رفعت طربيه يفتح ستارة مسرحه: حكايات عن الذات والفن والوطن

باريس ـ خالد بريش
القدس العربي
12102019

كثيرا ما يغرق المبدعون الذين يقدمون للقراء سيرهم الذاتية في الشخصانية، فيتمحور حديثهم حول ذواتهم فقط، ويدخلون في متاهات (الأنا)، التي تتحول إلى مدار فلكي يدور من حوله الكون بكواكبه. وقلة قليلة استطاعوا الخروج من هذا المأزق، فوضعوا بين أيدي القراء سيرة ذاتية، شكلت تأريخا لمرحلة سياسية، واجتماعية وثقافية. وكذلك لكل من قاسموهم نسمات الهواء، وحُلو اللحظات أو مُرها، أو بعض من عرفوهم من بعيد. في هذا السياق يأتي كتاب المسرحي اللبناني رفعت طربية «رفعت الستارة»، الصادر مؤخرا في بيروت ــ دار صادر للطباعة والنشر ــ رافعا الستارة عن مسرح سجل حياته وحياة الوطن. فيحدثنا عن أحلك ظروفه، وعبثيات أبنائه وميليشياته، عندما كان كل شيء فيه مُنْقسم ومُقَسَّم، أو بالأحرى يتم تقاسُمُه، إلا شيئا واحدا وهو المسرح الذي يدخله أصحاب الدنس والطوباويون، وقد اتخذ موقفا حياديا خارج إطار الحرب، والقتل على الهوية، ورفع شعارات الطائفية التي انتعش سوقها في تلك الفترة، وهي غير بعيدة عما نراه اليوم. في تحد صارخ للجميع، عبَّر عنه الراحل ريمون جبارة بقوله: «كلنا كنا نتحدى عندما اخترنا المسرح».

يقف رفعت طربية وسط صفحاته الأربعمئة، وكأنه يقف وسط جمهوره. متقمصا دور كل الشخصيات التي مثلها يوما، مخاطبا القراء بنبرة صوت صادقة: «تعا فتش، تعا شوف… شوف العالم ع المكشوف».

التأريخ الحي

يقدم طربية كتابا يخرج عن إطار السيرة الذاتية المباشرة، حيث يعطي للقارئ فرصة للقيام بإسقاطاته على بعض الأحداث، والصفحات من حياته الشخصية، التي قد يكون نسيها. ثم ينتقل به من على خشبة المسرح بهدوء، وبشكل سردي تأريخي إلى عالم الشعر، والفنون التشكيلية، والديكور، والمسرح الغنائي ورواده في لبنان. فتتوالى الأسماء كطوفان من حول القارئ، وهو يقاوم انفعالاته كسفينة، ومعه كل ذكرياته وأفكاره. فيوسف الخال كان يردد أمام أصدقائه بحرقة عبارته الكاشفة لحجب المستقبل، الذي نعيش اليوم فصوله «انتهى الحلم العربي، نحن نعيش في العصر اليهودي!». وجلال خوري، الذي طالما ردد بصدق وألم «نحن ركاب بوسطة سائقها أهبل». طارحا السؤال الإشكالية حول المسرح ودوره: هل المسرح لخدمة أفكار وقضايا؟ أم هو مسرح للفن؟ وبعبارة أخرى، هل هو فن من أجل الفن؟

وكأنه عرض مسرحي

صيغ الكتاب بلغة مبسطة، وبأسلوب الخطاب المسرحي التصويري، المعتمد على العين، ونبرة الصوت وإيقاع العبارات المتواصل، وكأنه يلقيها أمام جمهوره. فيتفاعل معه القارئ، ويعيش ما يقرأ. حتى ليكاد يصفق له إذا ما انتهت فقرة، أو فصل، أو حادثة بعينها. وعندما يصف زيارة الجنرال ديغول للصرح البطريركي في الديمان، ولقاءه بغبطة البطريرك عريضة، فإن القارئ يعيش تلك اللحظات، ويكاد يستمع إلى الزغاريد، ويشارك الناس فرحهم وأهازيجهم.

يقف رفعت طربية وسط صفحاته الأربعمئة، وكأنه يقف وسط جمهوره. متقمصا دور كل الشخصيات التي مثلها يوما، مخاطبا القراء بنبرة صوت صادقة: «تعا فتش، تعا شوف… شوف العالم ع المكشوف».

العائلة والمسرح

قفزات ما بين العام والخاص تضفي على الكتاب بعدا آخر وجمالية. حديث عن العام، ودور مقهى الهورس شو، الذي كان بمثابة وزارة للثقافة، عندما كان في لبنان ثقافة. فكانت تُحضَّر فيه الطبخات الفنية والسياسية. وحديث آخر عن الخاص ورحِمَه عائلته «طربية»، ومكانتها الاجتماعية، ودورها ضمن الطائفة المارونية، وتراتبية أفرادها، بالإضافة إلى كثير من الذكريات. ثم حديث عن الذات المتفردة على بقية أفراد العائلة، واختياره للمسرح لكي يؤدي من خلاله الدور نفسه الذي كانت تؤديه العائلة منذ قرون. ولكن بأسلوب آخر، حتى لا تصيبه رصاصة طائشة، ويقال «الله يرحمه». وحديث عن أصدقائه، معطيا كل واحد حقه من السطور والتعابير. فيقربنا منهم، ويجعل في قلوبنا حسرة على زمن الكبار الذين بقي منهم غبار كلماتهم ورحيقها، وضجيج ينبعث من جلسات سمرهم، وموائدهم، ولعبهم الورق (الكوتشينة)، ونقاشاتهم المتوترة، والهادئة الضاحكة، وسط دوي المدافع، وأزيز الرصاص.
يتناول بشكل خاص قصة المسرح اللبناني من ألفه إلى يائه، مرورا بكل المراحل التي مرَّ بها. متوقفا عند تشكل الحركة المسرحية في لبنان الستينيات من القرن الماضي، ودورها الفعال. مُنتقلا إلى مرحلة الانكفاء والتقوقع خلال الحرب، بعدما غادر معظم المسرحيين لبنان، وأقفلت مسارحهم. والمحاولات التي تمت لتقديم جرعات ثقافية في ظل الموت، وعويل الأمهات. ذاكرا صفحات من حياة مبدعين كثر، أثروا المشهد الفني والثقافي؛ مسرحا، وسينما، وفنونا تشكيلية. فيضعهم في مكانهم الذي يستحقونه، وداخل الإطار (البرواز) حيث يجب أن يكونوا. ذلك في وطن لا يُقدر فيه إلا الساسة الذين يستعبدون المواطن.
وفي أكثر من موضع، ينقل قصة وكواليس ذلك العمل المسرحي الريادي الذي كان حديث كل الصحف، ووسائل الإعلام «مسرحية القديس شربل». التي عرضت على خشبة مسرح الستينا في روما. وكيف أن ريمون جبارة لم يكتب نصا، بل أشار إلى رأسه عندما سألوه عن ذلك مرددا: «ما يهمكن المسرحية كلها هون» مؤكدا على دورها كصاعق كهربائي في قلوب ودواخل كل من حضرها.
ووقفة مميزة عند الأب مارون عطا الله، رئيس دير مار إلياس بكل تجلياته، وتقلباته، ووجهه الأبوي، وسعة أفقه وعطائه. رجل الدين العابر للطوائف، الحامل لصليب الوطن، والحلم الإنساني، ولهموم الثقافة. الخارج من رحم جمهورية أفلاطون، ومدينة الفارابي، ودرب الآلام. الممازح للجميع، والصديق للصغار قبل الكبار. العامل بلا هوادة، وفي كل الاتجاهات. واضعا الإنسان والوطن والمستقبل أمام ناظريه.
بالإضافة إلى ما سبق فإن الكتاب عربون وفاء لأصدقاء غادرونا، وكان لهم دورهم في مواجهة التصحر الطائفي الفج. وخير ما يوصف به مقولة الراحل منصور الرحباني عن المسرح: «عودة إلى ملعب الطفولة. إلى أشياء تحركنا، تفرحنا، تغضبنا وتقودنا إلى مناطق تدهشنا».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*