اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / روبرتس. ديلاكروا وماتيس… رحلات البحث عن “إكزوتيك” الشرق

روبرتس. ديلاكروا وماتيس… رحلات البحث عن “إكزوتيك” الشرق

محمد شرف|الأحد16/01/2022
Almodon.com

  • دافيد روبرتس – بعلبك.



  • “نساء الجزائر” ديلاكروا


  • ماتيس في ساحة طنحة

لا شك بأن الحديث عن المؤثرات والإنطباعات والعوامل التي تدفع التشكيليين إلى صوغ أعمال معينة، وفي ظروف محددة، كانوا عملوا على اختيارها طوعاً من خلال الإنتقال من بلادهم إلى بلاد أخرى، هو أحد الموضوعات التي شغلت العالم الفنّي، منذ أن بدأ التحليل النقدي يسلك طريقه في عالم التشكيل. ينبغي القول إن هذه المسألة تصبح ضرورية، أو مطلوبة، حين يتعلّق الأمر بالفن التمثيلي – التشخيصي أكثر من سواه، لكونه الأكثر قابلية لعكس الإنطباعات المذكورة، ولكون عالم التجريد يختلف من حيث ظروفه ومتطلّباته.

ظاهرة رحلات الفنانين الاوروبيين بحثا عن الاكزوتيك، بدأت في القرن الثامن عشر ومستمرة حتى أيامنا، إذ يقوم بعض الفنانين برحلات قصيرة، أو ممتدة لوقت طويل، إلى بلدان لم تكن قد سلكت بعد دروب التطور في أبعادها المختلفة (رحلة غوغان إلى هاييتي، على سبيل المثل، امتدت لسنوات طويلة، وانتهت بموته في المستعمرة الفرنسية، جرّاء إلتهاب في ساقه وإصابته بمرض السفلس). وإذ سئم بعض هؤلاء، ربما، أحوال بلادهم المنتظمة، وتسرّب الملل إلى نفوسهم تبعاً لرتابة الأمور، وقلّة المحفّزات أو تشابهها، فقد بحثوا عن ما هو “إكزوتيك”، لما قد يقدّمه لهم من موتيفات جديدة. وجد البعض ضالتهم في بلدان مشمسة وملوّنة، وفي أنماط حياة سكان تلك البلاد البسيطة، كما في أسواقها الملأى بالصراخ والضجيج، وأحاديث الباعة والمتسوّقين التي تشقّ عنان الفضاء. كان أعجب غيرهم من قبلهم، وربما بالتوازي معهم فيما يختص بالحقبة الزمنية، بآثارنا وأطلالنا العائدة إلى إمبراطوريات بائدة، والمتروك بعضها، بحسب وضع البلد وإهتمامات المسؤولين، للشمس والريح والحراذين المتنقّلة على الصخور صيفاً، رافعة رؤوسها نحو سماء لا يفارقها الأزرق إلاّ لماماً.

دافيد روبرتس يصل إلى بعلبك


تلك كانت حال دافيد روبرتس، الفنّان الإنكليزي المولود عام 1796، الذي عُرف بمائياته التي مثّلت أنماط الحياة في منطقة الشرق الأوسط، على خلفية قرى وسهول وأطلال تاريخية. هذا، وقد بلغ عدد الرسوم والمائيات التي صنعها خلال تنقلاته أكثر من 248 عملاً، إذ كان الرجل من هواة الرحلات الطويلة من حيث امتدادها الزمني. ترك لندن في العام 1838 ليجتاز فرنسا، وصولاً إلى مرسيليا التي سيبحر منها إلى الإسكندرية، مروراً بمالطا. استأجر مركباً كي يبحر في النيل مع أفراد فريقه، المؤلّف من دزينة من الرجال، قاصداً أقصى جنوب مصر، وتحديداً معبد أبو سمبل. نفذ هناك مجموعة كبيرة من الرسوم، متقصّداً أن يضمّنها قامات بشريّة كي يبيّن عظمة البناء وضخامته، عبر المقارنة والنسبة بين القامة الإنسانية ومقاسات المعبد. سجّل روبرتس، إثر ذلك، ملاحظة في دفتر رحلاته مفادها: “نحن شعب من الأقزام يزور أمة من العمالقة”.


بعد زيارته لمعابد فرعونية أخرى، عاد الفنّان إلى القاهرة محمّلاً مجموعة من الرسوم يزيد عددها عن المئة. وتوجّه بعدها إلى فلسطين في شباط عام 1838، مع رفيقين له، ومن ثم إلى بعلبك. الرسوم المتعلّقة بزيارة بعلبك تمزج ما بين الطابع الغرافيكي، وإستعمال الألوان المائية في شكل مواز. لكن من الواضح أنه عمد خلال تواجده في المدينة، التي كانت قرية صغيرة حينذاك، إلى وضع مجموعة من السكيتشات، كي يعمد إلى رسم اللوحات النهائية لدى عودته إلى إنكلترا. إضافة إلى ذلك لم يلتزم روبرتس بالمشهد كما هو في الواقع، بل اختصر محيط الموضوع الأساسي، أو زاد عليه أجزاء من الطبيعة، وبعض السكان المحليين. هذا، مع العلم أن هؤلاء السكّان، هم أيضاً، لا يعبّرون في شكل دقيق، من حيث الملبس على الأقل، عن الشخصيّات الشعبية من سكّان المنطقة. بعد عودته إلى بلده إثر رحلته الطويلة الممتدّة لأكثر من عام، عرض أعماله الأصلية التي لقيت نجاحاً كبيراً، ليُنتخب بعدها عضواً في الأكاديمية الملكية، وذلك في شباط من العام 1841.

رسوم روبرتس، المتعلّقة ببعلبك، هي ذات قيمة توثيقية من دون شك، إذ لم يكن التصوير الفوتوغرافي وارداً في تلك الفترة. وربما كان الرسم الذي يمثل مدخل معبد باخوس هو الأكثر قيمة، إذ يبيّن حالته في تلك الأيام. وقد خضع هذا المعبد لعملية ترميم في بداية القرن العشرين، ليبدو على هيئته التي نراها اليوم، وذلك بعد دراسات قامت بها البعثة الألمانية، وجرى إنقاذ العتبة العليا للمدخل، التي كانت على وشك الإنهيار، كما بدا في رسم روبرتس.


ديلاكروا في المغرب


رافق الفنّان الفرنسي أوجين ديلاكروا (1798- 1863)، عام 1831، ولفترة سبعة أشهر، بعثة دبلوماسية كان لويس فيليب، آخر ملوك فرنسا، قد كلّف شارل إدغار، كونت منطقة مورناي، بحمل رسالة سلام إلى سلطان المغرب مولاي عبد الرحمن (1778 – 1859)، كي يطمئن الرسول السلطان، في الوقت نفسه، حيال مسألة سيطرة فرنسا على الجزائر.

هذه الرحلة تركت أثراً عميقاً لدى الفنّان. اكتشف ديلاكروا الأندلس الإسبانية وشمال أفريقيا، زار الجزائر والمغرب، وإطّلع على المشهد الطبيعي هناك، كما الهندسة المعمارية وسكان البلاد، أكان هؤلاء من العرب المسلمين أم من اليهود، كما إطّلع على عاداتهم وأنماط عيشهم وأزيائهم. قام الفنّان بتنفيذ مجموعة كبيرة من الرسوم السريعة والمائيات، التي كوّنت أول دفتر رحلات لديه، حيث دوّن، أيضاً، ما رآه وما استكشفه. هذه الرحلة كانت ذات أهمية كبرى بالنسبة له، إذ ساهمت في تطوير تقنياته وأذواقه الجمالية. تجمّعت لدى الفنّان سبعة دفاتر تألفت منها “صحيفة السفر” الخاصة بالرحلة، علماً أن أربعة منها فقط تم حفظها، وإختفت الثلاثة الباقية.

إثر ذلك، عاد ديلاكروا مراراً إلى الثيمة المغربية، ليصنع ما يقرب من ثمانين عملاً مستوحاة منها، ذات طابع “شرقي”. من أشهر هذه الأعمال “نساء جزائريات في بيتهن” (1834) و”خطبة يهودية في المغرب” (1841) و”سلطان المغرب” (1845)، وسواها.

لا شك في أن لوحة “نساء جزائريات” شكّلت ظاهرة في تاريخ “فن الإستشراق”. تقول الكاتبة الجزائرية مريام كندسي، فيما يختص بهذا العمل: “إنها قصة لوحة شوهدت ألف مرة، ونُظر إليها مئات المرات، ولم أشك مرة واحدة في القصة كما رويت في العديد من مدارس الفنون: ديلاكروا هو أب المستشرقين. هذا التيار الفنّي الذي ترافق مع تضخيم الفتوحات الاستعمارية وتفخيمها. لكن مقارباته، أي التيّار، لموضوع الإستشراق مليئة بالثقوب والحفر والأخاديد”.

وقال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: إن ديلاكروا قام، ومن دون علم منه، بخلق التيار الاستشراقي “هذا الدعم الأيديولوجي للطموحات الاستعمارية”. بالرغم من ذلك، فإن لوحة أوجين ديلاكروا تمثل خط صدع في الصور الاستعمارية. نظرات النساء في العمل غائبة، وتلك الخزانة التي تمثل جزءاً من الديكور مفتوحة، مظلمة ومفرّغة وحتى منهوبة. لقد تمتع ديلاكروا بحدس قوي، تنبأ على أساسه بما سيدمره الاستعمار. وسوف يستحضر إدوارد سعيد تفسيرين محتملين أو متلازمين: النساء الخاضعات للسلطة الأبوية وكذلك للسلطة الاستعمارية. أولئك النساء المنعزلات: هل هي صورة دولة منتهكة، أو انحياز للغرب حيث تكون النساء أكثر حرية؟ إن ديلاكروا يرسم المشهد في حريم – رمز النظرة الغربية إلى مسألة الجندر، مع وجوه غير متمايزة تخبرنا بمدى صعوبة الغرب في فهم تنوع الشرق وتاريخه.

ماتيس يلوّن طنجة




من جهته، أمضى هنري ماتيس فصل الشتاء لسنتين متتاليتين في مدينة طنجة المغربية. بين عامي 1912 و 1913، حين كان الفنان يبلغ 43 عاماً من العمر، وكانت شهيته للتصوير التشكيلي في أوجها.

كان من شأن الفصل الشتوي أن يطفئ الألوان، في حين يشكّل الضوء حاجة ملحّة للفنّان من أجل العمل في ظروف ملائمة. ويبدو أن الطقس عاكس ماتيس حينها، إذ استقبلته أمطار غزيرة خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من إقامته في طنجة، لكنه قال: “اللون يحدث في الخارج – إنه إكتشاف الضوء في الطبيعة”.

يقول غوستاف مورو، الذي كان أستاذ ماتيس في معهد الفنون الجميلة: “لقد عمل ماتيس على “تبسيط الرسم”. ويمكننا التحقق من صحة توقع مورو بعد معاينة ما تركه الفنّان إثر إقامته في المغرب، التي نتج منها حوالي عشرين لوحة، وستين رسماً جاء بعضها على مسافة قريبة جدًا من التجريد. لدى وصوله إلى طنجة، استقر ماتيس في Hotel de France، في الغرفة رقم 35، وهي من الغرف المطّلة على المدينة (سوف يقوم الفنّان برسم بعض اللوحات من نافذته). وقد قال حينها: “بدأت بالعمل ولست حزينًا جدًا… الضوء شديد النعومة، إنه شيء آخر مختلف عن الضفاف الأخرى للمتوسط”، وذلك في أول آذار عام 1912.

مع عودة الطقس الجيّد، إنطلق الفنّان من أجل إستكشاف المدينة. تنقّل بين ساحاتها، وفي أسواقها وأحيائها، وتوقّف أمام جامع أو مقهى، أو حديقة، كي يرسم ما يراه. استغلّ الأوقات التي كانت إنبعاثات الضوء خلالها متوازنة، لكون العلاقة الوثيقة بين الضوء والألوان تكتسب أهمية أساسية بالنسبة له، أكثر من حقيقة اللون الضمنية. الأبيض الذي يميّز مبنى ما صار لديه أزرق في ظل الأشكال المخروطية، وأخضر الزخارف الأقنثية أصبح عنده أكثر قوّة من لونه الطبيعي. انكبّ بعد ذلك على رسم القامات البشرية، بدءاً برسم موديله المفضّل Zohra التي كان مهجوساً بها. وقد رسم في شكل أساسي عملاً ثلاثياً triptyque لحساب موروزوف وبطلب منه (إيفان موروزوف هو، إلى جانب سرغي شتشوكين، أحد أشهر مقتني الأعمال الفنيّة الروس، وقد انتقلت مجموعاتهما إلى متحف الإرميتاج في سان بطرسبورغ ومتحف بوشكين في موسكو بعد الثورة البلشفية).

إلى ذلك، رسم الفنان مشهداً للمدينة من نافذة الفندق، ينطبق عليه ما كان قاله مورو، من حيث أن العمل لا يولي أهمية للتفاصيل، بل جاء عبارة عن جملة من العلاقات اللونية التي يطغى عليها الأزرق، في حين جاءت التفاصيل المعمارية شكلية، مما يجعل العمل أقرب إلى الفن اللاشكلي. هذا الأزرق، وذاك المدخل التشكيلي الأقرب إلى التجريد، يمكن رصدهما، أيضاً، في لوحاته الأخرى. لقد كان ماتيس يبحث عن السرعة في تنفيذ ما يريد، وفي كل الأحوال، كان يقول إن رحلته إلى الغرب ساعدته على إعادة التواصل مع الطبيعة، والسير قدماً في طريق تبسيط الأشكال.