الرئيسية / مقالات / روسيا مكان أميركا في العراق وسوريا ولبنان؟

روسيا مكان أميركا في العراق وسوريا ولبنان؟

الجواب الثاني عن هويّة الدولة العُظمى أو الكبرى التي تكون ذات تأثير بل نفوذ مّهمّ في الفيديراليّات الثلاث اللبنانيّة والعراقيّة والسوريّة تقدّمه جهات سياسيّة إقليميّة معيّنة ومُطّلعة بدورها على الأوضاع في المنطقة وعلى التحرّكات الدوليّة فيها. وهو يُشير أوّلاً إلى أنّ لا شيء يؤكّد حتّى الآن أنّ الولايات المتحدة رغم عاملي سفارتها الأكبر في المنطقة التي تُبنى في لبنان وقاعدة حامات العسكريّة اللبنانيّة التي ساهمت في تكبيرها وتطويرها، ستكون عرّابة النظام الفيديرالي فيه وصاحبة النفوذ الأقوى. ذلك أنّ الشعب “الأقوى” بين شعوبه يرفض دورها ونفوذها لأن “الحزب” المُنبثق منه الذي يخوض حرباً طاحنة مع الأميركيّين نيابة عن راعيته وحليفته إيران الإسلاميّة لن يقبل هذا الأمر. علماً أنّ الشعوب اللبنانية الأخرى قد تفضِّل رعاية أميركا لبلادهم بعد استتباب أوضاعها واستقرارها على نظام فاعل على أي رعاية أخرى. لكنّها غير موحّدة وخاضعٌ بعضها لتأثير سلاح “الحزب” ومُتحالف بعضها الآخر معه لأسباب متنوّعة. انطلاقاً من ذلك ترى الجهات المذكورة أعلاه أن روسيا قد تكون الدولة الكبرى الراعية للبنان في نظامه الجديد فيديراليّاً كان أو مركزيّاً، وتساعدها على ذلك أمور ثلاثة أوّلها وجودها في سوريا وكونها صاحبة الكلمة الأولى فيها. وثانيها التجاور الجغرافي بين لبنان وسوريا و”التداخل” بين شعوب البلدين واقتناع بعضها بضرورة العلاقة معها ولا سيّما في ظلّ نظام الأسد الذي تحميه موسكو جرّاء تحالفه مع إيران، واقتناع بعضها الآخر بضرورة العلاقة معها ولكن بعد انهيار هذا النظام أو استبداله بآخر يُعيد لـ”الغالبيّة” فيها دورها السياسي الأوّل، كما اقتناع بعضها الثالث بعدم إفساح المجال أمام سوريا الأسد أو أعدائه لاستعادة النفوذ في لبنان والسيطرة عليه. أمّا ثالث الأمور فهو أنّ الولايات المتّحدة ولا سيّما في ظلّ إدارة الرئيس ترامب تسلّم بدور روسيا في سوريا، وقد تُسلِّم بدور لها في لبنان بعد بروز توجُّه قويّ للانسحاب المباشر من الشرق الأوسط، ولا سيّما من سوريا المحاذية للبنان الواقع بدوره تحت سيطرة إيران والفاقد جرّاء ذلك دعم حلفائها في المنطقة وفي مقدِّمهم العربيّة السعوديّة ودول الخليج. علماً أن علاقة ترامب بروسيا ليست عاطلة رغم الخلافات والشائعات وغيرها، وأن الرئيس الروسي بوتين يُراعيه أحياناً كثيرة ليس لأنّ “علاقة خاصة” تجمعهما بل لأنّه قادر على استخدام مواقفه لتعزيز مواقع بلاده في الشرق الأوسط. وفي هذا المجال تعتقد الجهات نفسها أن الشراكة الأميركيّة – الروسيّة ممكنة في لبنان لكنّها ترجِّح الاستئثار الروسي به.

والجواب الثاني نفسه يُشير إلى أنّ دور الولايات المتحدة في العراق إلى انحسار، ولا بُدّ أن يصل عندما يحين أوان الحلول الكبرى إلى حلول دور روسيا مكانه، أوّلاً لأنّ نفوذ إيران الإسلاميّة داخل الشيعة وهم الغالبيّة فيه موجود وسيبقى موجوداً وإن انحسر قليلاً جرّاء رعايتها نظاماً فئويّاً فيه ظلم للشيعة أوّلاً، ثمّ باقي العراقيّين بالفساد والمُحاصصة وبعدم تأمين فرص العمل والتعليم والطبابة والكهرباء والمياه و… رغم غناه الكبير نفطيّاً وغازيّاً. وموسكو وطهران على علاقة جيّدة وخصوصاً منذ تعاونهما في حرب إبقاء نظام الأسد في سوريا. كما أن علاقة موسكو بدول الخليج تحسّنت كثيراً عن السابق في السنوات الأخيرة.

كيف تنظر إيران وحلفاؤها في المنطقة إلى هذا الكلام كلّه عن الفيديراليّات الثلاث ونفوذ كبار العالم فيها ولا سيّما أميركا وروسيا؟

يُجيب مُتابعون من قرب للاثنتين أنّهما معاً في العراق وستبقيان معاً فيه رغم كل الضغوط والصعوبات، وإجبارهما على الانسحاب سيعني فيديراليّة فيه أو تقسيماً. لكنّهما لا تشعران بالهلع للتطوّرات المعادية لهما في الشارع الشيعي ولصمت الشارعين السُنّي والكردي على نحو يُشير إلى عدم الإعتراض على ما يحصل. ويتحدّث هؤلاء عن عوامل قد لا تكون مُسهّلة للحلول المُتداولة، منها أنّ منطقة كرديّة عراقيّة مُستقلّة أو كانتوناً في فيديراليّة سيبقيان مرفوضين من جيرانها الإيرانيّين والأتراك والسوريّين لأن عندهم أكراداً بأحجام ديموغرافيّة كبيرة. ورغم ثروتهم النفطيّة فإنّهم لن يكونوا مرتاحين أبداً. أمّا السُنّة في العراق فعندهم حلّان. إمّا الانضمام إلى السعوديّة وعندها يتحوّلون رقماً صغيراً في مملكة مُترامية الأطراف جغرافيّاً وذات ديموغرافيا كبيرة. علماً أنّه جرى تداول اقتراح في السابق يقضي بجعل منطقة سُنيّة عراقيّة وليس كامل منطقة السُنّة Buffer zone أي حاجزاً جغرافيّاً مُخفِّفاً للصدمات بين السعوديّة والعراق، وإمّا الإنضمام إلى “الشام”. لكن “الشام” في حال بالغة الصعوبة الآن، ولا يعرف أحد مستقبلها. في أي حال، يُتابع هؤلاء أن الخوض في موضوع “الصِيَغ” النهائيّة للعراق وسوريا ولبنان لا يزال سابقاً لأوانه، رغم ما يجري من تظاهرات وانتفاضات دمويّة في الأوّل وشبه سلميّة في الثالث. ولا بُدّ أن ينتظر ذلك نهاية للحرب المتنوّعة المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران سواء باتفاق أو بحرب نهائيّة يجب أن يكون فيها رابح وخاسر. وفي أي حال أيضاً تستبعد جهات سياسيّة إقليميّة ودوليّة حلول روسيا مكان أميركا في العراق لأنّ من شأن ذلك التمهيد لإخراج أميركا لاحقاً من دول الخليج العربيّة وفي مقدّمها السعوديّة. فهل هي في وارد الخروج فعلاً من هذه المنطقة الحيوية؟ وفي أي حال أخيراً أن المطروح في المنطقة راهناً هو قرار إيران إخراج أميركا من المنطقة بدءاً بالعراق وقرار أميركا البقاء فيه وفيها رغم قرار ترامب السابق الخروج منها. طبعاً يعرف الإيرانيّون أنّ هدفهم ليس سهل التحقيق وخصوصاً في العراق حيث امتنع النوّاب السُنّة والأكراد عن حضور جلسة تقرّر فيها الطلب من الحكومة إخراج عسكر أميركا من البلاد. ويعرفون أنّ عليهم الإعداد لذلك بجديّة بعد تهدئة الشارع مع مكوّنات الشعب العراقي كلّها التي ليس فيها من يريد استمرار الوجود الأميركي في بلادها. لكن هل هم واثقون من ذلك؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد