الرئيسية / أضواء على / رسوم ريفية على جدران ضاحية بيروت الجنوبية… إغلاق الباب أمام الغرافيتي

رسوم ريفية على جدران ضاحية بيروت الجنوبية… إغلاق الباب أمام الغرافيتي

 أحمد محسن
الاثنين 9 ديسمبر 201905:43
رصيف22
https://raseef22.com/

يقول الناس عن الضاحية الجنوبية لبيروت إنها “الضاحية”. كذلك يصير حزب الله، الذي يطغى حضوره عليها هو “الحزب”، كلفظة تدل إليه بين أهلها وسكانها. مع الوقت ترسخت القاعدة: يُختزل اسمها إلى حدٍ أدنى يميّزها عن شبيهاتها من الضواحي، وتُختزل صورتها بصورة الحزب الذي يهيمن عليها.

تحت جسر “الصْفَيْر”، في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، كما يسمّيه السكان القريبون منه، تتشبث أعمدة متكاتفة بالأرض لينتصب فوقها جسر، هو جزء من سلسلة جسور وأنفاق تصل مطار الدولة بـ”ضاحية الحزب”، فبالحازمية صعوداً باتجاه جبل لبنان والبقاع.

صارت هذه الأعمدة جدراناً شاحبة: مساحة مناسبة للاعتراض. وعليها ثمة رسوم، يعتقد الناظر إليها، للوهلة الأولى، أنها “غرافيتي”، ولكنها رسومات للريف، وُضعت قبل أن يأتي رسامو الغرافيتي ويعلنون هوية الضواحي.

ترييف ضدّ التجريب

ميزة الغرافيتي أنه أقوى من السوشال ميديا ومن غوغل. إنه حقيقي، وفي متناول الجميع. الرسامون رسامون. ليسوا بحاجة إلى الادعاء. لا يرددون شعارات النظام بل يحوّلون جدرانه إلى ألعاب. يرسمون للاعتراض لا للتباهي بما يمكن للجميع التباهي به. يعلّقون أصواتهم على الجدران. يخلصون لأفكارهم، وينفّذونها دون أن ينتظروا شهادة من أحد. الشهادة الوحيدة هي أبصار العابرين. ويحق للذي يعترض أن يعرض ويستعرض صوته خلف ظلال المدينة. الجدران ظلال صلبة وعميقة.

الرسوم تحت جسر الصفير، قطعاً، ليست غرافيتي، حتى وإنْ كان السكان يعرّفون عنها كذلك. جزء منهم يعرف أنها ليست للاعتراض، إنما للقبول. ليس لديهم أي تصور آخر: الرسوم الريفية تروقهم. باستثناء فئة قليلة تتصرف كمنتمية إلى طبقة وسطى في سلوكها وعاداتها، الجميع معجب بالآثار القروية على الجدران. حتى ضمن هذه الفئة يوجد أيضاً مَن يقول عن الرسوم إنها غرافيتي. الافتراض البديهي هو غلبة الجذور على حساسية المكان.

لكن قطعاً، لا يمكن تصنيف الشلالات الطبيعية، والأزهار الجورية، إضافة إلى شروق الشمس فوق البحيرة خلف سياج خشبي تقليدي، كفروع من الغرافيتي. الرسوم التي نتحدث عنها قد تكون في الواقع أقرب إلى نوع من “انطباعية سوسيولوجية”، أكثر من كونها مادة فنية، بالنظر إلى مكانها، وإلى التوقيت الذي ولدت فيه.

بدلاً من التعالي المتسرّع على الريف، وقبل رصف المدائح المجانية للمدينة، يجب الانتباه إلى أن ترييف المدينة يقابله غالباً تحويل الريف إلى صحراء. ولا نتحدث عن التحول الكلاسيكي الذي تحال خلاله النخب المدينية الناشئة في فضاء اعتاد على حرفية مشروطة بالحرية، على التقاعد، مقابل حضور بدائل ريفية لا تجيد التعامل مع الفضاء العام. هذه الأفكار قد تبقى عرضة لابتذالات هدفها تمجيد طبقة على حساب طبقات الأخرى.لبنانيون في المهجر الألماني: “فليرحل الجميع ويتركوا لبنان كي نعود إليه”“جيل الآيباد يصنع مستقبل البلاد”… طلاب لبنان ينتفضون“مُمَوّلو الثورة” في لبنان يكشفون عن أنفسهم… على طريقتهم

لا نتحدث عن الخلفية السوسيولوجية لحضور الريف حضوراً فجاً في قلب المدينة كموقف صريح على جدار. هناك الكثير من الشواهد التي تحتاج إلى إعلان، وليس فقط في الضاحية الجنوبية، بل في الضواحي التي تمتد من بيروت إلى أطراف صيدا جنوباً وإلى جونيه شمالاً. النقاش في المدينية اللبنانية في أساسه يحتاج إلى أدوات أخرى، لطغيان الطابعين العائلي والعشائري على الجماعات أحياناً.

ربما لا علاقة مباشرة لهذا بالرسم الذي نتحدث عنه بالمسألة. لكن الفكرة الأنتروبولوجية الأساسية في نسخ “كيتش” انطباعي على حيطان مخبأة تحت الجسر في الضاحية الجنوبية، هي أن الريف لا يحب التجريب. وهكذا لا يعود الأمر مجرد حنين، أو مجرد نزعة لا واعية إلى الترييف. تصير هذه الرسوم تعمل ضد وظيفة الغرافيتي، أي ضد التجريب: القمع.

حيطان غب الطلب

حسب سكان من المنطقة، الرسوم ليست مبادرة فردية. يقولون إن راسمها “عمِل وفق أجندة البلدية”. وهو وفق هذه الحسابات أنجز عمله على أفضل وجه، كما ترك رقم هاتفه، إنْ كان ثمة عمل مشابه. لا يفعل رسامو الغرافيتي مثل هذه الأمور عادةً. لكن الرجل يعيش من الرسم، وليس في باله الاعتراض على شيء. وربما الهدف من الرسوم افتراض مَن يقفون خلفه أنه تجميل فعلاً. لكن يحق لآخرين الافتراض أنه حماية للجدران من الاعتراض.

هي رغبة بأن تكون تلك الجدران صافية، قبل أن يُكتب عليها ما يعكّر المزاج العام. المزاج الذي يفضّل بقاء الجماعة جماعةً، والطائفة منتظمة في جماعتها، وأن يكون الشارع مثل المنزل، والمنزل في المدينة مثل المنزل في القرية، وكل شيء تحت السيطرة.

في المدينة المعاصرة، الرسم على الجدران ليس للتزيين إنما للاعتراض، ذلك أن الشارع هو “فضاء عام”. السؤال عن الجدران وعن وظيفتها يبقى أساسياً، مقابل وظيفة الرسم نفسه. ولكن على حيطان الضاحية الجنوبية لبيروت قد تجد بعض الأجوبة المفاجئة

الرسوم على جدران الضاحية الجنوبية لبيروت تكشف عن رغبة بأن تكون تلك الجدران صافية، قبل أن يُكتب عليها ما يعكّر المزاج العام، المزاج الذي يفضّل بقاء الجماعة جماعةً، والطائفة منتظمة في جماعتها، وكل شيء تحت السيطرة

في مكان ما، لن تحيلنا هذه الأشجار المغطسة بالألوان الفاتحة إلى فلسفة الطبيعة عند هيغل، بل غالباً إلى وظيفة السياسة في الفضاء البورجوازي العام عند هابرماس، تلك الوظيفة التي تهدف إلى تأكيد سطوة المجتمع المدني بالاستناد إلى استعارات من تجارب ناجعة ومحددة للحياة الشخصية في أساسها.

في حالة “الضاحية”، والجهة التي تهيمن عليها، هذه الجهة هي حزب الله. وتجاربها الناجعة تأتي من الريف، من حيث أتى الحزب، وحيث أتى قادته، أو بصورة أوضح، ليس من المكان الذي يأتي الناس منه، بل من الصورة التي يحبّها الحزب عن الريف، بوصفه ثقافة صلبة ضدّ المدينة.

الرسوم المذكورة امتداد لهذا التصور، والغرافيتي يدور دائماً في حدود هذه التجربة: جبال، شلالات، بيوت ريفية. في أحسن الأحوال وفي محطات أخرى من الضاحية، قد نصادف خريطة، أو بندقية، أو شعاراً من الشعارات التي تساير النظام. هذا التوظيف للجدران، المضاف إلى وظيفتها الأساسية، يوصد الباب على الغرافيتي الذي اقترن بالرسم على الجدران ضدّ وجود كواتم، وليس تزييناً للكواتم.

بالمعنى “الجمالي” للكلمة، قد يكون شعار “أنا دانييل بلايك” الذي يكتبه النجار، في فيلم كين لوش الذي يحمل اسم الشعار على حائط البيروقراطية الإنكليزية، ليس بحاجة إلى ألوان، لكي يتسم بالقوة. ليس بحاجة لتصنيف فني. لوش منح الفيلم اسم الشعار، لأنه غالباً يرفض الجدار، والذين يتحصنون خلفه. مسارعة الشرطة في الفيلم لتأدية دورها القمعي يفسّر أهمية الحدث تماماً. المفارقة أن هذا يحدث في نيوكاسل، التي لا تمتلك الطابع المتروبوليتاني للمدن الكبيرة، وبهذا المعنى قد تكون أقرب إلى الريف وإنْ كان التحديد يستدعي الاختصاص.

الأجهزة القمعية تفضل الجدران غير القابلة للاستخدام، وهكذا لونت الجدران، قبل أن يأتي رسامو الغرافيتي الحقيقيون، ويعترضون.

سكان حقيقيون بشعارات خاطئة

الحيطان تعكس هواجس الكتاب. في فلسطين يكتبون ضد الاحتلال، في سوريا يكتبون عن الحرية، في جنوب إيطاليا يعترضون على المافيا، في الضواحي عموماً، هناك نقمة على المركز وعلى تراكم رأس المال. وإنْ كان الغرافيتي في قلب بيروت يستحضر قضايا إنسانية وينجح في رفع الصوت، فإنه، بهذا المعنى، في مكان محدد بالضواحي، تحت جسر الصفير، يؤدي وظائف أخرى تناقض وظيفته.

الحرية مسألة رئيسية. ولا يوجد أي فارق بين أكوام باطون ملونة وأكوام باطون إسمنتية. وهذا يستدعي النظر في مسألتين أساسيتين: الثيمة المختارة، وطريقة التعبير عنها. مَن يختار ثيمة الريف ويختار التعبير عنها بنافذة صغيرة داخل الحائط، وأنهار وبحيرات، إلخ، يريد الابتعاد عن القضايا. لا شيء عن المعاناة الإنسانية القريبة أو البعيدة، انقطاع عن الأحداث، من قضايا اللاجئين السوريين والفلسطينيين وقضايا لبنان نفسه. لا نقاش في قضية المرأة، في الحقوق، في المعركة ضد السلطة. لا شيء عن التحولات في الاقتصاد اللبناني، ارتفاع الضرائب، غلاء المعيشة، التضامن مع الشعوب العربية، إلخ. كل هذا تم استبداله بمجموعة طيور وورود لا تنبت إلا على المرتفعات، وفي أماكن أخرى بشعارات تنقسم بين الدين والإيديولوجيا السائدة، وتناسب “الماينستريم” الحزبي في المنطقة.

في الصفير، لن تكون هناك أية أصوات اعتراضية، لأن الحائط استهلك تماماً. صحيح أن الغرافيتي ليس المؤشر الوحيد على طبيعة الحرية، لكن اختفاء النقد لا يترك مجالاً لأي بدائل، فكيف بالسطو على البدائل الأخيرة المتاحة في زمن المدينة النيوليبرالية، مثل الجدران والوسائل الأخرى، متمثلاً بقمع روح النقد عن طريق الهيمنة على الأدوات البصرية في يومياتنا، والتقوقع حول افتراضات محددة وضيقة لطبيعة العالم.

هذا النقاش ليس منفصلاً بأي شكل من الأشكال عن المدينة وعن تصميمها، وعن تصنيفها وفق حسابات المخططين مقابل وعي سكانها بها. قد يكون من المفيد التذكير، بأنه وبعد القانون 117 الصادر في نهاية عام 1991 والقاضى بالسماح للشركات العقارية الخاصة بتنفيذ مشاريع يكلفها بها مجلس الوزراء، تأخر الجميع حتى ينتبه إلى عدم تأمين فصل الأدوار بين الدولة والرأسمال الخاص ومصالح أصحاب الحقوق. والحقوق ليست فقط بعبور الجسر، بل بالنظر إلى القابعين تحته وخلفه وبحصتهم من الشمس والحياة. الشمس ليست مجرد رسم على جدار.

ما لا ينتبه إليه كثيرون أيضاً أن قانوناً خاصاً للضاحية الجنوبية أقر بعد هذا القانون، ووعد بملياري دولار، وكان الحديث عن أوتوسترادات وعن مطار يتسع لسبعة ملايين راكب سنوياً، وأحلام “نيوليبرالية” كثيرة. هذا الجِسر الذي نتحدث عنه هو أحد هذه الوعود. أنجز دوراً بديهياً وظاهرياً: تخفيف زحمة السير، من دون الانتباه إلى الوظائف الأخرى.

بعد الحرب، لطالما كان هناك حديث متواصل عن إعادة الإعمار، وقد اجتر الأفكار ذاتها عن العمران والمدينة. لكن الحديث لطالما كان رأسمالياً أيضاً، وقد اقترن فقط بوسط المدينة وحدها. من ضمن هذه التصنيفات، كان تصنيف الضاحية. وسنجد تفسيراً معقولاً لهذا في نظرية دايفد هارفي الشهيرة، عن حجم وأبعاد الدور المالي لاستثمارات رؤوس الأموال الفظيعة التي لا تأخذ بالاعتبار حاجات سكان المدينة وحقهم في أن يكونوا جزءاً من آلية تضمن لهم المشاركة بالقرارات الخاصة بالتخطيط.

في أي حال، لا أحد حتى اليوم يسأل عن إعادة الإعمار في البلاد، باستثناء بعض الاعتراضات البلدية والمقالات الصحافية المتواضعة التي تتناول ظاهرة البناء العشوائي من زاوية سياسوية وسطحية. والأهم من هذ كله، هو أن الإعمار لم ينجُ من “حصرية” جانبه العقاري والمادي. سقطت جميع العوامل الأخرى من الحسابات. وتحت الجِسر الذي نتحدث عنه تظهر نتيجة هذا الإهمال بوضوح تام.

اضف رد