الرئيسية / أضواء على / روز أنطون الرائدة النهضوية المجهولة

روز أنطون الرائدة النهضوية المجهولة

 

غلاف الكتاب

كرم الحلو

 

اضطلعت المرأة بدور أساسي في النهضة العربية الحديثة. وقد أولت الدراسات الأدبية والفكرية اهتماماً كبيراً بالرائدات من النساء في الصحافة والأدب والشعر، من وردة اليازجي ومريانا مراش إلى مي زيادة ونظيرة زين الدين وزينب فواز وجوليا طعمة دمشقية ونجلاء أبي اللمع وهند نوفل وماري عجمي وسواهن ممن ساهمن مساهمات مميزة في نهضة العرب وتقدمهم الاجتماعي. إلا أن ثمة رائدات بقين مجهولات وظلّت إنجازاتهن، رغم تميزها، طي التاريخ ومن دون أن تعطى ما تستحقه من التقدير والاعتبار.

في مقدم هؤلاء روز أنطون الرائدة في الصحافة النهضوية والكاتبة التي طرحت أفكاراً تميزت بالجدة والثورية في عالم عربي كان لا يزال مكبّلاً بالأعراف والتقاليد والنظرة الدونية إلى المرأة، الأمر الذي عبرت عنه روز بقولها: «إذا عملت المرأة عملاً خارجاً عن دائرة اختصاصها نسبوه إلى الرجل لا إليها. فإذا كتبت أو ألفت أو نظمت قالوا الرجل هو الذي كتب أو ألف أو نظم… وكم كان هذا سبباً ليأس النساء في شرقنا، مع أن النجاح في فنون الكتابة والإنشاء والنظم إلى غير ذلك ميسور للمرأة كما هو ميسور للرجل على السواء». ولعلّ ذلك بالذات ما عانت منه روز، إذ هي شقيقة رائد نهضوي بارز هو فرح أنطون وزوجة رائد آخر هو نقولا الحداد، ما حدا بفرح إلى الرد على الذين ينسبون إنجازاتها إليه بقوله: «فليعلموا أنني لم أطبع سطراً واحداً في الجامعة وكتبها إلا بعد أن اطلعت هي عليه ونظرت فيه. وكم من مرة في المناظرات الصعبة غيرت عزمي من شيء إلى شيْء». فمن هي هذه الرائدة وما هي إنجازاتها في نهضتنا الحديثة؟

هذا ما جهد للإضاءة عليه أحمد أصفهاني في «روز أنطون كاتبة نهضوية مجهولة» (دار الفارابي – 2018)، إذ إن غالبية المراجع لم تقدم أي إضاءة على روز أنطون الصحافية، لا في المرحلة الأولى (1903 – 1906) عندما عملت مع أخيها في إصدار مجلة «السيدات والبنات»ولا في المرحلة الثانية (1921 – 1930) عندما شاركت زوجها نقولا الحداد في إصدار مجلة «السيدات والرجال».

لا يمكن الإحاطة بموقع روز النهضوي من دون معرفة التقاطعات المتنوعة بين روز وفرح ونقولا، وتأثيراتها الواضحة في مساراتهم الفكرية والاجتماعية والمهنية، سواء في مصر أو في الولايات المتحدة الأميركية. ففرح اعتبر، وفق سلامة موسى «الفاتح لدراسة النهضة الأوروبية الحديثة، وناشر الأفكار الديموقراطية الحرة، ومن أوائل من عرفوا بالمذاهب السياسية والاجتماعية الحديثة في المشرق العربي». هاجر إلى مصر في 1897 وأصدر في الإسكندرية في 1899 مجلة «الجامعة العثمانية»، ثم أسس في 1903 مجلة «السيدات والبنات»، موكلاً إدارتها إلى روز. انتقل إلى نيويورك في 1905 وتبعته روز ونقولا الحداد وأعاد هناك إصدار «الجامعة» ليرأس تحريرها الحداد وتساعده فيها روز. وبعد خلع عبدالحميد، عاد فرح وروز ونقولا إلى القاهرة فأصدر فرح في 1909 عددين من «الجامعة» التي ما لبثت أن توقفت إلى غير رجعة.

أما نقولا الحداد الذي كان يحمل شهادة في الصيدلة من الجامعة الأميركية في بيروت، فقد عمل مع فرح في نيويورك وعاد إلى القاهرة ليعمل في جريدة «المحروسة» مع الياس زيادة، والد مي. وكان يكتب في العلم وفي الأدب والسياسة، ويؤلف الروايات والمسرحيات، وينظم الشعر. فقد عاش في عصر الموسوعيين وكان واحداً منهم.

تناول المؤلف مجلة «السيدات والبنات»، فأشار إلى أن قضايا المرأة شكلت عند فرح أنطون جوهر الوظيفة الاجتماعية، ففي إصلاح شؤونها، في رأيه، إصلاح الهيئة الاجتماعية كلها، لأن الإصلاح السياسي والاجتماعي مرهون بإصلاحها وتعليمها.

عاشت هذه المجلة بين 1903 و1906 وعرّفت بأنها مجلة نسائية للعائلات لصاحبتها روز أنطون التي لجأت إلى الأسلوب التفاعلي مع القراء، متجنبة المسائل الحساسة كالحجاب والاختلاط وتعدد الزوجات، منبهة إلى ما يجب على المرأة تعلمه أو ما يجب تجنبه من العادات والأخلاق. وبعد انتقال «الجامعة» إلى القاهرة ثم إلى نيويورك لم تلبث «السيدات والبنات» أن انقطعت عن الصدور، فالتحقت روز ونقولا بفرح، وكان على المجلة أن تنتظر خمس عشرة سنة لتصدر في 1921 في القاهرة تحت اسم «السيدات والرجال»، بعد أن أحدثت تغييراً في المحتوى لمصلحة المنوعات والأبحاث العلمية والاجتماعية، طارحة موضوعات كانت شبه محرمة بل صادمة للمجتمع المصري في تلك الفترة، مثل الاختلاط في المدارس والمطالبة بحق الانتخاب للنساء، وإن بأسلوب يحميها من المواجهة مع التقاليد.

وقد خصصت المجلة مقالات للتنديد بالاستعمار وأخطار الحركة الصهيونية على المنطقة كما شجّعت الحركات الإصلاحية، وحضت على الوعي الوطني لنيل الاستقلال والحرية وتحقيق التقدم الاجتماعي، فكتبت روز في العدد الأول 1921: «كفانا تمويهاً على نقائصنا وحسبنا نوماً وغفلة، والغرب ينتفع من غفلتنا». وكتبت تحض المرأة على العمل: «إن السيدة التي لا تعمل تكون فريسة للضجر وللأمراض العصبية… لذلك أوصيك يا بنية أن تحترسي من البقاء ساعة واحدة من دون عمل… لم أشعر بنفسي سيدة إلا وأنا أعمل وفي ذلك الوقت يكون افتخاري أعظم من وقت أكون فيه لابسة أجمل فساتيني». وكتبت تدعو إلى استقلال الأمة وحريتها واعتمادها على ذاتها في التعليم: لا يفهم أولئك الأفراد المتمايزون بغناهم ووجاهتهم أن حياتهم ومكانتهم وكرامتهم متوقفة كلها على قدر ما للأمة من الاستقلال والحرية، ما لا يمكن الحصول عليه إلا بالعلم والتربية الأهليين… فقد حان لنا أن نخجل من الاعتماد على الأجانب في تعليم الناشئة وأن نتولى نحن تعليم ناشئتنا حتى تشب مرفوعة الرأس غير مثقلة بمنة لأجنبي. فإذا لم تكن النهضة داخلية فما هي نهضة بناء.

وكذلك تدعو روز إلى الاعتماد على النفس في الإنتاج بقولها: نحن الشرقيين تعودنا التقليد فنقتبس مصنوعات الغرب وهي بخسة وننفر من مصنوعنا بالرغم من متانته وأناقته، فلا أدري لماذا لا تقبل السيدات عليه بل يتهافتن على الأنسجة الغربية… في حين أن ذلك «ليس أنه لا وطنية مخجلة فقط بل هو غرور بالغ إلى حد الجنون». لذلك، تحض روز المرأة العربية على خلع الموضة الإفرنجية ولبس الزي الوطني الذي لا يجيد صنعه إلا أبناء البلاد.

وترفض روز «التمادي في البذخ، لا سيما في اللبس»، لأن الإسراف في اللبس والتبرج لا يزيد قيمة الفرد بل هو ذاهب سدى وذاهب بحياة البلاد. ولروز موقف متقدم من الغرب، إذ تقول: إما أن نسلم بلادنا للآخرين، وإما أن نسلّحها «بسلاح الغرب الجديد» الذي هو أمضى من الطيارات والدبابات، فنعلم أولادنا أخلاق الغرب التي هي حب النفس والتضحية من أجل الوطن واحتقار كل ما لا يتفق مع مصالحنا.

هذه الشذرات لا تغطي فكر روز التنويري الذي لا تتسع له مقالة صحافية، وقد أجاد المؤلف بالإضاءة على أكثر من جانب من جوانبه فأدى عملاً جليلاً بالكشف عن رائدة مجهولة، لعلّ الكتاب ومختاراته يعطيها بعض حقها، ويحلها المكان الذي يليق بها في مسيرة الكتابة النسائية النهضوية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن الماضي. إلا أن ذلك لا يعفينا من تسجيل ملاحظات أساسية على هامش الكتاب:

أ – قول مارون عبود أن فرح أنطون هو «أبو النهضة الفكرية الحديثة في المشرق العربي»، الذي مال إليه المؤلف، كما يبدو، لا يمثل السيرورة التاريخية الحقيقية للفكر العربي الحديث. فأنطون ولد في 1874 وهو العام الذي رحل فيه فرنسيس المراش الذي أطلق في مؤلفاته، بخاصة «غابة الحق» ( 1865) أفكار الحرية السياسية والاجتماعية، فقال بـ «العقد الاجتماعي» والدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة وسوى ذلك من مقولات التنوير التي كانت قد حظيت بمقاربات فعلية في «الساق على الساق» (1855) لفارس الشدياق كما في «نفير سورية» (1860) لبطرس البستاني.

ب – وستين مسرة ليست أول أمرأة عربية تكتب في صحيفة عربية كما يذكر المؤلف، بل إن الحلبية مريانا مراش هي «الكاتبة الأولى التي نشرت أفكارها في الصحف العربية» وفق فيليب طرازي. أما مقالتها الأولى «شامة الجنان» فقد نشرت في «الجنان» لبطرس البستاني في الجزء الخامس عشر لعامها الأول في آب (أغسطس) عام 1870 وحضت فيها مريانا بنات جنسها على درس العلوم والصنائع والاضطلاع بالأعمال العقلية والتجارية والاقتداء بنساء الغرب حتى «إذ ما اضطرنا الحال وساعدتنا الظروف نكون أكفأ على الاقتداء بهن».

اضف رد