الرئيسية / home slide / رودريغ كوكرن سرسق لـ “النهار”: لن أرمّم القصر المنكوب قبل رحيل هذه السلطة الفاسدة!

رودريغ كوكرن سرسق لـ “النهار”: لن أرمّم القصر المنكوب قبل رحيل هذه السلطة الفاسدة!

الخراب…

في حي سرسق، قصر الليدي إيفون سرسق كوكرن المدرج على لائحة الجرد العام للأبنية الأثرية، على غير عادته. فقد تحول هذا المكان، الذي يشكل أحد ركائز الذاكرة التراثية والثقافية في لبنان أو حتى قبل ولادته، الى قصر منكوب يشبه مصاب لبنان وناسه، بعد الانفجار الكبير في مرفأ بيروت.

الواجهة الخارجية للقصر دون نوافذ ( تصوير حسن عسل),

تاريخ لبنان…

النواف المشرعة في القصر ( تصوير حسن عسل).

قبل عرضه لوقائع الخسائر المالية الفادحة، لا بد من التوقف عند بعض ما جاء في كتاب عن “قصر بسترس بيروت” لدومينيك فرناديز من الأكاديمية الفرنسية من معلومات تاريخية عن هذا القصر العابر لتاريخ لبنان ولعائلة سرسق العريقة الذي تأسس عام 1860 بجهود موسى سرسق جد الليدي كوكرن، وفيه “أن “مساحة الأرض تبلغ 11 ألف متر مربع، والبناء يمتد على 500 متر من مجملها، وهو محاط بحديقة واسعة، مليئة بأشكال وأنواع مختلفة من 80 نوعاً من الزهر والورد، إضافة الى أشجار السرو والنخيل وسواها”. وذكر المصدر أن الحديقة مزينة بأجران رخامية وببركة مياه مربوطة بأجزاء الحديقة.

اللافت أن المبنى الصغير إلى الشمال تحول اليوم” وفقاً لما قال لنا رودريغ كوكرن، “الى مركز إقامته مع عائلته بعد وقوع الانفجار الكبير، حيث يستمر أيضاً هناك في متابعة عمله في تنظيم حفلات ونشاطات عدة كأعراس ومعارض وحفلات وعروض أزياء وسواها، وهي تؤمن من خلالها المدخول المالي السنوي لصيانة القصر وحديقته.

“نوافذ القصر الكبير وواجهته الخارجية مدمرة، تناثر الزجاج على الأرض لحظة الانفجار الكبير في مرفأ بيروت في 4 آب الماضي”، قال كوكرن.

وأكمل حديثه مشيراً الى أن “الإصابات جسيمة في باحات القصر. كل شيء يحتاج الى ترميم في طابقي القصر من لوحات زيتية، تحف، قطع فنية نادرة كالثريات والجداريات الأثرية”. تكسرت محتويات القصر، قال كوكرن، “حتى القرميد الأحمر لسقف القصر، تحول الى أجزاء صغيرة على سقفه”.

الأضرار كلها تشوه الفن والعراقة في القصر ( تصوير حسن عسل).

ماذا جرى مساء 4 آب؟ أجاب: “كنت خارج القصر وتحديداً ألبي دعوة زفاف في فندق، فيما بقي فريق العمل في متابعة التحضير لحفل عرس صغير في الباحة الخارجية. وقع الانفجار وأصيب فيه كل من والدتي الليدي إيفون سرسق كوكرن بجروح في يدها ورجلها تسببت في نقلها الى المستشفى، وهي تعافت من الإصابات الطفيفة وعادت الى صوفر لتمضية بعض الوقت. كما أصيبت زوجتي أيضاً وهي تتعافى من صدمة الانفجار في حين نجت إبنتي”.

إحدى اللوحات من القرن 16 و17 (تصوير حسن عسل).

كيف يمكن أن نُحصي الأضرار؟ برأي كوكرن، “من المهم معاينة البناء، الذي يجمع في هندسته اللمسة الهندسية اللبنانية والإيطالية، إضافة الى فحص “هيكل” القصر”. ورأى أن “لا مفر من ترميم عدد كبير من اللوحات الإيطالية من القرنين 17 و18، والتي اشتراها مالك القصر تباعاً من إيطاليا”، مشيراً الى أن “دوي الانفجار الضخم والقوي أدى الى تحطيم خشبيات وقطع ليموج مستوردة خصيصاً للقصر من مدينتي نابولي وسيسيليا”.

الأضرار الجسيمة

دمار في درايزين الحديد المؤدي من الطابق الأول الى الثاني (تصوير حسن عسل).

ماذا عن الطبقة الثانية؟ بالنسبة لكوكرن، “هي الطبقة، التي سكنها مع عائلته، وهو متضرر جداً من نواح عدة، أبرزها تكسير الدرابزين الحديدي للسلالم، الذي يربط الطبقة الأولى بالثانية”. ولفت الى أن “أضراراً جسيمة جراء الإنفجار لحقت بالأبواب الخشبية الفخمة جداً والإيطالية الصنع في غرفة الطعام”، مشيراً الى “أن الأبواب الأخرى لقيت نصيبها من الأضرار الفادحة منها الباب الحديدي الرئيسي للقصر مثلاً أو الباب النحاسي في الطبقة الثانية، الذي صممه أحد رواد الحرف في تلك الفترة في لبنان ماري طرزي…”.

كيف سيرمم هذا القصر؟ أجاب بصراحة تامة أنه “لن يقوم بورشة ترميمية جذرية للقصر قبل رحيل هذه السلطة”، معلناً أنه “سيجري ترتيبات أساسية تقي القصر من تداعيات الشتاء القادم”.

ماذا بعد؟ قال مسرعاً:” سأمتنع عن تسديد ضرائبي الى الدولة. وسأنتظر رحيل هذه الطبقة الفاسدة وعلى رأسها “حزب الله”، الذي له دور أساسي في ما وصلنا إليه، لأعيد ترميم القصر وداخله”. وأبدى تعجبه من ت”غافل المسؤولين الحاليين والسابقين عن السؤال عما حل بهذا المعلم الثقافي والتراثي”، مشيراً الى أننا “حاولنا الاتصال بوزارة الثقافة في هذا الخصوص من دون أي جدوى”.

سأبقى هنا

عما إذا كان ينوي الهجرة من لبنان، قال:” أبداً، هذا مستحيل. لن يدفعني جواز سفري الإيرلندي الى مغادرة لبنان. أنا لبناني حتى العظم. وسأبقى هنا لأطلق ربما مشروعاً لدعم هذا القصر، إضافة الى أن النشاطات ستعود الى الباحة الخارجية للقصر دون شك”.

هذا القصر، الذي ورثته الليدي كوكرن، الابنة الوحيدة لألفرد سرسق، هو فصل من تاريخ لبنان وتطوره العمراني والتراثي لأن لمالكته الليدي كوكرن دوراً ريادياً في الحركة الثقافية في لبنان، ولاسيما من خلال تأسيسها في العام 1960 لجمعية “أبساد” للمحافظة على الأبنية التراثية، فضلاً أنها كانت السباقة في إطلاق تجربة “صالون دوتون” في فرنسا بنسخة لبنانية معروفة بصالون الخريف”، كأول نشاطات متحف سرسق منذ افتتاحه عام 1961، وكان يضمّ فنانين ناشئين ومكرّسين في معرضٍ يتوّج دعوة مفتوحة إلى تقديم الأعمال الفنية هي الأطول في لبنان واختيار الفائزين بجوائز في المعرض. وهذا النشاط الريادي كان له الفضل في بروز فنانين ناشئين، شقّوا من خلال مشاركتهم في “صالون الخريف” طريقهم نحو الشهرة، مثل ميشال بصبوص، سلوى روضة شقير، إيفيت الأشقر، إيلي كنعان، بول غيراغوسيان، عارف العبد وعادل صغير وسواهم.

شباب لبنان

واجهة أحد المكاتب في المبنة الخاص لعمل الفريق.

قبل مغادرتنا القصر، دخلت مجموعة من الشبان والشابات حرم القصر حاملين مكانس. رداً على سؤال عن هويتهم بادرت إحدى الفتيات قائلة: “اسمي أماندا حبشي أدرس علم النفس وهذا زميلي كريستوفر صياد موظف في مصرف. لبينا دعوة أطلقتها صفحة فيسبوكية بعنوان “مواطن لبناني”، وتوجهنا لتنظيف الأحياء من الزجاج والركام…”.

التماثيل المصدعة ( تصوير حسن عسل).

جاءت أيضاً صبيتان هما يارا قمر وكليمانس سعادة لرفع الركام من محيط القصر. عن سبب هذا الاندفاع، ذكرت قمر أنه “أقل واجب لأن لبنان هو وطننا، وعلينا المساهمة في مساعدة الناس”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter :@rosettefadel