رفاق المئة

سمير عطاالله
النهار
19122018

منذ عقود تُصدر “الميدل ايست” مجلة شهرية باسم “أجنحة الأرز” على غرار جميع شركات الطيران في العالم. تحتوي “الأجنحة” دائماً على ريبورتاجات فنية أو سياحية من لبنان والعالم، ويكتب افتتاحيتها رئيس مجلس الادارة الاستاذ عبد الرحمن محمد الحوت، عن آخر اعمال الشركة. افتتاحية العدد الأخير كانت شيئاً لا يُتوقّع في أي بلد: محمد الحوت يكتب، في ذكرى مائة عام على ولادة ادمون نعيم، رجل لم يكن له أي علاقة بالطيران.

علاقته العضوية كانت بالقانون والعلم والنزاهة والضمير. ومحمد الحوت يروي، كيف ساهم ادمون نعيم، حاكم البنك المركزي، في إنقاذ “الميدل ايست” وحمايتها من الانياب الكاسرة. ولو شاء ان يتعدى نطاق منصبه، لروى كيف قام الحقوقي الكبير بحراسة البنك المركزي بنفسه. وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، أو المصرف، أو أي مصرف في العالم، اتخذ الحاكم لنفسه شقة من غرفتين ينام فيها ويتناول الطعام الذي يطهوه بنفسه. خاف نعيم على الخزنة من رجال الكاوبوي الفالتين في الاحياء والازقة، وقرر ان يحميها بصدره لأن في قلبها امانة لبنان واللبنانيين، فقراء واغنياء: الليرة.

رجل آخر كاد ينقل مسكنه الى البنك المركزي، كان سليم الحص، الذي كرَّم الاسبوع الماضي في تسميته “المركز العربي لتطوير القانون والنزاهة”. هو أيضاً قام على حراسة الذهب على رغم كل التهديدات. ولقد تعلم وعلّم في الجامعة الاميركية أن الدول الهزيلة الاقتصاد هزيلة الاستقلال أيضاً. ونَحَتَ سليم الحص حياته بيديه نصباً تذكارياً نادراً للإرادة الأخلاقية والترفع عن جميع مغريات السياسة. لا دور ولا قصور، بل شقة صغيرة في حي عائشة بكار. وترف وحيد هو الكتب، وكل ما عداها لا جديد فيه. وسكينة نفسية مثل حصن عالٍ لا يستطيع أحد الوصول إليه، في الحرب وفي السلم وفي الصراع وفي تهافت المتهافتين على الحقائب والشنط والأكياس، وظل سليم الحص صامداً كأنه في بلد غير هذا. لم يخرج لحظة عن أدبه الجمّ. ولم ينزل مرة الى حقارة الثأر. ولم يسلّم نفسه الأبية لحظة واحدة إلى الغضب أو السٍفه. ولست أريد أن ارسم للرئيس الحص صورة الأولياء أو القديسين، لكنه حاول من دون شك ان يكون ولياً في هذه الغابة السياسية الفادحة الظلام.

لم يكن تقشف سليم الحص مناسباً لأحد في جمهورية الكعك والجبنة. فقد كان يخاف القانون مخافته الله. وقد نوى منذ اللحظة الأولى، ان تكون الثروة الوحيدة التي يخرج بها هي الاسم الناصع الذي لا يتعرض حتى للظن. وكانت قضاياه الفكرية والحياتية في أعاليها أو في أبسطها، هي قضية العربي في كل مكان. ولذلك، كان حزبه من العرب النُخب والبسطاء معاً في كل مكان. حيثما ذهبتُ كان يقال لي إن الرئيس الحص هو الرمز النقيض للسمعة اللبنانية. فهو السياسي الذي لم يتوقف عند بابٍ أو عتبة أو نافذة، وكان يسير في شوارع المدن العربية ولا يتعرف إليه أحد من الفضوليين. وربما كان يشعر بالسعادة لذلك. فهو حتى في لبنان، كان يمرّ دون مواكب وزمامير واعتداء على الناس. ولطالما شاهدته في ردهة فندق يجلس وحيداً الى نفسه والى صحيفته. ولم يكن يعتبر ذلك تجاهلاً له، بل احتراماً لعزلته.

يقول الدكتور وسيم حرب، أحد رفاق الرئيس الحص وتلامذته، إنه عندما فكر في شخصية العام النموذج النزاهة، لم يستغرقه الامر ثواني قليلة. وعندما استفتى آراء الآخرين، وجد ان ردة الفعل كانت واحدة لدى الجميع. اولاً لأن أهل النزاهة قلّة في هذا البلد، وثانياً لأن الحص اجماعٌ لا اكثرية. وإذ يتخبط لبنان في هذه المستنقعات من انواع الفساد والعجز، لن يبحث المرء طويلاً. ضوء دائم في ظلام دامس دائم.

تصادف مئويات كثيرة هذه السنة. جيل الذهب من الرجال الذين يمنحون حياتهم للأرض ولا يأخذون منها شيئاً. العلم والفكر والرفعة والشجاعة. كانت أيضاً مئوية كمال جنبلاط الذي اختار في قصره ان يفرش الأرض مثل فقراء الهند وعلمائها. وهي مئوية نلسون مانديلا الذي لم يمنن مواطنيه لحظة بأغلى ما حمله إليهم: الحرية! وبعد 27 عاماً في السجن الانفرادي خرج باسماً مثل فرنسيس الاسيزي، أمير القديسين وسيد القلوب النقية. ولم يستخدم مانديلا مرة تعبير “النضال”، فهو لم يكن سوى فرد في جموع من المعذبين والشجعان الذين خاضوا أضنى أشكال النضال ضد الرجل الأبيض، الذي قرر أن يغيّر لون الأرض في القارة السمراء.

لم يكتفِ مانديلا بتحرير جنوب أفريقيا. كان هناك ما هو أعظم بكثير، الصَفح. تلك الطبقة الأكثر صعوبة في أن تبلغها النفس البشرية. صادق مانديلا سجانه الذي أصبح في ما بعد مدير متحفه. ورفض سليم الحص، وزير الداخلية ورئيس الوزراء، ان يوقع أي حكم بالاعدام. وعاش في قلب الحرب والقتال والاحقاد، ولم يصدر امراً باعتقال. طوبى لذوي الضمائر التي تمرّ بالارض مرور النسائم، لا تزعج ولا تقلق ولا تخيف ولا تقض المضاجع ولا ترمّل ولا تؤيّم ولا تزرع الحزن الدائم في القلوب.

1918 هي سنة انتهاء الحرب العظمى التي كان مقرراً لها ان تستمر نحوَ اسبوعين، بقيت أربع سنوات مريرة، ثم تولّدت في حرب عالمية ثانية لا تزال مستمرة حتى الآن، عبر مجموعة من الحروب الإقليمية التي بدأت في فلسطين، ثم كوريا، ومن ثم آسيا وافريقيا والبلقان وسواها. ووسط هذه الادغال والجماجم، ظلت التربة تُنبت ابناء صالحين. وفي زينة الاحتفال بمئوياتهم هذه السنة، بدوي بسيط يدعى زايد بن سلطان، دخل التاريخ العربي كواحد من أنبل الحكّام وأمهر الموحّدين. جاء زايد من بادية “العين” الى الحكم في أبوظبي، اواخر الستينات، وهي بعد رمال مكدّسة فوق الرمال. وبيوت مبنية من سُعف النخل. ولا مستشفى ولا مستوصف ولا من نزل للغرباء سوى فندق بسيط بناه اميل البستاني، ذلك الرائد الاسطوري الذي خرج من الجامعة الاميركية يبني فلسطين، ومن ثم في الخليج، ومن ثم تمتد امبراطوريته الى باكستان وأواسط آسيا.

عندما وصل زايد الى السلطة كان في أبو ظبي نحو 5000 نسمة. وإذا مرض أحد منهم، كان أقرب مستشفى في امارة الشارقة. ولم تكن هناك لنقله سوى سيارة واحدة من ماركة “لاند روفر”، يملكها أيضاً الشيخ الطيب. عندما توالى ظهور النفط والتوسع في الامارة، ادرك زايد ان وجه بلاده سوف يتغير مع وجوه الدنيا. وان الثروة الوطنية شركة وطنية ايضاً. وأكثر من ذلك، فإنها شركة مع الجوار ومشاركة حقيقية في الجوار العربي الأبعد. ولم يكن خطيباً مفوّهاً ولا عالماً عليماً، لكن أفقه كان اوسع من لا متناهيات الصحراء. حوّل كل اجرد الى خضرة. وزرع الورد حيث لم يكن ينبت الا شجر السَدر الصحراوي المقاوم لحرارة البراكين. وبدأ نهضته بتوزيع العلم والبيوت والسعادة في جميع مفاهيمها الاولية. ولم يوزع زايد الثروة داخل امارته فقط، بل مدّها الى جميع الامارات المجاورة، انطلاقاً من تلك القناعة البسيطة بأنك لا يمكن ان تكون سعيداً إذا ظل جارك غارقاً في البؤس.

عاش زايد في بساطة البدو وحكمة الصحراء وكرم الانهر. وعندما أسس اتحاد الامارات العربية غَسل بذلك من جميع القلوب السابقة، كل أثر الحروب وفاقة الايام الماضية. وفوجىء العالم العربي والخارجي ايضاً بذلك البدوي يمارس أكثر الأدوار السياسية تعقيداً باعلى مراتب الحكمة والثقافة. واشاع من حوله جواً نقياً من الرضى والسَماح. وكانت عروبته أغلى عنده بكثير منها عند المتشدّقين بها وتجّارها. ولذلك، ظل بعيداً من صراعاتها الصغيرة، ونأى عن الخلافات لينخرط في المصالحات ويرعاها وينصح المغامرين بشيء من هدوء النفس والطباع. وكان آخر ما عرضه على صدام حسين ان يوفّر الحرب والاحتلال على العراق، ويأتي عزيزاً مكرماً إلى أبو ظبي. وقد رفض ذلك طبعاً، مفضلاً ما آلت إليه تلك المحنة الكبرى.

تليق بهم احتفالات المئويات أولئك الذين بنوا للمئويات المقبلة صروحاً من طيبة وسماح وسلام. كان نيلسون مانديلا أكثر نصاعة من الف رجل أبيض. وكان زايد بن سلطان أكثر بناءً من جميع أهل الحَضَر والمدن. وكان كمال جنبلاط في قصره اكثر تواضعاً من فقراء البلدة. وأما المئوي الآخر ادمون نعيم فهو الرجل الذي كان يقلي البيض في مطبخ صغير وهو جالس فوق جميع احتياط الذهب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*