رسائل نصرالله: استحضار فائض القوة للحكم… عون والحريري أمام خيارات صعبة


نصرالله في “يوم الشهيد” (أب).

آخر الكلام الذي نطق به السيد حسن #نصرالله في “يوم الشهيد”، أن لا حكومة من دون تمثيل سنة 8 أذار. يعني ذلك أن “حزب الله” أعلن موقفه مباشرة للمرة الأولى بوضع “فيتو” على الحكومة، ثم يتدرج الامر وفق سياسي متابع لوضع “فيتو” على الحكم والبلد، اي أن الحزب وصل إلى الذروة في إظهار قوته وقدرته على فرض الشروط من خلال تدخله المباشر، وهو أمر لم يكن يحصل سابقاً حتى في اللحظة التي نزل فيها مقاتلوه إلى شوارع بيروت في 7 أيار 2008، إذ اضطر وقتها إلى الخضوع لمشيئة المقررين الإقليميين في تسوية الدوحة، علماً أن الإنقسام حينذاك كان في أوجه أيضاً. لذا لم تعد شروط الحزب وطلباته تقدم بالواسطة بل تٌفرض مباشرة باستعراض فائض القوة، ما يجعل غالبية القوى تقف عاجزة أمامه وغير قادرة على التقدم خطوة واحدة من دون موافقته.

يضع #حزب_الله “فيتو” على حكومة ليس له كلمة الفصل فيها. ووفق السياسي اللبناني، يريد الحزب حكومة بمكتسبات نوعية، يكون قادراً على فرض موقفه فيها لمواجهة استهدافه من الخارج، وحامية له وحاضنة في الوقت ذاته، وليقول أنه الطرف الأقوى في لبنان، وأن المعادلات تغيرت، وهو بات الأقوى فعلاً اليوم طالما توقفت الحكومة على حقيبة وزير سني معارض، فيحصن بذلك موقعه المحلي ومشروعه الإقليمي بغطاء داخلي في الحكم، وإن كان يرتكز بالدرجة الأولى على الموقع الأول أي العهد الذي يريده أن يبقى حليفاً لكن بشروطه التي يفرضها من موقعه القوي.

كان كلام نصرالله آخر الكلام، فلا حكومة حتى لو انتظرنا خمسة أشهر أخرى. والكلام ذاته قاله لرئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجية جبران باسيل. فلا حكومة قبل أن تحسم كل القضايا التي تخص “حزب الله” وفق ما تقول مصادر سياسية متابعة، وهو أمر يتصل أيضاً بالمرجعية الإقليمية إيران ومواجهتها للعقوبات الأميركية، إذ أن الحزب يتصرف داخلياً بما يناسب مشروعه الإقليمي أولاً، وإن كان يتلقى تعليمات من مرجعيته في قضايا كثيرة، لكنه يتصرف في الداخل انطلاقاً من حساباته ثم يقيسها انطلاقاً من الأجندة التي تضعها المرجعية الإقليمية في المنطقة، وهو يقيس تحركه أحياناً وفق حسابات مرجعيتين، أي إيران والنظام في سوريا. لذا كان واضحاً كلام السيد نصرالله بتمسكه بقوة بالمعادلة الذهبية “الجيش والشعب والمقاومة” وبسلاح المقاومة وبكل صواريخها، وهذا أساس في البيان الوزاري ولا يمكن التنازل عنه.

لماذا رفع السيد نصرالله التصعيد إلى الذروة؟ بدا أن لدى “حزب الله” حسابات جديدة ترتبط بالمواجهة على أكثر من خط وجبهة. وتقول المصادر أن فائض قوة الحزب صارت ضرورية للترجمة حكومياً وفي موقع القرار بعد التطورات المحلية والإقليمية، خصوصاً أن القوى الداخلية لم تعد تسائله عن دوره في سوريا وهو الذي وضع له موظئ قدم في رعاية النظام السوري، فيما المواجهة فتحت على مصراعيها مع الأميركيين، وقد تتحول حرباً مع إسرائيل على جبهة الجنوب إذا تلاقت مصالح عدة في هذا المجال. لذا بدا أن الإمساك بالقرار السياسي الداخلي، وإن كان يضعف موقع رئاسة الجمهورية، بات أولوية بالنسبة إليه ويجعل الأمور مناسبة لاتخاذ قرار بالمواجهة.

لم يستثن السيد نصرالله أي طرف سياسي في البلد، فصوّب على وليد جنبلاط وعلى القوات اللبنانية والمستقبل، إلى حد أن خطابه يذكر اللبنانيين بكلام أطلقه قبل أيام من 7 أيار 2008، وإن كانت في ظروف مختلفة. لكن اليوم قوة “حزب الله” وفق المصادر أكبر بكثير، فهو قوة إقليمية لا يستطيع أحد مساءلتها داخلياً وهي مغطاة من الحكم، حتى عندما يظهر الخلاف حول توزير سني من 8 أذار، ويضطر رئيس الجمهورية إلى اعلان موقف من هذا الامر يتعارض مع موقف “حزب الله”، لكنه يعود سريعاً إلى تسوية الأمر من دون أن يتمكن من تغيير المعادلة في الحلف الاستراتيجي بين الطرفين الذي أرسي في تفاهم مار مخايل، لكن حساباته تغيرت مع تقدم “حزب الله” وقوته فبات المقرر في هذا الحلف، وإن كان العهد وتياره يريدان الحفاظ على التفاهم ومعه سلة الحكم في حده الادنى. وعلى المقلب الآخر، انكفأ وليد جنبلاط إلى الخلف، بعدما شعر أن كلام نصرالله فيه تصعيد وصل الى حد التهديد بقلب الطاولة، إذ ليست “الإنتينات” وحدها التي يجب تصويبها إنما الموقف السياسي، علماً أن جنبلاط وافق على تسوية الدرزي الثالث لحقيبة وزارية بتسوية مع الرئيس ميشال عون. في حين يبقى موقف القوات التي اتهمها نصرالله بتعطيل #الحكومة 5 أشهر، خارج إطار أي مواجهة بعدما حسمت قرارها بالمشاركة بسقف لا يناسب حجمها، وهي ارتضت الدخول تجنباً لاستهدافها وإضعافها.

وضع نصرالله المشكلة عند الرئيس المكلف. وهذا يعني المزيد من الضغط عليه للقبول بتسوية إذا وافق عليها “حزب الله” أصلاً، وفي راي المصادر أن الضغط على #الحريري سيستمر، حتى لو توسط لدى دول كبرى لحل العقدة المتمثلة بتوزير سني معارض، والإفراج عن الحكومة، ولو كان يراهن أيضاً على علاقته الجيدة برئيس الجمهورية، إلا أن الرئيس ميشال عون يفضل أن تكون العلاقة السياسية مع “حزب الله” أكثر متانة من تحالفاته الظرفية، أي مع المستقبل. وترى المصادر أن الحزب سيستخدم كل أوراقه، فهو الأقوى لبنانياً اليوم بسبب ضعف الموقع المسيحي بالدرجة الأولى، ثم الموقع السني، إذا كانت الأمور تقاس طائفياً. لذا تعتقد المصادر إن الوصول إلى تسوية مرهونة بشروط “حزب الله” وهو ما لم يستطع جبران #باسيل انتزاعه خلال زيارته الى نصرالله، إذ تبين وفق المصادر أنه كان يسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الحزب وإزالة سوء التفاهم حول الموقف من تمثيل سنة 8 أذار، لذا قد تكون تسوية الحل لاحقاً بمزيد من التنازلات، خصوصاً من رصيد الرئيس المكلف سعد الحريري.، الذي بات مخيراً بين القبول بالشروط أو الاعتذار…

حسم “حزب الله” خياراته، إلى حد تقول المصادر أنه قد يصل إلى نقطة اللاعودة، فهل يتجه إلى السيطرة على القرار في البلد، وهل يواجه مخاوفه من خلال استحضار فائض قوته في البلد لتطمين بيئته الحاضنة، بمزيد من التشدد والمواجهة؟ لكن من قال أن الوصول إلى الذروة لا يفتح على مسارات انحدارية؟

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*