دون فوائد تمتدّ على فترة ثلاثين سنة وأعفتهم من الضرائب. والجدير ذكره أن هذا المزيج من التدابير يشبه الى حدّ كبير البرامج الحديثة التي تعتمدها دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لتشجيع تطوير بعض المناطق المتخلفة.

عملت كاترين لمدة سنة تحت غطاء من السرية ومع عدد من المساعدين، مستوحية من أفكار فولتير ومونتيسكيو، لوضع نظام القوانين.

اشترت كاترين أعمالاً فنية منفردة أو مجموعات من كافة أنحاء العالم. وعلاوة على الأعمال الفنية، حصلت كاترين على مجموعات من كتب ووثائق كانت تشكّل مجموعات مكتبة ديدرو وفولتير.

كان فولتير، على غرار ديدرو، يراسل الإمبراطورة بانتظام، ووصفها قائلاً إنها “مُحسنة أوروبا”. وفي عام 1778، في أعقاب وفاته، اشترت كاترين مكتبته التي كانت تحتوي على العديد من الكتب والوثائق التي تحمل ملاحظات كتبها بخط يده. ونُقلت المكتبتان الى متحف “إرميتاج” في سان بطرسبرغ.

حكم بطرس الأكبر لمدة 30 سنة، وكاترين الكبرى لمدّة 34 سنة. وكانت 60 سنة من ولايتيهما في القرن الثامن عشر، أي في “عصر التنوير”. ولا شك في أن الحاكمين الاثنين أسهما الى حد كبير بتقدّم روسيا ونشر التعليم والتحديث والثقافة فيها، كما انكبّا على بناء سان بطرسبرغ لتصبح جوهرة أوروبية ومركزاً للفن والثقافة.

لكنهما، لدى أي امتحان قوة أو فرض شروط وقواعد، كانا مستبدّين وخصوصاً في سنواتهما الأخيرة، وهما حققا انتماء أوكرانيا الى الامبرطورية الروسية بتاريخ تولّيهما مسؤوليات قيادة القارة. أما الفلسفة المشتركة التي تجمعهما فتتلخّص في الاهتمام وتوجيه وقولبة طبقة الفلاحين الروس. ومن المعروف أن روسيا بلد متنوّع ثقافياً يضمّ عشرات المجموعات الإثنية، حيث تسهم كلّ مجموعة بلغتها ومعتقداتها الدينية وعاداتها وموسيقاها لتشكل مزيجاً غنياً. ويمتدّ البلد على طول أكبر وأغنى كتلة من اليابسة يملكها أيّ كيان وطني في القرن الواحد والعشرين، والأمر لا يزال على حاله على الرغم من أن تفتّت الاتحاد السوفيتي دفع العديد من القوميات الى إعلان استقلالها، علماً بأنها كانت جزءاً لا يتجزأ من إمبراطورية رومانوف الروسية منذ بداية القرن السابع عشر؛ فدول مثل أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء وكازاخستان وأوزبكستان كانت من أعمدة إمبراطورية رومانوف الروسية التي أطاحتها الثورة البلشفية في عام 1917.

وعلى امتداد ثلاثة قرون، تأقلم الشعب الروسي الذي يتألف من مجموعات إثنية مختلفة، نصفها أوروبي ونصفها آسيوي، مع السلطة المركزية القوية التي كانت بيد قياصرة مارسوا القمع وشنوا الحروب.

في هذا السياق التاريخي يمكن فهم اندفاعة بوتين نحو استعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية واسترداد ما سُلخ عنها وآخرها أوكرانيا.