الرئيسية / home slide / رشا الأمير الساكنة في الكلمة.. بيتها الأبديّ

رشا الأمير الساكنة في الكلمة.. بيتها الأبديّ

بشير البكر|الإثنين23/11/2020
Almodon.com

رشا الأمير متعدّدة المواهب والاهتمامات. صحافية، روائية، وناشرة. بدأت مسارها المهني بالعمل في الصحافة، عندما التحقت بمجلة النهار العربي والدولي، ثم بمجلّة الوطن العربي، وذلك في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها رجعت إلى بيروت في العام 1990 عندما بدأت الحرب الأهلية اللبنانية تطوي آخر فصولها، وتركت بيتها الباريسي الكائن في حي الباستيل لتعود إلى بيت أهلها في الضاحية الجنوبية، القصر الأبيض بحديقته الكائن حاليًا في منطقة نفوذ الحزب الحاكم، حزب إيران. وللأمانة فإن عائلة محسن سليم سبقت إلى هذا المكان، إذ عمّر الجدّ محمود، العضو في لجنة كينغ/كرين بيتًا واسعًا يليق بالنبلاء والارستقراطيين، فوالدها المحامي والكاتب والنائب الراحل محسن سليم كان من أهم محامي لبنان، وهو أحد المحامين الذين رفعوا لواء الدفاع عن الكاتب صادق جلال العظم حين تم تقديمه للمحاكم بسبب كتابه “نقد الفكر الديني” العام 1969 كما دافع عن الكاتبة الشابّة أيّامذاك ليلى بعلبكي وعن عائلة كامل مروّة مؤسّس جريدة الحياة والديلي ستار يوم اغتالته المخابرات الناصريّة في مكتبه.

حين يزور المرء رشا في بيتها أو مكتبها فإنها تهديه كتبًا من قطاف دار الجديد التي انشأتها بمعية شقيقها الكاتب والسياسي (هيّا بنا وأمم للأبحاث) لقمان سليم في بداية تسعينيّات القرن الماضي، واستمرت ترعاها لوحدها، وكذلك الأمر حين تزور الأصدقاء فإنها تحمل لهم كتبًا أو ترسلها عبر البريد أو في حقائب المسافرين، وفي كثير من المرّات حملت لي والدتها سلمى مرشاق ـ باحثة مصريّة من أصول شاميّة (سوريّة لبنانيّة)، وُلدت ونشأت في القاهرة، الكتب من بيروت إلى باريس. ويدلّ هذا السلوك على كرم لا مثيل له، وهو قبل كلّ شيء تكريم للكتاب، وهذا التكريم ينسحب على كافّة تفاصيل علاقة رشا بالعالم، والذي ترجمته في عملية النشر الذي تعاطت معه كفنّ وثقافة، ولذا يخضع كلّ تفصيل من تفاصيل الكتاب لاهتمام لا نظير له. تبدأ الرحلة مع اختيار الكاتب والكتاب، ولا يمكن أن تنشر لأيّ كاتب أو أي كتاب، وتأتي بعد ذلك مسألة الطباعة التي لا بد أن تكون بعربية خالية من كل عيب، ومن بعدها اختيار الورق والغلاف. وحين يخرج الكتاب من تحت يدها يصبح جديراً بالعرض كتحفة فنية.

من بين هموم رشا، النشر. وقد نشرت لكبار الكتّاب العرب، من عبد الله العلايلي إلى محمود درويش وخليل رامز سركيس، أنسي الحاج، محمد خاتمي، أحمد بيضون، فرج بيرقدار، سميح القاسم، سليم نصار، صلاح ستيتية، غسّان الخنيزي وفادي العبدالله وغيرهم. لكنها واجهت صعوبات كبيرة في تسويق الكتاب في عالم عربي تمّ إفقاره وتعليمه شتّى صنوف المباغض والعبوديّات. وفي أكثر من مرة عبّرت عن استقالتها من التعاطي مع الكتاب كسلعة. بيد أنّها تعود بعد حين وآخر، حين تجد كتابًا يعنيها، فتسرع إلى تبنيه، كما حصل في بعض الروايات (كمال داود) ودواوين الشعر (بعض كتبي) التي نشرتها في وقت توقفت كل دور النشر في العالم العربي عن نشر الشعر، وحكمت على الشعر بالموت.

ورغم أن الوضع يزداد رداءة، ما زالت رشا الأمير تعمل من أجل كتاب يحمل كلّ المواصفات التي تليق بالكلمة التي تعتبرها البداية والنهاية، وذات يوم جعلت شعارها جملة عزيزة على الكاتب اللبناني خليل رامز سركيس الذي نشرت كل أعماله :”الكلمة بيتي”. في زمن التكنولوجيا ما زالت “دار الجديد” في الساحة عبر الكتاب الإلكتروني  والبيع عبر المراسلة. تشخص الأمير الأزمة بأن النشر في العالم العربي مهنة غير مفهومة، البعض يعتقد أن الناشر صاحب مطبعة. والكاتب العربي يظن أنه يمكن أن يصبح مهمًا بلا ناشر، فاسمه سيفتح له كلّ الأبواب. لا كاتب مهماً من دون ناشر مهم، والناشر له دور مباشر في التوجه الفكري والعلمي. ومن خلاصات تجربتها في هذا الميدان، الذي بات واسعًا بعدما كانت دور النشر تحصى على أصابع اليد وتحتكرها القاهرة وبيروت: “الكتاب مستضعف وأقلي يئن اليوم بوجود الثورة التكنولوجية، حيث بات الناس يقرأون عبر شاشاتهم، وهناك الكتاب المسموع. عدنا إلى زمن ما قبل الكتابة، زمن المشافهة”. هي تحاول كناشرة مواكبة العصر، ولذلك باتت كتب دار الجديد موجودة في كل المنصات. وليس لديها إلا محظور واحد في النشر، هو الرداءة. ولا تنسى في كل لقاء أن تذكّر القارئ بدوره.

تقول في سيرتها المختصرة أنها “درست في مدرسة القديس يوسف حتّى اندلاع الحرب اللبنانية. تتلمذت على يد الشيخ عبد الله العلايلى والأستاذين لقمان سليم ومحمود عساف. سافرت إلى فرنسا بسبب اندلاع الحرب اللبنانية، وواصلت تحصيلها الثانوي ثم الجامعي في مادتي الفلسفة والتاريخ”، وحين عملت بالصحافة الأدبية في مجلة النهار العربي والدولي، ثم بالتحقيق على أنواعه في مجلة الوطن العربي وكلا المجلتين كانتا تصدران من باريس، كنت ذات تكوين مزدوج عربي كلاسيكي متين وفرنسي لا يقل عن العربي “أنا مدينة للمجلة التي كنت اعمل فيها من باريس لأنها أتاحت لي السفر وافتهام ما يحدث في العالمين العربيّ والغربيّ”، وهي تعد أحد العارفين القلائل للغتين والثقافتين، ورغم أنها عادت إلى بيروت واستقرت فيها منذ عقود ثلاثة، فإنها بقيت مشدودة إلى باريس بوصفها عاصمة تفتّحها، فلا يفوتها كتاب أو فيلم أو مقال  يصدر في الجهة الثانية من العالم. جهة الجامعات والمتاحف والمختبرات.

إلى جانب صنعة النشر اهتمت رشا بالكتابة، فبعدما هجرت العمل الصحافيّ، انكبت على كتابة رواية يتيمة حتّى الساعة هي “يوم الدين” التي أثارت يوم صدورها في العام 2002 ردود أفعال متطرّفة. ترجمت الرواية إلى الإنجليزية (جوناثان رايت) والفرنسية (يوسف الصدّيق) والإيطاليّة (أريانا توندي). وإلى يومنا هذا، هناك من يعتبر الرواية تحفة أدبية، وهناك رأي آخر لا تعنيه لا من قريب ولا بعيد.

تخوض الرواية في موضوع الإسلام السياسي، فبطل الرواية شيخ أربعينيّ مستنير يدير جامع الغرباء في بلد جار، حيث سيتعرّف إلى حبيبته الساعية لدراسة عوالم المتنبي الشاعر الذي اتّهم بالنبوّة. يمر الإمام خلال الرواية بأطوار كثيرة من نجم تلفزيونيّ إلى هارب كي لا يهدر دمه.  تعتبر الكاتبة روايتها “رواية حياة” سكبت فيها مواضيع تشغل بالها وبال ناسها. الحب، الجنس، السياسة، والدين. من خلال قراءة الرواية يتبين انها ما كان يمكن ان تكتبها لو لم تنضج رؤيتها الخاصة حيال تلك الموضوعات من جهة، ومن جهة ثانية يبدو في الرواية وكأن الكاتبة أرادت أن تقول كل شيء في هذا العمل المشغول بعناية شديدة حتى النقطة والفاصلة والشدة والهمزة. “رواية تحمل أسئلتي وأسئلة منطقتي ولغتي وهي غوص في شخصيّة الشيخ الراوي”.

رغم صدور ست طبعات من يوم الدين وترجمات للفرنسية والإنكليزية والإيطاليّة، تظل هذه الرواية تثير اسئلة، وتتّهم لغتها بأنها غير معاصرة. لماذا كتبتها الأمير بعد سنوات من العمل في الصحافة والنشر؟ تجيب الروائيّة : “كنت اشعر بأن لديّ ما أقوله للناس، والكتابة تحتاج إلى نضج”.

أحد المشاريع التي اشتغلت عليها بحب شديد، هو كتاب الهمزة، وهو عبارة عن اطروحة متكاملة للدفاع عن أوّل حروف العربيّة وعما يسبّبه من خلافات في طريقة كتابته. دافعها لكتابة هذا الكتاب، حبها للغة العربية الذي حثّها على نشر أعمال أحد كبار اللغويين العرب، الشيخ عبد الله العلايلي، وترى ان أزمة العربية تكمن في أن “أهلها هجروها من واقع شعورهم بالهزيمة، وبالتالي يذهبون للتحالف مع لغة المنتصر، بوصفها اللغة الحية، وهذا يدفعهم إلى هجر بلادهم، وكوني عاجزة عن هجر هذه البلاد، كتبت هذا الكتاب”.

وتضيف: “كتاب الهمزة كتاب قواعديّ يشرح بقالب قصصي، قصّة هذا الحرف المعُذّب. ولو قيّض لي لكتبت مزيدًا من الكتب التعليميّة حول القواعد الوعرة (الأرقام والمنقوص والمجزوم وغيرها). العربيّة بمسيس الحاجة إلى من يخرجها من الظلمات والعسف إلى نور العلم والحداثة”.

أمّا عما يقلقها اليوم والكوكب سجين جائحة تذكّرها بالإنفلونزا الإسبانيّة والحمّى الصفراء والطاعون فتقول:

“بالطبع، ليس ما يعلو على كوفيد19… احتاجت المجزرة الرواندية التي انتهت بنحو مليون قتيل إلى عقود مديدة من التخمير والإنضاج الثقافيين والسياسيين لتثمر ما كان من قتل بلا هوادة بين الهوتو والتوتسي، أما الجائحة التي أودت خلال الأشهر الماضية بمليون ويزيد وتستعدّ، على قول العرافين والعرافات من أهل الإحصاء إلى القضاء على عدد مماثل،  أما الجائحة فشر ما فيها أنَّها آية من آيات التقدم العلمي إذا ما سلمنا بأنها من صناعة مختبرات مارقة، أو آية من آيات الهشاشة البشرية إن لم نأخذ بالفرضية السابقة، وفي كلا الحالين لا حول ولا قوَّة ونقطة على السطر.

لا وجه للوهلة الأولى للمضاهاة بين انهيار بلد وبين تفشي وباء ــ قل كوفيد ـ 19 مثلًا. ولكن، ليس إلّا أن يُنْعِم الواحدُ منا النظرَ، والواحدَةُ، ليتبين أن الجائحة لا تفتك بالبلد الصغير، على المعنى الطبي فقط، بل إنَّها أدنى ما تُشَبَّهُ به العلل المفترسة التي ينسب إليها خراب لبنان ــ (وبالجملة خراب البصرة!). فإنْ يقل قائلهم إنّ “الفساد” هو علة العلل، حق على هذا القائل التسليم بأنَّ الفساد اللبناني المستغرق، بشهادة المسؤولين أنفسهم، كلّ مرافق الحياة العامة بلا تمييز أو استثناء ــ حقَّ عليه التَّسليمُ بأنَّ الفسادَ المعني ليس انحرافًا عارِضًا عن صراط الحوكمة الرشيدة بل فساد أنابيب ومختبرات ــ أعني أنه فسادٌ مؤسسٌ على علم راسخ وتجارب متراكمة. وإن يقل قائلهم إنَّ السَّكراتِ التي تعصف بالبلدِ الصغير أصيلةٌ في تكوينه الذي يُحَلّي الطمع فيه للأقربين والأبعدين، لا يبقى إلّا الرِّثاءُ لَهُ، والدُّعاءُ لناسه بأن يُخَفَّفَ عنهم ما هم مُقْبلونَ عليه من احتضار طويل. فلنتذكر: الأوبئةُ لا تموت… تَنْحَسِر، تُحاصر، “تخرج من التداول”، وكذلك البلدان… تُنعى، يُحَدُّ عليها، “تخرج من التداول”. لا أكثر ولا أقل، ونقطة على السطر…

من قتل صموئيل باتي؟ لم يمت الرجل لأن الوباء أدركه وفتك برئتيه بل لأنه، على الرغم من استعلاء الوباء اعتبر أن تكليفه المواطني يقتضي منه أن يشرح لتلامذته، بالذخيرة الحيَّة، ما تعنيه “حريَّةُ التَّعبير” بوصفها حَقًّا. تريد الرواية الرسمية أن شابًّا ساءه ما قام به الأستاذ فأقام عليه الحد! وتستطرد الرواية فتقول بأن الشرطة طاردت القاتِلَ وقتلته غير بعيد عن المكان الذي ارتكب فيه جريمته. في 16 تشرين الأول الماضي، يوم نُحِرَ باتي لم أصدق أن القاتل قد قُتِل، واليوم أنا أقلُّ تَصْديقًا، وغدًا، كأني بي غدًا سوف أصدِّقُ أقَلَّ، وهكذا دواليك اليوم تلو الآخر… على قلق؟ أضعف الإيمان!”