الرئيسية / home slide / روايات ثلاث تفجّر الحرب ورابعة تخدّر اللبنانيين!

روايات ثلاث تفجّر الحرب ورابعة تخدّر اللبنانيين!

لا يعرف اللبنانيون أي “خبرية معلوماتية” تصلهم على وسائل التواصل الاجتماعي وعبرها عن “التفجير الهيروشيماوي” الذي دمّر مرفأ بيروت، وأصاب أبنيةً يسكنها ويمتلكها لبنانيون من “كل الملل والنحل” المتصارعة في البلاد وعليها والحاصلة على دعم الجهات الاقليمية المتقاتلة بواسطتها وأحياناً مباشرة، وذلك من أجل الانفراد في السيطرة على الشرق الأوسط. ولا يعرفون الحد الذي ستبلغه الدولة الأعظم عسكرياً في العالم ومعها الدول الكبرى في الغرب كما في الشرق في صراع مصالحها بواسطة شعوب هذه المنطقة ومناطق أخرى. ذلك أنها مثل نظيرتها الاقليمية لا تحلّل ولا تحرّم في هذا المجال. علماً أن التاريخ وتجاربه يفترض أن تعلّمها أن عظمتها وسطوتها ليستا أبديتين ومعهما الظلم والامعان في ضرب حقوق البشر. كما يفترض أن تذكرهما أن لا نصر دائماً في هذا العالم، وأن الكبير سيواجهه يوماً ما الأكبر منه والأقوى. لهذا السبب فإن اللبنانيين يشعرون بالحيرة لأن التناقض بين “الخبريات” وأهمها ثلاث كبيرٌ جداً، ولأنها تعزّز الانقسامات الحادة بين شعوبهم وتجعل قادتها “الأشاوس” وحلفاءهم “الأشاوس” من الكبار في المنطقة وفي العالم يتمسّكون بمواقفهم وإن أدى ذلك الى معارك وحروب من أنواع عدّة.

أبرز الخبريات ثلاث. الأولى سمعها اللبنانيون ورأوها بـ”فيديو” باللغة الانكليزية وهي تؤكد أن صاروخاً من طائرة “أباتشي” استهدف المستودع عندما كان دخان الحريق الذي اندلع فيه يتصاعد منه بكثافة ففجّر الـ2750 طناً من المادة المخزّنة فيه وتسبّب بمجزرة يمكن تسميتها وطنية. والثانية سمعوها بلسان عربي وتحديداً عراقي أكد صاحبه أن مقاوماً فلسطينياً فرّ الى اسرائيل من مدة قريبة وزوّدها معلومات تفيد أن المستودع مليء بمواد متفجّرة وذخائر نقلتها إليه سفينة إيرانية. والثالثة محلية أي لبنانية رسمية صار يعرفها اللبنانيون كلهم ومختصرها أن سفينة أجنبية ضُبطت قبل نحو ست سنوات وخُزّنت حمولتها الضخمة القابلة للتفجير في أحد مستودعات مرفأ بيروت، وبقيت قضيتها مستعصية على الحل بين أصحاب الحمولة وادارات الدولة بما فيها القضاء فطواها النسيان وتجاهل الجميع خطورة انفجارها على البشر والحجر معاً. هذه “الخبريات” الثلاث خطيرة جداً إذ أن اتهام إيران وذراعها العسكرية في المنطقة أي “حزب الله” سيدفع المعادين لهما في الداخل اللبناني وهم غالبية “شعوب” ثلاثة من أصل أربعة الى تصعيد المطالبة بوقف نشاطهما في الداخل وإعادة قرار السلم والحرب الى الدولة ومعه سلاحهما الكبير كماً ونوعاً. واتهام اسرائيل بتفجير المرفأ ولبنان سيدفع “الحزب” وراعيته إيران وشعبه في لبنان الى التشدّد، وربما الى الرد عليها كما سيدفع أعداؤهما الى تصعيد تحركهم المعادي لهما في الداخل كما في المحافل الاقليمية والدولية. ولا بد أن يتسبّب ذلك إما بحرب أهلية وإما بحرب عسكرية يشنّها الحزب للإمساك نهائياً بلبنان ونتائجها ستكون مدمّرة إذ تفتح باب عدم الاستقرار على مصراعيه وعلى كل الصعد. أما تصديق خبرية الدولة، علماً أن فيها شيئاً من الصحة فيعني تكريس فشل الدولة وانقسامها وعدم الاستقرار الأمني – الاقتصادي – الاجتماعي – النقدي فيها ووقوعها في “الفوضى الحمراء”. ويمهّد في الوقت نفسه الى حرب بعد مدة أهلية وإقليمية ذات أبعاد دولية.

في هذا المجال لا بد من الإشارة الى “خبرية” عربية اللسان في وسيلة إعلامية تؤكد أن رئيس فرنسا ماكرون قدم الى لبنان حاملاً “انذاراً” الى الدولة الفاشلة فيه يطالبها بما لم تفعله في السابق على كل الصعد، ويهدّدها بتدخل مجلس الأمن وحلف شمال الأطلسي وبنشر بوارج عسكرية قبالة الساحل اللبناني، كما بالقيام بعمليات في الجنوب وخارجه من أجل نزع سلاح “حزب الله”. طبعاً لم تُقنع هذه “الخبرية” كما سائر الخبريات كاتب “الموقف هذا النهار” فسأل صديقاً له في واشنطن عنها فشاركه الشك فيها قائلاً بالانكليزية “it is too good too be true” ومعناها أنها جيدة كثيراً لكي تكون صحيحة ونفى علمه بوجود شيء من هذا النوع، ثم قال: “أراقب باهتمام ماذا سيقول رئيس فرنسا ماكرون وهو في لبنان. فهو يستطيع أكثر من غيره حشد العالم الغربي وإقناعه بمساعدة لبنان. وإذا فشل فإن القليل من المساعدة لن يكون مساعدة على الاطلاق”.

لماذا هذا الكلام الآن وبعد “التفجير الهيروشيماوي”؟ للقول لـ”حزب الله” بل للثنائية الشيعية أن الاستمرار في الامساك بلبنان رغم رفض قسم كبير من اللبنانيين أو من شعوبهم سيجر البلاد الى حرب داخلية أو الى حرب مع إسرائيل. والاثنان ستكونان مدمرتين للبنان ولن يخرج الاثنان منها رابحين. وهو للقول لأعداء “الحزب” والثنائية أن حروب الداخل والخارج لن تفيدهم كما لن تفيد لبنان، وأن استمرار تشرذمهم لن يجعل لهم كلمة مسموعة شعبياً، وأن عليهم التحرّك سياسياً لتخليص البلاد من الذين جعلوا الدولة فاشلة ولاستعادة ثقة الناس الذين تعطّلهم عن الحركة المفيدة انقساماتهم الطائفية والمذهبية، والذين يوحدهم في وقت واحد الفقر والجوع والفاقة وانعدام الأمن والفساد وغياب الخدمات والحوكمة الرشيدة. ولن يتم ذلك إلا بصيغة جديدة للدولة بحيث يصبح المواطن عمادها لا المكونات الطائفية والمذهبية، وبحيث يصبح ولاؤه لها ولاءاً لا شريك لها فيه. ولا بأس في مقولة الدولة المدنية مع احترام الأديان والمذاهب، وفي الوقت نفسه مع اعتماد مقولة: ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لكن ذلك لن يتحقق من غير التزام دولي ثم إقليمي حقيقي يمنع انتحار لبنان أو نحره لأنه وشعوبه لم يعودوا قادرين على انتظار نظام إقليمي جديد لا بد أن يرى النور وإن بعد أعوام. إذ أن شيئاً منهم لن يبقى في حال كهذه. و”التفجير الهيروشيماوي” ربما يفتح الباب أمام التزام كهذا بانشاء لجنة تحقيق دولية لمعرفة أسبابه وأدوار اللبنانيين فيه والمتدخلون فيه مباشرة وبالواسطة من جهات إقليمية ودولية. طبعاً للشعوب اللبنانية تجربة غير ناجحة مع التحقيقات الدولية وأهمها على الاطلاق التي تولت التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري الأب. إذ استمر سنوات قليلة ثم تأسّست محكمة انطلاقاً من تقرير قامت “محكمة خاصة بلبنان” لدرس القضية انطلاقاً منه “التحقيق” ولإصدار حكمها قريباً لكن اللبنانيين انتظروا سنوات ولم يصدر رغم الوعد بإصداره خلال فترة قصيرة. والمضحك المبكي هنا أن عملها الطويل اقتصر على أعضاء في “حزب” وليس عليه، وأن الدول التي تمتلك فعلاً بتقدمها العلمي الهائل في الأجواء والسماوات كما على الأرض لم تكلّف نفسها تزويد “المحكمة” بما عندها من معلومات. ولذلك فقد يضاعف الحكم الذي سيصدر مع العجز عن تطبيقه الأحقاد في الداخل اللبناني ويعزّز الصراع السياسي والأمني وأخيراً الحربي بين شعوبه.

لهذا السبب على قادة الشعوب اللبنانية المبادرة الى اقتراح حلول سياسية من شأنها وقف الانزلاق الى حرب قاضية هذه المرة، وتمكين اللبنانيين أو من سيبقى منهم في بلادهم من انتظار الحلول الكبرى في المنطقة بعد سنوات. وقد سار الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط على هذه الطريق أمس وكثيرون اليوم يتمنون انضمام آخرين إليه من دون “حسابات دكّانية” كالعادة ذلك أنه ورغم موقعه المهم في الطبقة السياسية التي يهاجمها الناس ويحمّلونها مسؤولية ما حصل وقد يحصل، يبقى رجل الحكمة والموقف في “وقت الشدّة” وقد أثبت ذلك أكثر من مرة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb