الرئيسية / home slide / روسيا “تتوسّع” داخل سوريا… استغلالاً للوقت الضائع؟

روسيا “تتوسّع” داخل سوريا… استغلالاً للوقت الضائع؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – “أ ب”

لا تزال منطقة شمال شرق سوريا تلفت أنظار المهتمّين بأيّ تطوّر للعلاقات الأميركيّة-الروسيّة من خلال تلك البوّابة. بعدما انتشرت تقارير عن شروع موسكو في بناء أوّل قاعدة عسكريّة في مدينة قسر ديب شمال غرب المالكيّة، برزت تساؤلات عمّا إذا كان ذلك تحدّياً روسيّاً للنفوذ الأميركيّ. ومع الإعلان عن تسيير الطرفين دوريّة مشتركة بالقرب من بلدة دير غصن شرقيّ الرقّة، بات احتمال ترقّب تسوية أوّليّة بين موسكو وواشنطن أكثر قابليّة للطرح. لكن تطوّرات وتحليلات أخرى قد تبدّد سريعاً هذا الاحتمال. 

“صور جميلة”

يوم أمس، صدر تقرير جديد عن موقع “إذاعة صوت أميركا” أشار إلى أنّ روسيا تسعى إلى “التوسّع عسكريّاً شمال شرق سوريا”. ونقل التقرير عن قوّات سوريا الديموقراطيّة (قسد) قولها إنّها الاجتياح التركيّ خلق فراغات في تلك المنطقة فملأتها القوّات الروسيّة وحليفتها السوريّة. وقال أحد المسؤولين في “قسد” مشترطاً عدم الكشف عن اسمه إنّ الروس كانوا يجولون في المنطقة بشكل شبه حرّ مشيراً إلى أنّ “هدفهم النهائيّ إخراج الأميركيّين من شمال شرق سوريا.”

في السياق نفسه، سرعان ما تبيّن أنّ الروس والأميركيّين لم يُجروا دوريّات مشتركة كما أشارت التقارير الأولى. فقد أعلن المتحدّث باسم التحالف الدوليّ ضد داعش العقيد مايلز كاغينز خلال مقابلة مع الإذاعة نفسها الأسبوع الماضي أنّه “لم تكن هنالك دوريّة مشتركة بيننا وبين روسيا.” وأضاف: “لا ننسّق مهمّاتنا في شمال شرق سوريا. ما شاهده الناس في الفيديو وفي بعض الصور الجميلة كان حلّ نزاع.” وترافق نفي خبر التعاون الأميركيّ-الروسيّ مع تقارير أخرى عن مواجهتين سلبيّتين بين دوريّات روسيّة وأميركيّة بالقرب من المالكيّة خلال يومين.

هل تشير هذه الأحداث إلى مخاطرة موسكو بالاصطدام عسكريّاً مع واشنطن في منطقة نفوذها؟ واستطراداً، هل يتلمّس الكرملين تردّداً أميركيّاً في الإبقاء على القوّات العسكريّة هناك؟ وكيف سينعكس تأسيس القاعدة العسكريّة على العلاقة بين الطرفين؟

اليد الطولى

توجّهت “النهار” بهذه الأسئلة إلى الكاتبة والمحلّلة السياسيّة في شؤون الشرق الأوسط إيفا كولوريوتي التي ذكرت أنّه وفقاً للمعلومات، “تمّ تأكيد أنّ القوّات الروسيّة في سوريا قد أنشأت لنفسها قاعدة عسكريّة جديدة شرقيّ سوريا، شمال غرب مدينة المالكيّة.”

لكنّ ذلك لا يشكّل أيّ حدث عسكريّ أو سياسيّ خارج عن المألوف وفقاً لتحليل كولوريوتي. فهي ذكّرت بداية بأنّ القاعدة العسكريّة الجديدة لن تكون الأولى لموسكو في تلك المنطقة. وتوضح أنّه سبق لروسيا أن أسّست لنفسها وجوداً كبيراً في مطار القامشلي بالقرب من مدينة عين العرب/كوباني. علاوة على ذلك، لديها سيطرة كاملة على مطار الطبقة، وقاعدتان في مدينة منبج، ونقاط تركّز أخرى بالقرب من عين عيسى، وفقاً للمحلّلة نفسها.

بالرغم من هذه الوقائع، لن يكون هنالك أيّ تغيّر يطرأ على قواعد اللعبة في المدى القصير. على العكس من ذلك، يبدو أنّ الولايات المتّحدة ستظلّ محتفظة باليد الطولى شمال شرقيّ سوريا، بحسب تحليل كولوريوتي:

“هذا الوجود الروسيّ يبقى محدوداً عبر خطوط عريضة تفرضها واشنطن. كان الأميركيّون ولا يزالون المحدّد الوحيد لمستقبل شرق سوريا ومستقبل موسكو هناك. من ضمن السياسة الأميركيّة الحديثة التي يقودها جايمس جيفري، لن تغادر واشنطن شرق سوريا في المستقبل المنظور، ولن تؤمّن مغانم الشرق السوريّ من النفط، الغاز، والقمح لأعدائها الاستراتيجيّين في موسكو وطهران.” ورأت أنّه مع دخول قانون “قيصر” حيّز التنفيذ، سيكون عنوان المرحلة الأميركيّة التالية في سوريا هو حصار أو دفع القرار الأمميّ 2254 قدماً للتوصّل إلى حلّ سياسيّ شامل.

عن خيارات الصدام والوساطة

يعبّر منع واشنطن الحكومة السوريّة من الوصول إلى الموارد الطبيعيّة في تلك المنطقة عن استمرار سياسة الضغط الأقصى على دمشق لدفع الأخيرة إلى المفاوضات، كما عن منع طهران من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها. يضاف إلى ذلك، أنّ سياسة واشنطن تسعى في شكل من الأشكال إلى تحجيم الدعم الذي تقدّمه موسكو إلى دمشق بغية زيادة العزلة الدوليّة على الأخيرة. لكنّ طرق الردّ الروسيّ قد تكون محدودة.

توضح كولوريوتي أنّه بالنسبة إلى روسيا، “خيار الصدام مع واشنطن شرقي سوريا هو غير واقعيّ كما أنّ محاولة كسب الميليشيات الكرديّة في شرق سوريا لم تعد مفيدة ضمن الخطوط الأميركيّة الحمراء. بالتالي، إنّ خطّة روسيا في شرق سوريا ستعتمد على كونها خليفة للأميركيّين متى وإذا قرّروا الانسحاب من هنالك. حتى ذلك الحين، سيزيد الروس وجودهم في محيط مدن القامشلي، المالكية، الحسكة وعين العرب (كوباني) لإبقاء تركيا بعيدة من الحصّة الروسيّة شرقيّ سوريا.”

من الشرق إلى الغرب

إنّ التحرّكات الروسيّة داخل سوريا ليست رسالة موجّهة إلى واشنطن بالدرجة الأولى. تضيف كولوريوتي أنّ قاعدة المالكيّة هي خطوة روسيّة إضافيّة موجّهة إلى الحلفاء في دمشق وطهران أكثر من الأميركيّين. وربطَتها بتطوّرين حديثين تمثّلا بدفع وزيري الدفاع والخارجيّة إلى التواصل مع الحكومة السوريّة لتوسيع الوجود الروسيّ في الجغرافيا السوريّة عموماً وفي الساحل الغربيّ خصوصاً، كما بقرار تعيين سفير موسكو السابق في سوريا، ألكسندر ييفيموف، موفداً خاصاً إلى سوريا.

بالفعل، يعتقد المحلّل في شؤون روسيا وآسيا الوسطى رودجر ماكدرموت أنّ التمدّد الروسيّ في سوريا يبدو مدفوعاً بعدد من العوامل من بينها ما يُعنى بالأمن والطاقة وتأمين وجود عسكريّ روسيّ بحريّ أكثر استدامة وأقلّ كلفة في شرقي المتوسّط. كما يعكس حدود المنشآت العسكريّة الروسيّة الموجودة حاليّاً والحاجة إلى توسيعها. وكتب أنّ الرسالة العامّة التي وجّهتها موسكو هي أنّ وجودها في سوريا طويل المدى.

مع اقتراب الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة وفرض عقوبات “قيصر”، يرجّح أن يكون التوسّع الروسيّ، أكان شرقاً أم غرباً، جزءاً من سياسة غير صداميّة مع واشنطن… استعداداً لتسوية صعبة مع ترامب وربّما سهلة مع خلفه.