الرئيسية / home slide / رحيل ميشيل كيلو… سوريا تخسر المُعارض

رحيل ميشيل كيلو… سوريا تخسر المُعارض

المدن – ثقافة|الإثنين19/04/2021
Almodon.com

توفي المعارض السوري ميشيل كيلو، نتيجة مضاعفات إثر إصابته بفيروس كورونا، نقل بعدها إلى المستشفى حيث توفي هناك، عن عمر يناهز 81 عاماً. ويُعتبر كيلو، وهو صحافي وكاتب مستقلّ وماركسي (علماني)، إحدى أبرز شخصيات المعارضة السورية في المنفى، وعمل رئيساً لمركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سوريا، وهو ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني وأحد المشاركين في صياغة إعلان دمشق، وعضو سابق في الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي(جناح رياض الترك)…

ميشيل كيلو المولود في اللاذقية العام 1940، لأب عمل شرطياً في البلدية أصرّ على تعليم أولاده تعليماً عالياً، والمثقف الذي تأثر باكراً بأستاذه الياس مرقص وآمن بالاشتراكية، عمل في وزارة الثقافة وترجم العديد من الكتب فعاصر في سنوات عمله المفكر أنطون مقدسي، وهي مجموعة من الشخصيات التي كان لها رأي مغاير في الاشتراكية “يختلف” عن الاشتراكية السوفياتية ومطباتها.

قبل أسابيع، نشر كيلو وصيته في فايسبوك، وقال فيها للسوريين: “ستدفعون ثمناً إقليمياً ودولياً كبيراً لحريتكم، فلا تترددوا في إقامة بيئة داخلية تحد من سلبياته أو تعزلها تماماً”. وزاد: “لا تتخلوا عن أهل المعرفة والفكر والموقف، ولديكم منهم كنز.. استمعوا إليهم، وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفوا بفكر مجرب، هم أهل الحل والعقد بينكم، فأطيعوهم واحترموا مقامهم الرفيع”. وفي ختام الوصية قال كيلو السوريين باعتماد أسس للدولة “يسيرون عليها ولا تكون محل خلاف بينهم، وإن تباينت قراءاتها بالنسبة لهم”. واعتبر الراحل أن “استقرار هذه الأسس يضمن استقرار الدولة، الذي سيتوقف عليه نجاح الثورة”.

ومسيرة كيلو حافلة بالنضالات والمطبات والمواقف وحتى التناقضات، اعتقله نظام الأسد أول مرة في الثمانينيات بسبب معارضته محاكمةَ أعضاءٍ من الإخوان المسلمين في سوريا، ثم انتقل إلى فرنسا بعد إطلاقه سراحه، ليعود إلى سوريا في العام 1991. ولاحقاً، ورث بشار الحكم، وبرز كيلو كشخصية مُعارِضة أثناء ربيع دمشق في العام 2000، وهي حقبة شهدت جدالاً سياسياً واجتماعياً عقب وفاة الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد. ونشط كيلو بكتابة مقالات كثيرة نُشرت في صحف لبنانية عدة، شرّح فيها الفساد السياسي والاقتصادي الذي كان ينخر سوريا بعد أكثر من 30 عاماً من حكم استبدادي أمني قمعي.

لم يدم “ربيع دمشق” طويلاً، وكان السماح في الاجتماعات في الاندية مجرد خدعة بعثية تمهد لتوريث الاسد الابن، إذ ما ان استقر على كرسيه، وشعر أن جمهور الاندية يزداد، وأن المحاضرين تنوعت افكارهم وزادت جرأتهم، حتى ألغت الأجهزة الأمنية كل المنتديات السياسية واعتقلت الكثير من المعارضين، في رسالة واضحة بأن شيئاً لم يتغيّر في “سوريا الأسد”، لا شكلاً ولا مضموناً، وكان كيلو الى جانب رياض سيف واخرين القوة الدافعة وراء لجنة إعادة إحياء المجتمع المدني، في العام 2005، وقّع معارضون وتيارات سياسية وقوى تغيير معارضة على وثيقة سياسية تحدد سبلاً لنقل سوريا من الاستبداد إلى الديموقراطية، عُرفت لاحقاً بـ”إعلان دمشق”، ثم وقّع ميشيل كيلو مع معارضين “إعلان بيروت – دمشق” في 2006، على وقع كتابات الصحافي سمير قصير(اغتيال عام 2005) التي رأي فيها رابطاً بين ديموقراطية سوريا ولبنان، لكن نظام الأسد اعتقل في ذاك العام كيلو وآخرين، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية”. وفي مرافعة شهيرة له أمام ما كانت تسمّى بـ”محكمة أمن الدولة”، كتب المحامي ادوار حشوة: “يوم اعتقل الأستاذ الصديق ميشيل كيلو كتبت بتاريخ 16 – 5- 2006 بعنوان “من رياض الترك الى ميشيل كيلو” مندداً باعتقاله ما يلي:ميشيل كيلو واحد من الجيل الاستقلالي في الحزب الشيوعي مع رياض الترك ثم تحول الى مستقل عن الأحزاب مفكراً حراً يرفض العنف ويؤمن بالعمل العام بالوسائل السياسية مندداً بالاغتيالات معتدلاً ومحاوراً ويعتبر الوطن ملكية مشتركة للجميع ولا يجوز الغاء هذه الملكية عن اي من مكونات النسيج السوري. كان ميشيل متنوراً وطنياً وتقدمياً بامتياز ولم يساوم يوماً الخارج على وطنه، ويرى ان الخلافات الداخلية تحتاج للحوار والمتابعه ولا تحل بالاستنجاد بالخارج ولا بالعنف. اعتقال ميشيل كيلو ومهما كانت الاسباب تضعف معسكر المعتدلين والمؤمنين بالحوار لا بالعنف. نحن في حركة الاشتراكيين العرب ندعو الى اطلاق سراحه باعتباره المحاور الأفضل في الزمن الصعب”.

وفي أيار/مايو 2007، أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق، حكماً عليه بالسجن ثلاثة أعوام بعد إدانته بـ”نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية”. ثم أحيل على المحكمة العسكرية بتهمة جديدة هي “تسويق إعلان دمشق ــ بيروت داخل السجن وحض السجناء على التوقيع عليه”.

وخلال السنوات الثلاث التي قضاها في سجن عدرا، رد قضاة الأسد أكثر من عفو للإفراج عنه، وكان مثيراً للسخرية والاستهزاء أن تنشر صحافة النظام أخبار عفو “السيد الرئيس” مشفوعة برفض القضاة لأسباب قانونية.. فلم يُفرج عنه إلا في 19 أيار/مايو 2009، بعد خمسة أيام من انتهاء محكوميته.. لكن الأسباب الحقيقية لهذا كان يمكن البحث عنها في مقالة ميشيل كيلو الشهيرة “نعوات سورية”. اتخذ كيلو من أوراق النعي في مدينته اللاذقية، عنواناً فاضحاً لطائفية الجيش واستبداد العائلة، وتوحش “سلطة الريف” في تشويه وانهاك المدن فكتب يقول: “ما أن تقرأ أوراق النعي، حتي تكتشف أنك لست فقط حيال رجال فارقوا الحياة الدنيا، بل كذلك أمام وضع اجتماعي/سياسي/ثقافي وطني، بالأحرى لا وطني، تفضح الأوراق حقائقه المؤسفة والخطيرة، التي تكونت خلال السنوات التي قالت السلطة فيها إنها تبني عالماً من المساواة والإخاء والحرية والمواطنة، وتمحو الفوارق بين الريف والمدينة. عندئذ، ستهز رأسك بأسي، وستخشى ما تشي الأوراق به من مصير بائس ينتظر وطنك، وستترحم علي نفسك، خاصة حين تبحث عبثاً في أوراق النعي عن شيء يشي بوجود زواج أو قرابة بين المدينة وريفها، وبين محمد علي وعلي محمد، فلا تعثر علي أثر لأي منهما، رغم أن صوراً وملصقات ويافطات كثيرة تنتشر علي جدران المدينة وفي شوارعها تخبرك أنك تعيش في سورية الحديثة”.

في ربيع 2011، اندفعت جموع السوريين إلى الشوارع، معلنة تحطم جدار الخوف البعثي، فأعلن كيلو تأييده المطلق للثورة، وهو ما عرّضه إلى مضايقات من قبل الأجهزة الأمنية هددت حياته. وفي شباط/فبراير 2012، شكّل كيلو ومجموعة من المعارضين البارزين المنبر الديموقراطي السوري.

تعرض كيلو إلى انتقادات حادة بسبب تصريحاته المثيرة للجدل، لوكالة الأناضول التركية، حول جبهة النصرة والتي قال فيها: “إن جبهة النصرة لا تشكل تهديداً على الساحة السياسية في سوريا”، وحيث وصفته وكالة سانا التابعة لنظام الأسد بأنه “يدفع الجزية السياسية”، فيما أطلق ميشيل كيلو هيئة “سوريون مسيحيون من أجل العدالة والحرية”، وتعرض لهجمات من الكثيرين بسبب مواقفه التي وصفت بالملتبسة، وتجدد الهجوم مع دعوته إلى احترام مبادرة الشيخ معاذ الخطيب ومناقشتها بروية قبل قبولها أو رفضها… أما المنبر الديموقراطي الذي أسسه، فقد استقال بعض أعضائه احتجاجاً على إطلاق ميشيل لهيئة “سوريون مسيحيون من أجل العدالة والحرية” والتي رأى بعضهم أنها (انحراف طائفي) يستجيب للواقع الذي طفا على السطح في خضم الحديث عن موقف الأقليات من الثورة.

في العام 2013 انضم كيلو إلى “الائتلاف الوطني السوري” وكانت توجهه ليبراليا، انسحب كيلو لاحقاً من المشهد السياسي المؤسسي، مستقراً في باريس، حيث تفرغ للكتابة حتى رحيله، لتشريح ما جرى خلال عقد كامل من عمر الثورة…

ترجم كيلو بعضاً من كتب الفكر السياسي إلى العربية منها كتاب “الإمبريالية وإعادة الإنتاج”، و”لغة السياسة” لجورج كلاوس، وكذلك كتاب أ.ك. أوليدوف “الوعي الاجتماعي”، “السياسة في الحرب العالمية” لماكس فيبر، و”نظرية الدولة” لنيكوس بولانتزاس.. صدر له مؤخراً عن دار موزاييك للنشر والدراسات كتاب “من الأمة إلى الطائفة” وهو عبارة عن دراسة نقدية لحكم البعث والعسكر في سوريا؛ درس فيها الكاتب المرحبة نقدياً، على ثلاث مراحل، امتدت أولاها من عام تأسيس حزب البعث العربي العام 1947 إلى العام 1966، سنة الانقلاب. والثانية من انقلاب 23 شباط 1966 إلى 16 تشرين الثاني 1970؛ عام انفراد الفريق حافظ الأسد (1930-2000) بالسلطة. والثالثة من العام 1970 إلى قيام الثورة السورية في 15 آذار 2011.