الرئيسية / home slide / رضا كبريت المسرحي الذي احتضنته هياكل بعلبك وحمل قميصه المدمى ريمون إدّه…

رضا كبريت المسرحي الذي احتضنته هياكل بعلبك وحمل قميصه المدمى ريمون إدّه…

07-02-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

الراحل رضا كبريت.

نبيل المقدّم

باكراً بدأت موهبة #رضا كبريت الذي غاب الأسبوع الماضي تنمو وتتسع. انتقلت إليه من والده، الذي كان عازفاً على آلة “القرنيطة” في فرقة الأخوين فليفل. في منطقة البسطة حيث وُلد وتربّى. انطبعت شخصية رضا بشخصية قبضايات ذلك الزمن الجميل فراح يجلس مثلهم في المقاهي، ويقلدهم في نبرة صوتهم ومشيتهم، حتى أصبح يُلقب “بفرخ القبضاي”. فكانت معاشرته للقبضايات أولى خطواته في مجال الفن الشعبي.

في صيدا حيث تعود عائلة كبريت في جذورها، كانت البداية من “الحكواتي”، نجم الحياة الشعبية في مقاهي المدينة. مشهد واظب رضا كبريت على متابعته أسبوعياً حتى أصبح جزءاً من ذاته الفنية.

ما بين صيدا وبيروت رحلة فنية حرص رضا على الامتلاء منها، قبل أن يبدأ بنشر موهبته الفنية على امتداد الوطن. مسرح فاروق في بيروت، ونجمه الأبرز أمين عطا الله، صاحب شخصية “كشكش بك”، التي اهتمّ رضا بتفاصليها، وغزل موهبته من خيوط إبداعها. ما بين شخصية الحكواتي في زوايتها التعبيرية وشخصية “كشكش بك”في تفجّرها العفوي، وُلدت شخصية رضا كبريت الفنية النموذجية. البداية كانت من مسرحية “ليلة بالمخفر” عام 1952 من إخراجه وتأليفه. الفكرة استقاها من محاكمة “أنطون سعادة الشهيرة” عام 1949. نجاح المسرحية فاق كل التوقعات. فكانت ردة فعل السلطة السياسية أن تدخلت لإيقاف العرض. تعسّف السلطة هذا، قابله إصرار من رضا كبريت على تحدّي القرار الجائر. فبعد كل ليلة كان يقضيها في المخفر بسبب مخالفته قرار منع العرض، كان رضا يخرج ليفتش عن مكان جديد لعرض مسرحيته. الأمن العام الذي نفد صبره في نهاية الأمر اتخذ قراراً بمنع المسرحية على كل مسارح العاصمة. فكان أن انتقل بها رضا كبريت إلى منزل نزيه بك الأسعد في عين المريسة، حيث استمرّت العروض لمدّة ثلاثة أسابيع، من دون مضايقة من أيّ جهة أمنية. تطوّر حفز أفراد الفرقة على نقل التجربة الى مناطق خارج العاصمة. البداية كانت في شتورة. أسدلت الستارة في الليلة الأولى، ولم يأت أحد لاعتقال أفراد الفرقة. خفّة دم رضا وظرافته دفعاه لأن يقصد المخفر بنفسه. هناك أبلغ بقرار رفع الحظر. فكان أن قرّر إيقاف المسرحية بعدما وجد أن صورة البطل الشعبي الذي كان يتحدّى السلطة، والتي كانت تدفع الناس للتهافت على شبّاك التذاكر راحت تخبو تدريجاً في وجدان الناس، فلم يعودوا يقبلون على شباك التذاكر كما كانوا في السابق.

قبل أن يكون لبعلبك مهرجاناتها الدولية،كانت مسرحية “مجنون يحكي” من بطولة رضا كبريت وتأليفه أولى المسرحيات التي احضتنتها هياكل القلعة التاريخية، وذلك عام 1954.
“إضراب الحرامية” عام 1970، قال بعدها روجيه عسّاف: “نيّال من شاهد رضا كبريت في هذه المسرحية”. اللقاء الاول بين الرجلين كان عام 1967 بواسطة نضال الأشقر، التي كانت قد عادت من لندن حاملة معها شهادة في الإخراج والتمثيل، وكان أول ما قامت بعد عودتها هو تأسيسها “محترف بيروت للمسرح”. نجاح المشروع برأيها كان يلزمه أشخاص مثل رضا كبريت، الذي كانت قد حضرته مرراً قبل سفرها، و شعرت معه بأنه يمثّل أصدق تعبير عن تصوّراتها الفنّية.

بين رضا كبريت ابن البيئة الشعبية وروجيه عسّاف صاحب التربية الفرنكوفونية، مسافات متباعدة في التفكير والنهج، لم يكن أحد يتصوّر أنه كان يمكن ردمها بسهولة. في حوار خاصّ عام 2013 قال رضا: “جاء اللقاء الأول ليختصر المسافات ويلغي كلّ الشكليات، بحيث شعرنا نحن الاثنين منذ اللحظة الاولى، وكأننا نعبّر معاً عن الرؤية نفسها”.

في مسرحية “سنكف سنكف”، كان اللقاء بين رضا كبريت وروميو لحّود، وذلك عام 1974، وكانت آخر أعمال رضا، قبل أن يقرّر طوعاً أن يفكّ علاقته بالمسرح تفاعلاً وعطاءً، مبرّراً ذلك بانعدام النصوص الإبداعية التي كانت تُعرض عليه بعد تلك الفترة. في هذه المسرحية افترش رضا موهبته أمام ملكة جمال الكون جورجينا رزق، التي كانت البطلة أمامه على الخشبة، واستطاعت أن تجاريه تفاعلاً وإبداعاً.

قبل “سنكف سنكف” كانت مسرحية “الستارة” عام 1973 من بطولة رضا كبريت وإخراج الراحل ميشال نبعة. ولأن الأساليب البوليسية لا يمكن أن تنتج يوماً غير المعاناة والعقل الغامض المعقد في عالمنا العربي، أتى قرار الأمن العام بمنع عرض الممسرحية.”الحجّة كانت وجود نصّ قانوني يعود للزمن العثماني لم يكن قد أُلغي بعد، وهو يفرض أخذ الموافقة من والي بيروت على الأعمال الفنية قبل عرضها. العقدة التي وضعها الامن العام، والتي اعتقد أنها ستطيّر المسرحية، وجد لها رضا كبريت حلّاً جاهزاً، فكان أن ذهب إلى مخفر حبيش، وطلب من مسؤول المخفر مرافقته إلى مدفن الباشورة حيث يرقد والي بيروت. هناك وقف أمام ضريح والي، وقام بقراءة نص المسرحية، قبل أن يتوجّه إلى شاويش المخفر قائلاً: “لم نسمع من الوالي أيّ اعتراض”. مشهد أحرج السلطة، التي شعرت معه بأنه قد أسقط في يدها. فجاءت المسرحية رؤية وبرهاناً على اتساع رؤية البطل والمخرج لحركة الفن المسرحي. في محاولة الانقلاب التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1962، كان رضا كبريت من بين الذين اعتُقلوا حيث أودع في ثكنة الأمير بشير. خلال التحقيق معه عرض عليه أحد المحققين إطلاق سراحه مقابل أن يبوح له باسم الدولة التي موّلت الانقلاب. “إنها اليابان”. همس رضا في أذن المحقق معترفاً بالسرّ الخطير، فما كان منه إلا أن حمله وطار به مزهوّاً إلى النقيب سامي الخطيب أحد أبرز ضبّاط المكتب الثاني في ذلك الوقت، والذي كانت ردّة فعله أنه سخر من المحقق. المقلب كان أكبر من أن يبتلعه المحقق الذي عاد إلى رضا لينهال عليه بكرباج من الحديد، وهو يصرخ بأعلى صوته: “اليابان يا أخو…”.

أحد حرّاس السجن الذي هاله المشهد حمل قميص رضا كبريت إلى النائب العميد ريمون إدّه وعليه آثار لحم ودم عالقة من ظهره الذي فلحه السوط. فما كان من إدّه إلا أن رفع القميص في جلسة لمجلس النواب رداً على ادّعاءات الحكومة بعدم استخدام العنف مع المعتقلين.