الرئيسية / أضواء على / رفعة الجادرجي… رحيل فيلسوف العمارة الذي سَجَنه صدّام

رفعة الجادرجي… رحيل فيلسوف العمارة الذي سَجَنه صدّام

المدن – ثقافة|السبت11/04/2020
Almodon.com

الجادرجي(1926 – 2020)

توفي المعمار والتشكيلي العراقي رفعة الجادرجي، في العاصمة البريطانية لندن، عن عمر ناهز 94 عاماً وتاريخ حافل بالأعمال المعمارية البارزة في العراق وعدد من البلدان العربية. يوصف بفيلسوف العمارة وهو من كبار المعماريين والتشكيليين العراقيين، مثل محمد مكية وزها حديد. وهو ابن السياسي والوزير المعروف إبان الحكم الملكي، كامل الجادرجي، ويعد أيضا مؤسس الحزب الوطني الديموقراطي العام 1946 بالمشاركة مع الاقتصادي العراقي محمد حديد والد زها حديد.ونعى الرئيس العراقي برهم صالح، الجادرجي، بقوله “يفقد فن العمارة في العراق والعالم رئته الحديثة التي تنفست حداثةً وجمالاً، لقد مارس الجادرجي العمارة بوصفها وظيفة إنسانية وجمالية، ووهبها كل حياته، عاملاً ومنظّراً، تاركاً الكثير لإرث هذه البلاد علماً ومبانيَ، لروحه الرحمة ولأسرته ومحبيه الصبر”. ونعته بعثة العراق في الأمم المتحدة قائلة “رحل تاركاً إرثاً فنياً سيبقى شاهداً على ذوقه وإبداعه”.

ورفعة الجادرجي هو المصمم للقاعدة التي علق عليها الفنان جواد سليم نصب الحرية في ساحة التحرير وسط بغداد، وفي كتاب الروائية العراقية أنعام كجه جي: “لورنا: سنواتها مع جواد سليم”، نقرأ أن جواد سليم لم يكن “يريد النصب مرتفعاً ومعلقاً بعيداً من المارة. أراده قائماً على الأرض، في متناول الناس، بحيث يستطيعون الاقتراب منه وتفحصه عن كثب وتلمس منحوتاته بالأيدي”. لكن مصمم النصب رفعة الجادرجي “خشي … في حالة وضع النصب بمستوى الشارع أن يتسلقه الصبية ويهدروا هيبته، أو أن يكتب المارة أسماءهم فوقه. لكن هذه الفكرة لم تزعج جواداً، إذ كان يرى أن كل نصب يكتسب مزيداً من الجمال عندما يترك الناس بصماتهم عليه، مثل الآثار العالمية المزينة بأسماء آلاف السياح والتواريخ المحفورة عليها، دون أن يفسد ذلك جلالها أو قيمتها الفنية. وفي محاولة أخيرة لإقناع رفعة، اقترح جواد إقامة بركة مائية أمام النصب، تمنع العابثين من الوصول إليه. وقال إن انعكاس المنحوتات على صفحة الماء سيكون مثيراً”.

وقام الجادرجي بتصميم نصب “الجندي المجهول” في ساحة الفردوس في زمن عبد الكريم قاسم. ثمّ أمر صدام حسين بهدمه العام 1982. وكان الجادرجي آنذاك يشغل منصب مستشار أمانة بغداد، فأخذ كاميرته ليوثّق الهدم، ثم صوّر نفسه بالقرب من الأنقاض مع الشخص المسؤول عن الهدم، يقول في مقابلة مع انعام كاج جي “شاهدت المراحل الأخيرة من الهدم، وصورت نفسي بالقرب من الأنقاض مع الشخص المشرف على عملية الهدم، وهو أحد موظفي الأمانة، ممن تميزوا في قدرتهم على الهدم بطريقة فنية وبأقل التكاليف”. يضيف: “لي مع الجندي المجهول علاقة أخرى، غير البناء نفسه، أي مع الأسكلة التي نصبت كقاعدة لتشييده، وقد دوّنت تفاصيل ذلك في كتابي «الاخيضر والقصر البلوري»، وجاء فيه بأنني كنت أزور الموقع يومياً، وأخذت أعجب بالاسكلة، وحينما أخذت شكلها النهائي شعرت كما لو أنني عشقتها، وكم تمنيت أن تبقى مع المبنى، لكن الاسكلة لا تؤلف أكثر من مرحلة زائلة في البناء، ومع مرور الوقت ننساها، ولهذا أقدمت على تصوير مختلف مراحل بنائها، لأنه جهد بشري فكري وبدني، وهو جهد لا يزول من الوجود فحسب، بل كذلك يزول من الذاكرة، وننسى بأنه من دون الاسكلة لما كان من الممكن تشييد البناء”.

تأثرت أعمال الجادرجي المعمارية بحركة الحداثة في العمارة، لكنهُ حاول أيضاً أن يضيف إليها نكهة عراقية إسلامية، وهو يعتبر أن العمارة الاسلامية ليست فناً بل حرفة. معظم واجهات المباني التي صممها مغلفة بالطابوق الطيني العراقي، وعليها أشكال تجريدية تشبه الشناشيل وغيرها من العناصر التقليدية. يقول الباحث المعماري خالد سطاني في كتابه “رفعة الجادرجي: معمار” تظهر المباني التي صممها الجادرجي في العديد من مدن العراق وكذلك في خارجه، بدءاً من اوائل الخمسينات –وهي بداية فترة نشاطه المعماري، وحتى انقطاعه القسري عن ممارسة عمله التصميمي في نهاية السبعينات (عندما تم ايداعه بالسجن من قبل الحكم الصدامي الديكتاتوري بدواعٍ كيدية)، تظهر تلك المباني، أن المعمار استطاع بها تجاوز سابقيه وتميز على معاصريه وبيّنت مقدرته في التأثير الحاسم على لاحقيه وتلامذته الكثيرين. عبر هذه “الثلاثية” التي تكمن في “التجاوز”، و”التمّيز” و”التأثير” التي حققها المعمار عبر انجاز تصميمي لافت، سعى الكتاب الى تبيان أهميته.

يرى الجادرجي ان منهجية العمارة تتمحور حول معايير ثلاثة:1- المعرفة الوصفية لخصائص الاشياء والظواهر.2- المعرفة المعنوية للعلاقات الاجتماعية بما يشمل العادات والتقاليد وهوية المجتمع والدين 3- المعرفة بمقاييس الاشياء والظواهر الطبيعية والاجتماعية

ويرى أن دور المعمار يتحقق بتأمين حاجات ثلاث، وهي:1- الوظيفة النفعية 2- والوظيفة الرمزية التي تؤمن هوية الفرد والجماعة 3- الوظيفة الجمالية التي تحقق متعة ادراكية وبصرية من خلال العمارة حيث يتضمن التكوين المعماري فيها قيما تنويعية مركبة تؤمن للناس المتعة والاسترخاء النفسي.
معظم واجهات المباني التي صممها مغلفة بالطابوق الطيني العراقي وعليها اشكال تجريدية تشبه الشناشيل وغيرها من العناصر التقليدية. وبحسب وصف أحد المهندسين، فقد زاوج الجادرجي “بين التراث المحلي والتحديث العالمي في المباني، فهو الذي أعاد هيكلة التراث في بلاده من المساجد الى الدور القديمة، ما اضحى مدرسة واسعة تأثر به معماريون مخضرمون وشبان عندما وضع أمامهم البدائل المعمارية للأسلوب التقني الجديد”.
ارتكز الأسلوب الهندسي لدى الجادرجي على البحث عن كل ما هو جديد ومثير، من خلال إضافة إسقاطات هندسية حديثة مستمدة من المدارس الغربية ومزجها مع أسلوب العمارة التقليدية. ويذكر الدكتور علي ثويني في مقالته “تراثية محمد مكية، وحداثة رفعة الجادرجي” بأن الجادرجي كان فناناً معمارياً حداثياً، بل وضعه في “خانة” فناني ما بعد الحداثة أيضاً، وأشار إلى تأثره برواد الحداثة في عمارة القرن العشرين، وإفادته من رؤاهم، وتجاربهم، وخبراتهم المتراكمة، وأشار بالتحديد إلى الألماني فالتر كروبيوس، والأميركي فرانك لويد رايت.

ووصل رفعة الجادرجي بالعمارة التقليدية “التحدارية”، كما يطلق عليها، إلى المستوى الشكلي التجريدي، فأصبح ينظر إليها كمنحوتة فنية لها خصائص تقليدية مجردة حسب مفهومه، لكنه لم يتعامل مع الفراغ المعماري بتلك النظرة التحدارية أو بتلك الخلفية التقليدية، فعندما نشاهد مساقطه الأفقية نجد أنها في كثير من الأحيان تكون مساقط أفقيه مستوحاة من الحداثة.

سيرة
ولد الجادرجي في بغداد 1926، وحصل على دبلوم في الهندسة المعمارية من مدرسة “هامرسميث للحرف والفنون” البريطانية. عمل منذ تخرجه في مجاله الخاص في مكتبه “الاستشاري العراقي” وعيّن رئيساً لقسم المباني في مديرية الأوقاف العامة العراقية ثم مديراً عاماً في وزارة التخطيط العراقية في أواخر الخمسينات. وكذلك عمل كرئيس لهيئة التخطيط في وزارة الإسكان.

تزوج الجادرجي بالكاتبة بلقيس شرارة، لم يفكرا في الأطفال ورفضا  الإنجاب، وقال “أنا وزوجتي قررنا ألا ننجب أطفالاً لأن البشر يخرّبون الأرض”. في اواخر السبعينيات، عاد وزوجته من رحلة الى فيينا، النمسا، حيث ألقى محاضرتين اقل مايمكن وصفها بعرض مشرف للتطور المعماري في العراق. و في اقل من 48 ساعة بعد رجوعه، تم القبض عليه وحكم عليه بالسجن المؤبد قضى منها عشرين شهراً في سجن ابو غريب. خلال الفترة التي قضاها هناك كتب ثلاثة كتب، منها “كتاب الأخيضر والقصر البلوري” . هذه الفترة العصيبة التي عاشها رفعة الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة تم نشرها بالتفصيل في كتاب “جدار بين ظلمتين” الذي صدر في العام 2008.

حصل على جائزة أغا خان للعمارة العام 1986. له العديد من المباني في العالم العربي والعراق، منها دارة كتخدا (1957) في العلوية، نصب الجندي المجهول (1959) في ساحة الفردوس (1959)، كلية الطب البيطري (1965) في ابي غريب، بغداد، دارة يعسوب رفيق (1965)، في المنصور ببغداد، مبنى التأمين (1966) في الموصل، بناية التبوغ (1967)، في باب المعظم ببغداد، مشروع مسجد لندن (1969)، لندن /المملكة المتحدة (لم ينفذ)، مصرف الرافدين (1969)، في المنصور ببغداد، مبنى الاتصالات (1971)(بالاشتراك مع هنري زفبودا)، في السنك ببغداد، دارة هديب الحاج حمود (1972) في المنصور ببغداد، بناية مجلس الوزراء (1975)، في كرادة مريم ببغداد، وغير ذلك من التصاميم المميزة، ذات الوظائف المتنوعة.

للجادرجي العديد من الكتب حول العمارة ومعظم كتاباته في التنظير المعماري، وقد حاول النظر إلى التركيبة الاجتماعية – العمرانية في العالم العربي. مثل: شارع طه وهامرسميث (1985)، صورة أب (1985)، مفاهيم وتأثيرات: نحو اقلمة العمارة الدولية (1986)(باللغة الانكليزية)..

وفي العام 2016 كتب المؤرخ أحمد بيضون في فسبكة:من طريف الاتّفاق أن أشهر المعمارين العراقيين في هذا العصر وهما رفعة الجادرجي (الذي يغازل التسعين من العمر) وزها حديد (التي رحلت أمس عن 65 سنة) هما ابنان لسياسيّين صديقين: كامل الجادرجي ومحمّد حديد اللذين أسّسا معاً الحزب الوطني الديموقراطي في أواسط الأربعينات من القرن العشرين…
ولرفعة الجادرجي (المقيم في لندن) أعمالٌ معمارية بارزة في بغداد أنجزها قبل أن يسجنه صدّام حسين ويضطرّه إلى مغادرة العراق. وله أعمالٌ في أقطارٍ عربية أخرى بينها منزله على شاطىء حالات اللبناني وله مؤلّفات متنوّعة وجائزةٌ تُمنح باسمه لطالب من طلاب العمارة في بيروت كلّ سنة…وأمّا زها حديد فلم تعمل في العراق بل استقرّت في لندن ونشرت منجزاتها في بلادٍ كثيرة أخرى. ومن أواخر أعمالها معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت.وحين يُذكر هذان المعماران البارزان يذكر معهما عراقيّ ثالث هو محمد مكّية الذي رحل السنة الماضية عن مائة سنة وسنة. وكان قد قضى الردح الأخير من حياته في لندن أيضاً وله في بيروت أيضاً عمل بارز هو جامع الإمام الصادق عند مستديرة شاتيلا”.

اضف رد