الرئيسية / home slide / رسائل الأهل: أمين معلوف ولعبة حفظ الذاكرة خلال الحرب

رسائل الأهل: أمين معلوف ولعبة حفظ الذاكرة خلال الحرب

أمين معلوف

 أحمد عبد الحميد
القدس العربي
25032021

كيف يمكن لحفيد أن ينبش في أوراق صندوق خشبي يضج بأصوات ذاكرة الأسرة، ويجول بين سطورها في رحلة تقص تأريخية عن إرث أسلاف غابر؟ ليس الأمر مجرد توثيق أحداث عاشتها أسرة معلوف، التي تمثل حقيقة كل عائلة لبنانية، أو لنقل صورة مشابهة في كثير من تفاصيلها لعائلات سورية في الدولة الأم. لقد مثلت تلك الرسائل تاريخا مشرقيا على العموم وتوثيقا لحقبة عاش فيها لبنان مع جارته تقلبات سياسية واجتماعية.
فالرحلة لم تكن رحلة سهلة بالنسبة لأمين معلوف الكاتب اللبناني الفرنسي، بعد ثمانية عقود من الزمن، وإصرارٍ على تدوين سيرة عائلته، وتعقب أخبار غامضة مدفونة في صندوق «الجد بطرس» الخشبي، والمليء بالأوراق التوثيقية والرسائل المتبادلة، والمذكرات الخاصة والدفاتر القديمة التي تفصح عن خبايا تلك العائلة، وتروي كوامن ذاكرة حية لمن عاين وعاصر. كانت تلك الرسائل هي اللعبة التي استطاع معلوف إتقانها والنفاذ من خلالها إلى تاريخ الأسرة اللبنانية. مع ما حملته من قيمة وزخم تناولت مجريات مهمة وأحوالا شخصية للأسرة ككل. لكن هذه الرسائلَ الإرثَ المدفونَ المنسيَ على مدى عقود، لم يكن ليبصر النور لولا قدر والدة معلوف، الذي ساقها من بيروت إلى باريس مكان إقامته، حاملة معها ثلاث رسائل قديمة مُذيلة بالعنوان الكوبي «هافانا». ثلاث رسائل مُرسلةٌ من عمه جبرائيل المقيم في كوبا إلى جده بطرس غيرت مسار تاريخ الأسرة.
«سلمتني إياها جدتك مع أشياء أخرى؛ فقالت لي: أعرف أنك ستحافظين عليها».
فتحت هذه الرسائل الثلاث الباب أمام أمين للانطلاق إلى قريته «المشرع» بيت الأسرة على السفوح اللبنانية، والاطلاع على صندوق تلك الرسائل والوثائق والعودة بذلك الكنز إلى باريس. عددٌ هائلٌ من الأوراق والرسائل والوثائق والصور والأشعار الخاصة ببطرس، إرثٌ لم يكن من السهل الإلمام به، خاصة أنها غنية بالأحداث على مرّ سنوات طويلة تعلق بها الحفيد مؤمنا، بأن تلك الرسائل تتمتع بذاكرة قوية، وتمتاز بتماسها المباشر في بيت الأسرة: «في صباح اليوم التالي فقط أحسست بما يكفي من الارتياح للقبض من جديد على صندوق أجدادي.. كنت أقرأ وأصنف وأعاود القراءة والتصنيف وتدوين بعض الأجوبة، عن تساؤلات سابقة؛ ثم تدوين تساؤلات جديدة». كان يخالجني على دوام الإحساس بالضياع، وسط كل هذه الرسائل غير المحددة الهدف، غير المقروءة، وغير المؤرخة والموقعة، وسط كل هؤلاء الذين نسيهم أحفادهم».
مايميز عمل الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، الذي نشر عام 2004، والمُعنون «بدايات»، أنه استشرف نكبات الشرق، من خلال الدعوة للحفاظ على ذاكرتنا الصغيرة، إذ جعل ذلك منهجا في روايته، يعيشه تماما الفرد اللبناني، ويُقاس بالتالي على الجار (الفرد) السوري صاحب النكبة المؤجلة، وإن لم يعِ بالشكل المطلوب أهمية تجربة معلوف السباقة في حفظ الذاكرة وتاريخ تأصيله، من خلال تلك الرسائل محورِ مشروعه، ولم يُحاكِ بعدُ مناشدةَ معلوف في الحفاظ على الموروث بين أيدي السوريين، مع ما يحويه من غنى يمكن أن يُحدث ثورة في عالم الوثائق التاريخي. نحى معلوف في «بدايات» منحى تاريخيا توثيقيا يعرض حقبة عاشتها عائلة معلوف في زمن بالغ الحساسية، يحيط بأسرة مسيحية أرثوذكسية الأصول، منقسمة إلى فرعين متنافرين بروتستانت وكاثوليك، فرعين يحيطان بقرية الأديب الصغيرة «عين القبو أو المشرع»، التي كانت نموذجا مصغرا بتعصبها وانفتاحها، عن واقع الحدود الكبيرة ككل، ولبنان بلد الطوائف على وجه الخصوص.

تبدأ رحلة أمين بسرد عميق ومفصل لسيرة ذاتية عائلية تنطلق من «الجد بطرس» الطامح إلى التطوير والتجديد من خلال سعيه لإنشاء مدرسة دينية حداثية، تعكس ما يؤمن به دينيا وعلميا مرورا بشقيقه ثيودورس المُبشر البروتستانتي المتشدد، وانتهاء بشقيق الجد الثالث جبرائيل، المقيم خلف البحار مع مملكته المالية، محاورُ ثلاثة تمثل وجه المشرق ككل. جد الكاتب بطرس الكاثوليكي المولد، والأرثوذكسي التأييد والهوى، وملهم فكرة التأريخ عبر ذاك الإرث الورقي المهم، تحيط بشخصيته تساؤلاتٌ عديدة أجاب عنها الكاتب ضمن سرديته الروائية التاريخية، وترك الإفصاح في مواضع أخرى، ليطوف القارئ حول تلك الشخصية العابثة، خاصة إذا ما علمنا شخصية الجد المتمردة على المفاهيم الدينية العقائدية والحياتية والسياسية، فهو الحاسر الرأس بدون العمامة، في مجتمع يرفض ذاك التجاوز، وهو الأتاتوركي الذي سمى ابنته كمالا. والمادح بحميد السلطنة العثمانية، والراغب بدستورية تركية، بدون مناوئة لعهد السلاطين. أمام هذه المشاهد الدقيقة يقرر أمين تقديم سرد عميق الملامح للسلالة العريقة بهدف توثيق تلك الفترة، إذ فتح الحفيد الباب أمام ثورة في منهج السيرة الذاتية الروائية، محاولا حفظ الذاكرة والتاريخ من الاندثار. وهو الذي تكبد عناء السفر والتحري عن تفاصيل موت عمه جبرائيل في العاصمة الكوبية هافانا.
لكن كيف يمكن الاعتماد فقط على ما يحويه بطن ذاك الصندوق الخشبي من أوراق مهمة جدا في توصيف أحداث إضافية لم تذكر في الصندوق؟
لا شك في أن أمين عمل على تقليب مصادر أخرى في كتابة روايته، من معاينة شخصية وتركيز على الروايات الشفوية أو المعاينات المُشاهدَة، أو المنقولة، حتى يقدمها بموضوعية علمية، وإن لم تخلُ من العاطفة في كثير من اللقطات الفنية السردية، فنحن أمام كاتب ينتمي بجذوره إلى تلك الأسرة اللبنانية. «سررت بنجاح زرع الدخان، وأسفت على الوقت والعناء في أرض لا تفي ثمن العرق المبذول، ولا مصدر لمواردها، فلو أن الوقت الذي «ضحيته» بزرع الدخان كان في بلاد الدخان كوبا أو مصر. نعم، لا يوجد لديهم رائحة هواء الوطن، ومناخ لبنان، إنما التعويض المادي وسهولة الوسايط تنسيك التعب، إذ تكون أكبر بكثير مما يمكن الحصول عليه بوطننا العزيز، خصوصا حالته الحاضرة والظروف المرافقة».
أمام ذاك السيل من المشاهد الداخلية داخل حدود القرية المتوترة، كانت هناك على الضفة الأخرى من العالم مشاهد يصورها لنا معلوف،
مشاهد حياة عمه جبرائيل، الإنسان الثائر في ترحاله إلى ما رواء البحار والحالم بتأسيس مملكة مالية ضخمة، فكان له ذلك عبر سلسلة محلات تجارية ( La Verdaf) كما تشير المراسلات مع شقيقه بطرس، لكن الموت يُغيبه في ظروف غامضة. مع مشهد موت العم يختار أمين بعد تقصي ما في الصندوق أن يتوجه إلى هافانا الكوبية، لإكمال ما بدأ به، حيث ذاكرة لبنان في المهجر، لينبش وقائع حياة عمه، ويميط اللثام عن تفاصيل حياة المهجري اللبناني، متحملا عناء البحث والاستكشاف المشوب بالمتعة، والرغبةَ في وضع اللمسات الأخيرة على تاريخ أسرة يحاول إحياءه، وحفظه إلى أجيال، ربما يندثر ماضيها بدون تلك الوثيقة الخالدة.
ما بين شوارع هافانا وأحيائها ومقاهيها وفنادقها وأزقتها العتيقة، يسعى أمين لتعقب المصادر المكانية المتعلقة بعمه، ويطوف حول دلائل معرفية ملموسة عن العم «غبرييل» الاسم الذي غيرته حياة البذخ والأعمال في كوبا، ليعثر على بقايا تفاصيل حياته بعد رحلة تحقيق مضنية، اعتمد فيها على الملاحظة والمراسلات القديمة، والمقاربة والخرائط القديمة، هادفا بذلك إلى إبراز انتماء اللبناني إلى تراثه وهويته بجوهرها الدقيق، حتى في أدق التفاصيل، كوصف المنزل الأندلسي في أعلى الجبل الذي كان يشكل حالة خاصة عند المشرقي، متصورا لبنان في عين القروي البسيط الحالم، والمنتمي لحضارة الأندلس حاضرة شعبه، فهو الشرقي المقيم في كوبا ذات اللسان الإسباني، إذ يقول: «حجرةٌ فسيحةٌ غطي سقفها العالي وجدرانها بالخزف والجبس وبزخارف، ونقوش مستوحاة من الزخارف والنقوش في قصر الحمراء، ولاسيما شعار «بني نصر» آخر ملوك غرناطة المسلمين (لا غالب الا الله)».

رغم اعتماد أمين في تدوين سيرة أسلافه على الكتاب التاريخي (الشجرة) الذي ألفه عيسى إسكندر المألوف، الذي يتناول أيضا تاريخ العائلة وأصولها، إلا أن إرث الحفيد من جده كان علامة فارقة في تأصيله.

جبرائيل بوجهه اللبناني المتمرد على الحياة بالسفر، وخوض البحار لتحقيق ثروة طائلة، والرغبة في البحث عن أقاربه ممن حوله، والاعتزاز بالهوية الجديدة الكوبية، والتمسك بأصول الأمكنة الشرقية، يتشابه إلى حد بعيد مع شقيقه بطرس، بوجهه المتشبث ضمن أرض لبنان، بطرس الذي آثر ترسيخ هويته الشرقية، والثورة على المفاهيم وتقديمها إلى الناشئة في مؤسسته التربوية المثيرة للجدل آنذاك، إلا أن ما جمعهما هو نهايةٌ واحدةٌ، المغترب يقتله طموحه في حادثة سير، والمتجذر يقتله قلبه بأزمة..
(سجل الدفن رقم 96، صفحة 397، الحالة 1588. في 21 حزيران/ يونيو 1918 دفن في مقبرة کریستوف كولومبوس في المدفن رقم ثلاثة وثلاثين، ملك أليسيا، أرملة م . جثمان غبريال م، السوري الأصل، والبالغ من العمر اثنين وأربعين عاما، متأهلا، توفي إثر صدمة بسبب انسحاق بناء على تقرير الطبيب ب. بردومو وقد تسلمنا الجثمان من رعية خيسوس ديل مونتي، بإذن قاضي بلدية حي سان ميغيل دیل بادرون). رغم اعتماد أمين في تدوين سيرة أسلافه على الكتاب التاريخي (الشجرة) الذي ألفه عيسى إسكندر المألوف، الذي يتناول أيضا تاريخ العائلة وأصولها، إلا أن إرث الحفيد من جده كان علامة فارقة في تأصيله، إضافة إلى تنقيب الحفيد الرحالة، تارة بالأوراق والرسائل وتارة أخرى بالمشافهة، وصولا إلى قطع البحار والمعاينة والتجول في الشوارع والمتاهات الكوبية، كان أشد وقعا وأدق توثيقا وتمحيصا، فالرحلة لم تقتصر على زيارة قصر العم؛ بل تعدى إلى البحث عن المقتنيات والممتلكات الخاصة حتى يتمكن من التوغل أكثر في خبايا عالم العم المبهم، وتقديم مادة تدارس مكثفة حية، ختاما بالبحث عن قبره. المغامرةُ التي أسهب فيها الحفيد بعد كل تلك السنين، واندثار معالم المراجعة. وكأنه يوحي بأن نهاية الأحلام هنا في باطن الأرض، لا تُحييها أحاديث العائلة البعيدة، يختلط فيها القيل والقال؛ بل يحييها متشبث بذاته، وينعشها راغبٌ في تخليد هذه الذاكرة.
لا تنكر براعة أمين في الاستيعاب والتأمل العاملَين اللذين ساقاه إلى العديد من المصادر العلمية: «كالمكتبة الوطنية في هافانا» والبحث في نُسخ الصُحف الصادرة تلك الفترة، التي تناولت خبر وفاة العم في عام 1918، راميا بذلك رصد صدى الحادث في الصحف، بدون إهمال الوثائق العقارية التي تُظهِر وجه العم الآخر هناك، في رغبة تدل على الإصرار في وصل ما قُطع خلال سنوات مضت لهذه السلالة العريقة، بأدق المشاهد، كمشهد وقوف «أمين» أمام ضريح عمه في المدفن الحقيقي في مقبرة «كولومبوس» وهو البناء الجميل المرمري الأبيض، كان قد نقش عليه اسم عمه GABRIEL M.M الاسم الذي شاء أن يصنعه في كوبا، مستحضرا تاريخا طويلا لم يشأ أن يُدفن مع عمه. لقد نجح معلوف في تسليط الضوء على عقود طويلة من أحداث مختلفة متناقضة حول أسرتين اختلفتها طائفيا، ومثلتا وجه لبنان المهاجر والمتجذر، والحالم والمتمرد، والمتعصب والمنفتح، والغوص في تاريخ أسرته، وإحياء مصير عشيرة (أسرة) معلوف الممتدة من لبنان إلى كوبا والأمريكتين دونتها جولته الاستقصائية، فاتحا الباب أمام الذاكرة السورية أيضا، للاستفادة من تجربة حفظ الإرث التاريخي الزاخم خلال العقد الأخير على مافيه من تعقيد متأزم مشابه للوجه اللبناني؛ بل إنه أشد إيلاما وغنى، تاركا الستار مفتوحا أمام التأريخ بالاعتماد على الموروث، لجعل تلك البقعة المتأزمة حاضرة في الذاكرة.
فاستطاع أن يكون مخلصا ومنصفا لأسرته، ملهما لغيره عبر روايته التاريخية السردية، التي حكت يوميات العائلات اللبنانية وتوجهاتها الدقيقة، باذلا جهدا كبيرا في لفت الأنظار إلى تاريخ هذه الأسرة، ورافضا أن تدفن هذه التركة من الوثائق والرسائل والذاكرة في مقبرة النسيان والإهمال، معللا سبب ذلك الجهد المضني والرحلة الطويلة خلف ينابيع الدم السالفة بقوله: «وفي كل الأحوال إن اقتفاء الأصول هو بمنزلة الانتصار على الموت والنسيان».

كاتب سوري