الرئيسية / home slide / رسائل جدّتي اليهودية فيوليت

رسائل جدّتي اليهودية فيوليت

12-01-2021 | 11:02 المصدر: “النهار”

فيوليت شمّاش.

علي شاكر- العراق رسائل فيوليت شمّاش لم تكن خياري الأول عندما عقدت العزم على ترجمة أحد النصوص المنشورة باللغة الانكليزية عن يهود العراق وما مروا به من أهوال الى العربية، فلم أكن أبحث عن سيرة تنقل ملامح الحياة اليومية للناس خلال بدايات القرن العشرين، ولا كانت غايتي أن أطلعهم على وصفات الأطعمة التقليدية، أو تفاصيل الملابس الشائعة وقتها، أو النوادر والنكات التي تناقلها روّاد المقاهي وسيدات المنازل، والمقالب التي حاكها طلبة المدارس بمعلميهم… أردت وثيقة تختزل أوجاع ومرارة الانسلاخ عن الوطن الأم، والاضطرار للفرار بحثا عن سلام وطمأنينة هما في معظم الأحيان سراب يحسبه الظمآن ماء. كانت عيني على نص حارق كي أرميه في وجه الطغيان الذي ما فتئ يفترس الأبرياء منذ ولادة العراق المعاصر في أوائل القرن العشرين من آشوريين وأكراد وايزيديين وسواهم من شتى الأعراق والأديان والملل، وما زال مستمرا حتى اليوم … تلك كانت خُطّتي، لكن دفء رسائل فيوليت وسحر بوحها الرافديني تسللا اليّ من ثغرة في جدار غضبي المتأجّج، هي هاجس بغداد الذي يلازمني، والفصام الذي أعاني منه بين عشقي لها، وزعلي منها.  لعلّها مفارقة أن صديقتي الفلسطينية/ الأردنية “غادة” كانت من أوصتني بقراءة مذكّرات شمّاش خلال احدى لقاءاتنا في عمّان. ما أن بدأت بتقليب الصفحات الأول، حتى وجدتني أجول مع صاحبة الرسائل في أرجاء “قصر” أسرتها المطل على دجلة، ودهاليز الحي اليهودي في بغداد، وأتذوّق طعم الفواكه الطازجة التي قطفتها من أشجار حديقتهم، وأشم عبق الغاردينيا والياسمين والقرنفل والورد الجوري الممزوج بالروائح الشهية للمعجّنات الخارجة توّا من الفرن، وأسمع جلجلة ضحكاتها الطفولية، وأدخل معها صفوف مدرسة “الأليانس”، وأطرب لعزف وغناء الجوقات الموسيقية. شعرت بعدها بالوجل من تغير مشاعر الود والألفة التي طالما جمعت بين اليهود وجيرانهم من مسيحيين ومسلمين، ليحل محلها الشك والتوجّس، ثم اعتصرني الألم لما حدث في “الفرهود” وما بعده، وقرار الأسرة بالرحيل الى المجهول، حتى أني عندما أتممت ترجمة عبارات وداع فيوليت الأخير لبغدادها (بغدادي)، وجدت الدموع وقد انسابت على خدي، رغم عهد كنت قد قطعته على نفسي يوم رحيلي عن بلدي عام 2006 بعدم البكاء عليه أبدا، مهما جنّ بي الشوق اليه. مارست الكتابة والنشر متأخراً، تحديداً عند بلوغي الثامنة والثلاثين، فالتعبير عن الرأي لم يكن متاحاً في العراق عندما كنت في العشرينيات من عمري، ولذلك فقد تردّدت قليلا قبل الاقدام على تكريس سنتين أو أكثر لمشروع ترجمة نص ليس لي، خصوصا أنّ رأسي كان وما زال يموج بالأحدات التي عشتها وأود أن أدوّنها قبل أن يطمسها النسيان، لكن أهمية تسليط الضوء الآن عمّا حدث ليهود العراق تكمن في تفاصيل الحكاية التي تكاد تكون نموذجا أمثل لتكرار التأريخ لفصوله، اذ عدا عن كونها صدى لما حدث للجاليات اليهودية في كثير من مدننا العربية مثل دمشق والقاهرة وسواها، بوسعنا رؤية مساراتها وهي تتقاطع، بل تتطابق أحيانا مع حكايات مئات آلاف الهاربين من الاضطهاد في دول الشرق الأوسط في عصرنا الحالي… انها بشكل أو آخر، قصتي أنا. أمر آخر أدركته عندما توغّلت في الفصول وصفحاتها، هو أنّ الكثير مما ذكرته فيوليت لم يعد موجوداً… أسماء مطربين ومطربات، أحياء وأسواق، أطباق أطعمة وأمثال شعبية ومزاج سائد، كلها اختفت من الذاكرة أو كادت، وربما كانت الاشارة اليها عرضا في رسائل شمّاش آخر ما سيرد عنها الى الأبد، فللأجيال التالية شؤون وهموم أخرى تحتل قوائم أولوياتها، كما ان ذاكرة الشعوب (خصوصا في جزئنا من العالم!) قصيرة العمر وانتقائية وذات قدرة عجيبة على لي عنق الحقائق وتحويل المظلوم الى ظالم، والعكس صحيح، فكثيرا ما أردت أن أري أحد أصدقائي من الأجانب صورة لمبنى ما في بغداد، لاتفاجئ باختفاء كل أثر له، كما لو أنه لم يوجد يوما، وهو الأمر الذي عانيته خلال عملي على هذا النص والمصطلحات والقصص الواردة فيه. سرعان ما باتت والدتي، وهي سيدة مسلمة (في مثل عمر ابنة فيوليت تقريبا) ملاذي للتأكّد من صحة المعلومات ومعرفة النطق الصحيح لكثير من الأسماء (العربية)، وصارت اتصالاتي الهاتفية المتكرّرة بها جزءا من روتين عملي اليومي على مدار السنتين الماضيتين… استطاعت والدتي بالفعل أن تمدّني بكثير من المعلومات التي ما كنت لأستطيع انجاز مهمتي دونها، لكنها عجزت في أحيان كثيرة عن التعرّف على مقصد صاحبة الرسائل من ذكر لفظ ما هنا أو هناك، وبطبيعة الحال، لم تكن تفقه شيئا من المصطلحات العبرية. خياري التالي كان اللجوء الى عالم الانترنت ومحرّكات البحث وقراءة المقالات والكتب والدراسات المتوفّرة عليها، كما قمت بمتابعة عدد هائل من ساعات المواد الفيلمية والسمعية عن يهود العراق، بل وعن اليهود بشكل عام وطقوسهم الدينية وتراتيلهم وأدعيتهم، علني أعثر فيها على النطق الصحيح لمفردة بعينها ذكرتها فيوليت في احدى رسائلها، أو أتأكّد من وقوع حدث في زمن ما، أو أتوصّل لمعرفة مراحل اعداد طبق، أو موقع حيّ، أو اسم مدينة لم يعد متداولا… كثيرا ما أثمرت محاولاتي في العثور على مبتغاي، لكنني فشلت في أحيان أخرى في أن أجد أثرا لما كنت أبحث عنه، فكان عليّ ذكر ذلك في الهوامش، ودعوة القارئ الى استكمال البحث بما يرى من طرق، أو الركون الى المنطق في قبول أو رفض ما جاء في النص. شعرت في منتصف الرحلة تقريباً أني كمن اتخذ أطول الطرق وأشدها وعورة لبلوغ مكان قريب منه، فبرغم فارق السن الكبير بيننا، نمت بيني وبين فيوليت رابطة وثيقة كما لو أنها واحدة من أقاربي، أو جدتي التي كلما زرتها (في صفحات كتابها) وجدت في جعبتها المزيد من القصص المدهشة … المشكلة كانت أن جدتي (الافتراضية) روت لي حكاياتها عن وطننا الأم بالإنكليزية، فكان عليّ أن أعيد اليها صوتها العراقي الذي غيّبته غربة اللغة الأجنبية دون الغوص في المحلية الفجّة، خشية أن تُنفِر الأخيرة القارئ العربي المعني بكثير مما ورد في هذه الوثيقة الحيّة عن زمن رسم، وما زال يرسم بعض ملامح حياتنا اليوم. الكتاب المنشور بالإنكليزية تضمّن صوراً عدة لبغداد القديمة، معظمها مأخوذ من الأرشيفات البريطانية، وقليل جدا من الصور العائلية لآل شمّاش، ولا صورة على الاطلاق لصاحبة الرسائل من مرحلة تدوين شهادتها و ما تلاها… لم أعرف شكل فيوليت المُسِنّة حتى انتهيت من الترجمة، فلم أطلب من ابنتها أن ترسل الي صورتها وهي على أبواب التسعين لسبب بسيط (أو ربما مُعقّد) هو أن خيالي قد تكفّل برسم ملامح خاصة بها، وأعطاها صوتا شابته حشرجة خفيفة وغلّفته العذوبة، فما حاجتي الى أكثر من ذلك، أو أقل؟  دون تخطيط مسبق منها، أو مني، أنقذتني فيوليت من عدد من المحن التي عشتها خلال انكبابي على ترجمة نصّها، ولقّنتني دروسا قيمة في الحياة، اذ كان لشمّاش أكثر من سبب كي تكتئب وتنهار تحت وطأة الضغوط التي تعرّضت لها مع أسرتها، قبل وبعد تركهم العراق، لكنها لم تفعل، وبقيت متمسّكة حتى النهاية بحبل الأمل في أن تحمل الأيام القادمة لها ولمن تحب اليسر والفرج.  كان لها الحق في الحنق والسعي الى الانتقام ممن تسبّب لها بكل ذلك الأذى، لكنها اختارت التجاوز والعفو وعدم تعميم الظلم واصدار الأحكام جزافا، بل نراها حريصة على شكر كل من مدّ لها يد المساعدة من الجيران والأصدقاء المسلمين ووفّر لها الحماية مع أطفالها خلال سواد ايام الفرهود الحالك… علمتني أن نار الكره تحرق الصدور التي تضطرم فيها، وتعيق الحركة الى الأمام والتغيير نحو الأفضل. لم تترك فيوليت فرصة للفرح دون أن تغتنمها، حتى وهي تحزم حقائبها وتقفز من بلد لآخر كما فعل أسلافها خلال ترحالهم في سنوات الشتات، فنراها لا تكف عن الاستمتاع بالموسيقى والغناء والتواصل مع الناس المحيطين بها من أهل المدن المضيفة، ومتابعة أخبار بلدها الأم ومناقشتها مع أشقائها المبعثرين في أرجاء المعمورة، والاعتناء بأبنائها وأحفادها … لا أزعم امتلاكي قوة وعزم وتفاؤل فيوليت، لكنني ممتن لوجودها المشرق في حياتي طيلة السنوات الثلاث الماضية، ولمشاركتها الصادقة التي الهمتني الصبر على كثير من المشاكل والأوقات الصعبة، بما فيها جائحة كوفيد التي قلبت حياتنا رأسا على عقب، وأجزعتني كما أجزعت البشرية جمعاء، لكنني وجدت أثرها يصغر ويتلاشى عندما قارنته بما مرّت به السيدة شمّاش من أزمات، فسكنت نفسي قليلا، وعاودت الحلم. فيوليت، سيدتي الكريمة: الآن وقد بلغت رحلتنا محطتها الأخيرة مع صدور وثيقتك مترجمة الى العربية بعنوان “رسائل فيوليت: جولة في حياة يهود بغداد” عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، سأفتقد حتما رفقتك الجميلة، لكنني سعيد لتمكّني من تحقيق رغبتك بالعودة الى بغداد وأهلها (أهلك) الذين سيطلعون على شهادتك عن ماضي مدينتهم، وقد يجدون فيها كما وجدتُ السلوى، والرجاء في خير آت. مهندس معماري ومؤلف عراقي/ نيوزلندي، صدر له A Muslim on the Bridge ورواية كافيه فيروز وكتاب صدام وأنا ومتلازمة ستوكهولم، بالإضافة الى العديد من مقالات الرأي والمراجعات الفنية والأدبية والترجمات المنشورة باللغتين العربية والانكليزية في صحف ومجلات العالم العربي والولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزلندا حيث يقيم ويحمل عضوية اتحاد الكتاب النيوزلنديين، وهو أيضا مدوّن في موقع Arcade التابع لجامعة ستانفورد الأميركية.