الرئيسية / home slide / رشيد الخالدي: مؤرخا وشاهدا على «حرب المئة سنة على فلسطين»

رشيد الخالدي: مؤرخا وشاهدا على «حرب المئة سنة على فلسطين»

 خالد الحروب
https://www.alquds.co.uk/
17062020

مريرة هي الرحلة التي يأخذنا فيها رشيد الخالدي في كتابه الجديد «حرب المئة سنة على فلسطين»، وقد استطالت مراحلها بين تصريحيين كولونياليين يختزلان مشهد التراجيديا الفلسطينية: الأول لآرثر بلفور سنة 1917، والثاني لدونالد ترامب سنة 2017. في الأول أخفت بريطانيا الاستعمارية أهداف النفوذ والسيطرة وتوظيف المطامع الصهيونية، وراء الأسطر القليلة للتصريح الحافل شؤماً بعبارات التضامن مع يهود العالم وأحلامهم في وطن قومي في فلسطين. أما في الثاني، فقد كانت السياسة الكولونيالية الأمريكية، وارثة رعاية المشروع، قد وصلت إلى أقصى تعبيرات الفجاجة، تأييدا وتماهياً مع الصهيونية الاستيطانية بدون محاولات إخفاء، أو خجل، أو دبلوماسيات فارغة، معلنة اعترافها بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل. انتقلت أمريكا، كما يقول خالدي، من موقع المحامي عن إسرائيل إلى موقع الناطق باسمها: فـ»إسرائيل هي نحن، ونحن إسرائيل»، كما عبر مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي مرة، وردد غيره مرات.
في هذا التأريخ متعدد الزوايا والطبقات، يقدم خالدي سفراً في غاية الأهمية، يعيد فيه موضعة سردية الحرب على فلسطين من منظور كولونيالي مُتجدد، في تسجيل محكم التحليل والتوثيق مضموناً، وبارع الشكل والتحقيب إخراجا. أهمية هذا العمل الكبير الذي سيحتل موقعا مركزيا في الأدبيات الرصينة المؤرخة لفلسطين خلال قرن كامل تتأتى أيضا من عدم اعتذاريته وبعده عن العاطفه. يتابع خالدي حلقات الحرب القرنية على فلسطين وإرهاصاتها، منذ نهايات القرن التاسع عشر وصولا إلى إرهاصات صدور «خدعة القرن»، مُسجلا تفاصيل الفشل الفلسطيني والعربي، وناقدا لهما، بقدر ما يتابع الجبروت الاستعماري الغربي والصهيوني وتمثلات حربهما على فلسطين، وشرعنة جريمة سرقتها وطرد سكانها، وتدعيم الاستعمار الاستيطاني فيها. لن يشفع لخالدي عدم اعتذاريته هذه في أوساط ناقديه الصهاينة وحلفائهم، وبعض المراجعات للكتاب نعتته باللاسامية، واتهمت الكاتب بأنه كاره لليهود Jew Hater، كما وُصم ويوصم مئات من الكتاب والصحافيين والأكاديميي،ن الذين يرفضون الخضوع للرواية الصهيونية وتبنيها. لكن هذه الاتهامات وسخافاتها في كل الحالات تعني صلابة الطرح الذي يكبل قدرة الناقدين على التفنيد العلمي والموضوعي، وهو ما أشاد به سيل القراءات المُنصفة التي اعتبرت كتاب خالدي واحدا من أهم الكتب التي توفر تأريخا دقيقا وموضوعياً لفلسطين.

في هذا التأريخ متعدد الزوايا والطبقات، يقدم خالدي سفراً في غاية الأهمية، يعيد فيه موضعة سردية الحرب على فلسطين من منظور كولونيالي مُتجدد، في تسجيل محكم التحليل والتوثيق مضموناً، وبارع الشكل والتحقيب إخراجا.

شمولية وصلابة التأريخ الذي يقدمه خالدي، تتأسس في تعددية طبقات التأريخ السياسي في الكتاب، بما فيها تأريخ شهادة المؤلف نفسه وانخراطه على المستوى الشخصي والعائلي في تحولات وحقب ذلك التاريخ. وفي إعادة الاعتبار لمقاربة التحليل الاستعماري، الذي يرى حلقات الحرب على فلسطين، وإقامة إسرائيل كونها استعمارا استيطانيا، ظل يتطور ويتعمق طيلة قرن وأكثر، في ظل رعاية الدعم الغربي الاستعماري، البريطاني أولاً ثم الأمريكي تاليا. ربما بدا هذا للقارئ العربي بدهيا، بيد أن توكيد مقاربة التحليل الاستعماري، في مواجهة الأدبيات الغربية والصهيونية الكثيفة حول فلسطين- إسرائيل، يعتبر تحدياً للرواية السائدة، التي إما هي منحازة تماماً ومُستبطِنة للرواية التوراتية، وعودة اليهود إلى «أرض الميعاد»، أو في أحسن حالاتها تموضع الحرب على فلسطين، كونها صراعا بين «قوميتين» على أرض مُتنازع عليها، ولكل من القوميتين وجهة نظر، وجوانب من «الحق». لفظ هذين المنظورين تماماً وإعادة المسألة إلى جذورها الاستعمارية الأولى، وملاحقة استمراريتها بما هي كذلك إلى وقتنا الراهن، هو ما يميز كتاب رشيد خالدي وينتزع التقدير.
في الشكل والتسلسل التاريخي، يرى خالدي أن حرب المئة عام، التي ما تزال تدور على فلسطين وشعبها، تُرجمت على الأرض إلى ست جولات متواصلة (لحد الآن): الأولى تبدأ بالحرب على فلسطين، خلال حقبة الاستعمار البريطاني من 1917 إلى 1939، ثم حرب النكبة سنة 1948، تليها حرب حزيران/يونيو 1967، تبعتهما الحرب على لبنان سنة 1982، ثم بين سنوات 1987 و1995 جاءت الحرب على الانتفاضة الأولى، بما فيها أوسلو ونظامها، والسادسة هي حروب إسرائيل ضد الانتفاضة الثانية وعلى قطاع غزة بين سنوات 2000 و2014. كل جولة من جولات الحرب تلك يفككها خالدي في فصل خاص بها، ويحلل أدوار الفاعلين وتراكم كوارث الحرب. ولأن الكتاب نشر قبل الإعلان عن «خدعة القرن»، فلنا أن نقدر إدراج هذه الخدعة في الكتاب لو تأخر صدوره بعض الوقت، كونها وما سبقها وتلاها الحرب السابعة، وربما الأكثر ضراوة على جريمة سرقة وطن وطرد أهله، ووقوف العالم «الحر» إلى جانب الغازي والمحتل المستعمر. كتاب خالدي، تتوجب الإشارة، ليس تأريخا عسكرياً، كما قد يوحي التحقيب المذكور، بل هو أوسع وأعمق من ذلك، ذاك أن لفظة وتعبير «الحرب» هنا لا تعني البعد العسكري وحسب، بل تشمل السياسي والتاريخي والثقافي. الحرب على فلسطين هنا هي من نوع «الحرب الكلية» Total War ولا تستثني شيئاً: تحتل الأرض، تقتل السكان، تطرد من تبقى منهم، تحتل ماضيهم وسرديتهم وتاريخهم، وتريد أن تحتل الآن، عبر «خدعة القرن»، مستقبلهم وأيلولات أجيالهم القادمة.
تعددية طبقات التأريخ في الكتاب تبدأ من الخاص إلى الكلي، حيث عائلة الخالدي المقدسية نفسها منخرطة في قلب التسيس العثماني والفلسطيني، منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ومنذ مراسلات الجد الأكبر يوسف ضياء الدين الخالدي مع هرتزل (بالفرنسية) سنة 1899 وتحذيراته لهذا الأخير، وهو انخراط ظل مستمرا في العائلة وورثه الكاتب نفسه (ووالده وأعمامه). وما بين الجد والحفيد، عمل والد رشيد (إسماعيل الخالدي) في مجلس الأمن موظفا أمميا في ملف الشرق الأوسط. وحضر جلسات النقاشات الطويلة حول أخطر القرارات، التي كرست وجود إسرائيل وهو قرار 242 بعد حرب حزيران 1967، وخلال سنوات عمل الأب كان الابن لصيقا ومتابعا (صفحات101 الى 108). إسماعيل الخالدي كان قد قابل الملك الأردني عبدلله سنة 1947 قبل الحرب الأولى ليوصل له رسالة الفلسطينيين، ممثلة في اللجنة العربية العليا، بعدم رغبتهم في وصايته على فلسطين، مع تقديرهم له، وعدم رغبتهم في ضم ما قد يتبقى من أرض فلسطين لحكمه. رشيد خالدي نفسه ظل قريبا من منظمة التحرير منذ أواخر السبعينيات، وشهد الحرب الإسرائيلية على لبنان سنة 1982، وتعامل مع الإعلام الغربي خلالها لنقل وجهة النظر الفلسطينية، ولاحقا كان ضمن الفريق الاستشاري للوفد التفاوضي الفلسطيني، الذي انبثق عن مؤتمر مدريد سنة 1991، وما تبعه من جولات تفاوضية في واشنطن. على ذلك لا يكتب خالدي عن موضوع أكاديمي بحت، ومن زاوية المؤرخ المنفصل عن الحدث، بل المنخرط فيه، والمطلع على تفاصيله من الداخل، من قلب الدوائر الضيقة المحيطة بصناعة القرار السياسي.
يتكامل هذا المنظور مع آخر مكمل له، يبدأ من الصورة الكلية ويتجه إلى التفاصيل، من أعلى إلى أسفل، حيث المشروع الاستعماري البريطاني في المنطقة وفي فلسطين، يقدم أولا المدخل الأهم لوطأة ما سيلي، تتبعه مأسسة المستعمرة الاستيطانية المُختلفة بنيويا عن معظم احتلالات واستعمارات وجرائم بريطانيا وشقيقاتها في العالم، وبعد التأسيس تستلم الولايات المتحدة مسؤولية الرعاية الاستعمارية لذات المشروع. هذا الخط من التأريخ، وخاصة المُتعلق في حقبة ما بعد تأسيس إسرائيل، حيث الدور الأمريكي المركزي يمنحه خالدي اهتماماً كبيراً ومهما، مُتحدياً للسردية الإسرائيلية والأمريكية، التي ترى في إسرائيل «دولة عادية» في المنطقة، وإنه رغم وجود «خلافات» مع جيرانها، إلا أن هذه الخلافات في طريقها إلى الحل. ويفصل خالدي في أحد أهم السياسات التأسيسية التي ظلت تشتغل على مستوى البنية التحتية لجولات الحرب على فلسطين رغم تباعدها، وهي مسألة نفي وجود شعب فلسطيني. وعليها التقت السياسات الاستعمارية التي تبناها آرثر بلفور وهنري كيسنجر، وصولا إلى مايك بامبيو، وقائمة طويلة بين هؤلاء. في الجولة الأولى من الحرب القرنية على فلسطين، تطأ بريطانيا حاضر ومستقبل ووجود وهوية أهل فلسطين الأصليين، 94% من السكان سنة صدور تصريح بلفور، وتمنح اليهود الغرباء وطناً في فلسطين، وتتعهد بمساعدته، ثم يتحول ذلك الوعد إلى «صك انتداب» تقره عصبة الأمم سنة 1922، وتحيل تنفيذه إلى بريطانيا، القوة المُنتدبة على فلسطين، ومن دون أن يذكر ذلك الصك في بنوده الثمانية والعشرين، أي شيء عن الفلسطينيين أنفسهم. وفي الجولات اللاحقة يتحول هذا النفي للشعب الفلسطيني إلى تأطير رسمي صدّرته غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل في ستينيات القرن الماضي، إلى أمريكا والعالم عبر مقولتها الشهيرة، (ليس هناك شعب فلسطيني). تجاورت هذه السياسة التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتلاحقة وسياسة أخرى لا تقل عنها لؤما، وهي ضرب أي كيانية فلسطينية، سواء قائمة أو قيد التمأسس على الأرض، داخل أو خارج فلسطين، وتحديدا إن تشكلت على هيئة إطار تمثيلي وطني عام. يسجل خالدي بتوثيق دقيق وكبير تفاصيل هذه الحرب البريطانية – الإسرائيلية- الأمريكية على كل ما له علاقة بأمرين: دولة فلسطينية على الجزء الذي خصصه قرار التقسيم 1947 للفلسطينيين، أو أي كيان تمثيلي ينطق باسمهم.
ترافق والبطش الاستعماري المديد، قصور وفشل فلسطيني وعربي مريع. واحتل هذا الفشل، وقد فاقم من نتائج جولات الحرب الطويلة، خطاً تحليلي مواز في الكتاب وخضع لنقد قاس. يعيد خالدي تقليب المرارات في تحليل الخلافات الفلسطينية الداخلية، خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وكيف فككت الصراعات على النفوذ والزعامة أي فاعلية فلسطينية منتظرة، ونظيرتها التي قسّمت الفلسطينيين بين فتح وحماس في مرحلة لاحقة. انتقد خالدي قيادة منظمة التحرير سواء في عمان أو بيروت، ولاحقا في إدارتها للمفاوضات في واشنطن، ثم أوسلو، وفي سياستها الارتجالية. ووجه انتقادات لياسر عرفات على وجه التحديد، سياقية وتحليلية، وبعضها نتيجة لقاءات مباشرة، تركت خيبة أمل ومرارة لدى خالدي (أولها سنة 1984 في محاولة إقناع عرفات بضرورة اهتمام المنظمة بالساحة الأمريكية والإعلام والعلاقات العامة هناك). وفي الوقت ذاته لم ير خالدي في مقاومة حماس، خاصة العمليات التفجيرية أي استراتيجية بديلة، بل دفعت فتح وبقية الفصائل لمنافستها في ميدان جرّ على الفلسطينيين، كما يقول خالدي، كوارث سياسية على المستوى العالمي، وأفادت إسرائيل في إعادة موضعة نفسها ومواطنيها كضحايا لـ»الإرهاب الفلسطيني».

النقد القاسي للقيادات الفلسطينية والعربية لا يعني فقدان الرؤية للصورة الكلية، ويجب أن لا يقود إلى لوم الضحية، وبالتالي تبرير ما قام به المستعمر. هاتان قضيتان منفصلتان، فشل الضحية وسياساتها الغبية لا يترتب عليه فقدان الضحية عدالة قضيتها.

وقلبت الصورة الإيجابية التي حصدها الفلسطينيون خلال الانتفاضة الأولى، التي بنت على صورة الإجرام الإسرائيلي، الذي كان قد سبق قمع الانتفاضة خلال غزو لبنان وحصار بيروت ومذابح المخيمات عام 1982. إلى النقد الفلسطيني، يُضيف خالدي نقدا لا يقل صرامة لمواقف الزعامات العربية المحيطة بفلسطين، في القاهرة وعمان والرياض وبغداد، حيث تنافس الملوك والرؤساء على التحدث باسم فلسطين، كل لغايات خاصة، وبعيدا عن تفعيل أي جهد حقيقي لتحرير فلسطين أو مساعدة الفلسطينيين. كل هذه العواصم كانت خاضعة للنفوذ البريطاني الذي كان يملي عليها السياسات. نقرأ مثلا أن بيت السفير البريطاني، كان مجاورا لقصر الملك عبدالله في عمان، بما يوفر تواصلا مباشرا مع الملك عبر الحديقة الخلفية للقصر، وكذا كان الملك فاروق وحكومة مصطفى كامل النحاس خاضعين تماما للإرادة والإملاءات البريطانية، وأن جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكي بعد الحرب الأولى قال للملك عبد العزيز بن سعود إنه يشيد بـ»ميوله التصالحية» إزاء فلسطين.
لكن هذا النقد القاسي للقيادات الفلسطينية والعربية لا يعني فقدان الرؤية للصورة الكلية، ويجب أن لا يقود إلى لوم الضحية، وبالتالي تبرير ما قام به المستعمر. هاتان قضيتان منفصلتان، فشل الضحية وسياساتها الغبية لا يترتب عليه فقدان الضحية عدالة قضيتها. يصعب حقا تقدير الجهد العظيم المبذول في هذا الكتاب في مراجعة قصيرة، لن تغطي جوانب ومرويات عيانية كثيفة، شهدها خالدي بنفسه، سواء في لبنان خلال عمله الجامعي في بيروت، وعمل زوجته منى في وكالة وفا، أو كليهما في تأسيس أول حضانة أطفال في تل الزعتر، أو حتى من خلال شهادات أفراد عائلته. وهناك تأريخ لجهود ونضالات قائمة طويلة لفلسطينيين وعرب، خلال الرحلة الطويلة للكتاب منهم، مثلا، ألبرت حوراني وكتابته تقرير الجانب العربي المقدم للجنة الأنكلو- أمريكية سنة 1946، وأدوار المثقفين والكتاب من قسطنطين زريق، إلى أدوارد سعيد، وأميل حبيبي، وغسان كنفاني، الذي يذكر خالدي تفاصيل اغتياله وجنازته الضخمة في بيروت سنة 1972، ومحمود درويش، وغيرهم كثير. هذا الكتاب واجب القراءة من صفحته الأولى للأخيرة، كما أنه واجب الترجمة ليس فقط للعربية بل لما أمكن من لغات.

٭ كاتب فلسطيني