الرئيسية / أضواء على / روبير سوليه: مصر سكنتني وجدانياً فكتبتها روائياً

روبير سوليه: مصر سكنتني وجدانياً فكتبتها روائياً

الإسكندرية – هبة ياسين
الحياة
26042018

مصر شغفه الدائم. هي حب طفولته، ومحور كتابته خلال ثلاثة عقود مضت. ولأن ولعه بها لامحدود، أولى تاريخها اهتماماً خاصاً بموازاة اهتمامه بالحياة اليومية المصرية، من دون أن يتوقف عن محاولة اكتشافها والتقرّب منها. إنَّه الصحافي والروائي الفرنسي روبير سوليه، ذو الأصول المصرية، الذي رحل عن مصر في ستينات القرن الماضي إلى فرنسا، ليستكمل دراسته ثم عمل في جريدة «لوموند»، وتنقل كمراسل لها بين الولايات المتحدة وإيطاليا، حتى ترأس ملحقها الأدبي. لا يخفي سوليه فخره بأصوله وانتمائه الأول إلى مصر، وهو لا يدعي ازدواج الثقافة لكنه يقرّ بكونه مزدوج الانتماء. لقد عاش سنوات طفولته في مصر، فسكنته وجدانياً قبل أن تغدو حاضرة دائماً في أعماله الإبداعية مثــل «الطربوش» و«المملوكة» و«فنارات الإسكندرية»‏ التي تعد ثلاثية تحكي عن المجتمع المصري، إضافة إلى «ولع فرنسي» و«علماء بونابرت في مصر» و«الحجرة الوردية» و«رحلة المسلة المصرية إلى باريس» و«سفر إلى مصر» و«السادات»، و«قاموس عاشق لمصر» و«مــزاج»، و«فــندق مهرجان» و«سقوط الفرعون» عن ثورة كانون الثاني (يناير) 2011.

ومع أنّه يعيش في باريس منذ عقود، لا تنقطع زيارات سوليه إلى مصر، وآخرها كانت قبل أيام بدعوة من مكتبة الإسكندرية للمشاركة في تدشين «مجلس الطهطاوي»، كضيف شرف ومتحدث رئيس في المؤتمر. ويستضيف المجلس لقاءات فكرية ربع سنوية، ويشارك فيها مثقفون ومفكرون وأكاديميون مصريون وأجانب، حول أهم المؤلفات التي تتمازج فيها الحضارتان العربية والغربية. واحتلّ كتاب الطهطاوي «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» مساحة واسعة من النقاش، بحيث تضمّن وصفاً تفصيلياً للمجتمع الفرنسي وقتذاك في جوانب شتى إبّان وجوده في باريس (1826-1831)، كإمام أزهريّ مرافق لبعثة دراسية مصرية.

في هذه المناسبة، التقت «الحياة» روبير سوليه وكان هذا الحوار حول علاقته الأثيرة بمصر، وتأثيرها في أعماله.

> كيف ترى أهمية المبادرات الثقافية التي تُقرّب بين الثقافات المتنوعة مثل «مجلس الطهطاوي» الذي جمع بين الثقافتين المصرية والفرنسية؟

– سعدتُ جدا بإطلاق هذا المجلس في المكتبة، بخاصة أنني أحمل قدراً من الإعجاب والتقدير لشخصية الطهطاوي. وأنا اخترته من ضمن شخصيات كتابي الجديد الذي يضمّ عشرين شخصية تنتمي إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، لتروي قصة تاريخ مصر الحديثة. ويستمدّ «مجلس الطهطاوي» أهميته من كونه نشأ في رحاب مكتبة الإسكندرية، وهي ليست مجرَّد مكتبة بل أهم من ذلك بكثير، لكونها تُمثّل إحياء للمكتبة القديمة، ونقطة تلاقي الثقافات في العالم، وهذا ما يجسده رفاعة الطهطاوي في شخصه وأثره.

> ما المشروع الذي تعمل عليه حالياً؟ وهل تتناول فيه مصر أيضاً؟

– أعمل على كتابين في آن، وكلاهما عن مصر. الأول رواية، لكنني أفضل عدم الحديث عن العمل الثاني لكونه مازال في طور التكوين، وإن كان يرتبط بالتاريخ المصري.

> هل تفكّر في كتابة مذكراتك لكونك اختبرت حياةً غنية وعشت تجربة الانتماء إلى بلدين مختلفين تماماً؟

– بلا شك؛ لعلّي أكتبها يوماً ما، ولكن ليس الآن. قد أعيش 120 سنة! وأشعر أحياناً بأنني أكتب أجزاءً من سيرتي الذاتية في رواياتي أو في مقالاتي ومقابلاتي. لذا لا أجد أنّ الفكرة بعيدة عني تماماً.

> شكّلت مصر محوراً رئيساً في مجمل رواياتك وكتبك… ما سبب إصرارك على استحضارها أدبياً؟

– ولدت في القاهرة، وأمضيتُ فيها طفولتي حتى سن السابعة عشرة، ثم استقريت في فرنسا وبعد عشرين عاماً اكتشفتُ مصر مجدداً، ومنذ تلك اللحظة لم أستطع الانفصال عنها، وصارت هي موضوع كتاباتي ومؤلفاتي، سواء في الإطار الروائي أو المقالات أو الكتابات التاريخية، وذلك بالتوازي مع مهنتي كصحافي في جريدة «لوموند» التي أعمل فيها منذ أربعين عاماً، إذ أرى أن الماضي دائماً أجمل وهناك ميل إلى تجميله ونسيان مساوئه.

> كثيرون خرجوا من مصر وتركوها خلفهم، لكنك بقيت مرتبطاً بها إنسانياً ووجدانياً. ما سرّ هذه العلاقة المتينة بينك وبين مصر؟

– أمضيتُ في مصر طفولة سعيدة جداً، لكنني نسيتها عشرين عاماً تقريباً، إذ كان المنفى مثيراً لألمي دائماً، ولذلك قررتُ أن أطوي تلك الصفحة وأنسى تماماً ذلك البلد الذي قضيت فيه طفولتي، لكنّ الماضي لحق بي من دون أن أقصد ذلك، وشعرتُ برغبة في أن أحكي قصص عائلات مثل عائلتي، تلك التي أتت من الشام إلى مصر، فتمصّرت، ولكن بينها مَن ترك مصر لاحقاً، ومن ثم حرصت على فهم كل ذلك وتوضيحه عبر رواية «الطربوش» التي حققت نجاحاً باهراً، إذ وجد كثيرون أنفسهم في تلك الرواية، وبينهم مسلمون ومسيحيون ويهود؛ ما كان له أبلغ الأثر في نفسي، لذلك بذلتُ جهداً جباراً كي أنتهي من الروايتين التاليتين، ليصبح عندي ثلاثية روائية تتحدث عن العائلة نفسها وماضيها. هذه العائلة ليست عائلتي، ولكن كان يمكن أن تكون. ومن خلال مواصلتي الكتابة عن مصر وجدتُني أكتب دراسات خاصة عنها وليس روايات فقط، ومنذ ثلاثين عاماً وأنا أعكف على دراستها من الزوايا كافة وفي مختلف مراحل تاريخها، وإن ركزتُ على القرنين التاسع عشر والعشرين، إضافة إلى حقب تاريخية أخرى، حتى أنني عدتُ إلى الماضي السحيق وكتبتُ عن مومياء رمسيس الثاني.

> هل يمكن أن تندرج أعمالك في نطاق الكتابة التاريخية؟

– كثير منها يدخل في طور الكتابة أو الدراسات التاريخية وبينها كتاب «قاموس عاشق لمصر»، كما تُرجمَت معظم كتاباتي إلى العربية.

> هل وددتَ عبر أعمالك استحضار صورة مصر التي تفتقدها وترغب في عودتها كدولة متعددة الثقافات، أم هو مجرد حنين عابر؟

– في كل كتاباتي، ثمة حنين إلى الماضي ولكن من دون أي مرارة. ولدت في دولة تعدادها 18 مليون نسمة وقتذاك، أما الآن فيبلغ تعدادها 104 ملايين نسمة. تغيّرت أمورها كثيراً. أنا أولي اهتمامي بأوضاع مصر الآن لاسيما ارتفاع الأسعار. وحتى لو كنت أستشعر الحنين إلى الماضي، لكني أتقبل هذا التغيير الذي طرأ عليها، وإن افتقدت مصر التي كانت أصغر وأكثر هدوءاً وتنوعاً، بخاصة مدينة مثل الإسكندرية التي كانت تحتضن ثقافات شديدة التنوع والثراء، لكنها لم تعد كذلك، ونشرتُ عن ذلك كتاب «الإسكندرية المصرية».

> وصفتَ فرنسا بالمنفى… لماذا؟ ولمن تحمّل مسؤولية ذلك؟

– ثمة أحداث كثيرة وقعت خلال الخمسينات من القرن الماضي، ومنها ثورة 1952 وحدث حزين آخر هو التدخل العسكري والعدوان الثلاثي على مصر واعتبره تراجيدياً. أحداث كثيرة حطّمت أشياء عدة؛ بينها مصر متعددة الثقافات والأجناس، ثم جرى تهميش بعض أهلها خلال تلك الفترة.

> كانت الثقافة الفرنسية هي السائدة ولغة النخبة المتعلمة منذ عهد محمد علي، ولكن خلال السنوات الأخيرة تراجعت الفرانكوفونية في مصر، وحلّت محلها الإنكليزية… برأيك ما أسباب ذلك؟

– هذا سؤال مهم، فمصر دولة عربية احتلها الإنكليز لأكثر من سبعين عاماً، ومع ذلك ظلت الثقافة الفرنسية قائمة في مصر لأسباب عدة، ومنها أن مؤسس علم المصريات هو الفرنسي شامبليون، وكذلك مهندس حفر قناة السويس، كما حرص الفرنسيون طيلة القرن التاسع عشر على بناء مدارس تدرّس اللغة الفرنسية، ولم تكن للأقليات بل ظلت مفتوحة للجميع من دون النظر إلى الدين أو الجنسية. وثمة سبب رابع؛ وهو أن كثيراً من القوميين والوطنيين المصريين الذين حاربوا الإنكليز؛ وبينهم سعد زغلول ومصطفى كامل، توجهوا صوب الدولة المنافسة لها وهي فرنسا.

> في كتابك الأخير «هؤلاء أسّسوا مصر الحديثة»؛ انتقيت عشرين شخصية للحديث عنها، على أي أساس جاء اختيارها؟

– كل واحد من هذه الشخضيات ترك بصمته في بناء مصر، سواء بالسلب أو الإيجاب وفي مجالات سياسية وثقافة وغيرها، فكان هذا الكتاب بمثابة وسيلة كي أحكي قصة مصر الحديثة.

> كيف يمكن ان تستعيد مصر تعدديتها الثقافية؟

– بكلمات قليلة يمكن التعبير عن ذلك. مصر دولة عظيمة وكبيرة جداً حين تنفتح على العالم، ولكنها حين تنطوي على نفسها تظل صغيرة.

اضف رد