الرئيسية / home slide / رحيل جورج زيناني.. تلميذ بول ريكور وجامع الفلسفة والدين

رحيل جورج زيناني.. تلميذ بول ريكور وجامع الفلسفة والدين

المدن – ثقافة|السبت23/01/2021
Almodon.com

“ألا يشكّل مفهوم الحرية ذاته، الوهم الأكبر الذي أضفاه الإنسان على نفسه عبر العصور ؟”رحل الأكاديمي والمترجم الفلسطيني اللبناني، جورج زيناتي (1935 – 2021)، تلميذ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور ومُترجمه. وهو، بحسب عارفيه وطلابه، “أحد أبرز المترجمين العرب” في الفلسفة، وكان اسمه على غلاف كتاب كفيلاً بمعرفة اهمية النص المترجم.. “أفنى العمر في البحث والتدريس والتأليف”، و”كان يحمل في شخصه كل مواصفات الفيلسوف، فهو موسوعي المعرفة من دون ادعاء، لأنه آمن بأن الفلسفة همها التفتيش عن الحقيقة”.

وتقول الجامعية وفاء شعبان، أن زيناتي “أمضى حياته ملحداً” و”أنتهى مؤمناً مسيحياً”، رابطة عودته إلى الإيمان بـ”البحث عن معنى لحياته”، وتعتبر “أن الإنشداد المتجدد إلى الإيمان المسيحي لا ينفصل عن حسرته على القدس التي يرى أن لا مسيحية من دونها، وما حل بها جريمة ارتكبها الغرب بحق المسيحية” وبحسب الاستاذ الجامعي محمد جمعة، “كانت لزيناتي الفيلسوف رؤيته للفلسفة العربية، التي لم تخرج من إطار محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة، وبرأيه أن الفلاسفة العرب والمسلمين في معظمهم، لم يرغبوا في أي صراع مع العقيدة، بل آثروا الانصراف إلى بحوثهم بحُرية وتأمين حماية الحاكم لهم”.
جورج زيناتي، صاحب كتاب “رحلات داخل الفلسفة الغربية”، الذي يأخذنا في رحلات داخل الأطر التي كوّنتها الفلسفة الأوروبية منذ أخذت في التحرر من سيطرة اللاهوت، وفي نهاية المطاف يحط الرحال ليكتشف الصلة بين الفلسفة والحضارة التي أنتجتها. وفي كتابه “الفلسفة في مسارها”، يتتبع المسار التاريخي في استعراض تطور الفلسفة، من دون أن يلتزم المنهج التاريخي الخالص في معالجته وبحثه؛ فما يختص بالتاريخ في هذا الكتاب هو الاتجاه العام من الماضي إلى الحاضر في رحلة نقدية جدلية، عميقة وممتعة. يتناول زيناتي الفلسفة، لا كموضوع بذاته مستقل عنه كلَّ الاستقلال، بل يتناولها بحميمية وتقارُب روحيين.

فالفلسفة، تاريخيًّا، هي العلوم كلُّها، ولا تنوجد من غير عِلم: فهي “مرتبطة ارتباطًا عضويّاً بالعِلم وتقدُّمه، وهي تصاحب هذا التقدم ولا تستطيع أن تتابع طريقها بمعزل عنه”. وفي سعيه إلى بناء علاقة الإنسان بحُريته، يطرح جورج زيناتي في كتابه “الحرية والعنف”، تساؤلات عديدة: ألا يشكّل مفهوم الحرية ذاته، الوهم الأكبر الذي أضفاه الإنسان على نفسه عبر العصور المختلفة، كي يخفي حقيقته عن نفسه ذاتها؟ كيف يمكننا أن نؤسّس علمياً مفهوماً كهذا ربما لم يكن في العمق إلا حكماً مسبقاً غير عقلاني؟ كيف يمكن تثبيت الطابع العلمي الموضوعي لمثل هذه الحرية؟ ألسنا أمام مفهوم يستعصي على كل نَسْقَنَة، وكل بنيوية للفكر؟ ألا تمثل فلسفة الحرية خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى ميل الفلسفة الحالي إلى أن تكون موضوعية في عمق ماهيتها، والتي تجد في مثل هذه الموضوعية سبب وجودها، بل وجودها عينه؟”

وُلد زيناتي العام 1935 في حيفا، وهو في الأصل من بلدة سخنين، حيث لا تزال أملاك العائلة. بسبب مجازر الصهاينة، تهجّرت العائلة مشياً على الأقدام إلى لبنان، حيث تعلم في مدارسه وتخرج من مدرسة الآداب العليا في بيروت أستاذاً للفلسفة، وسافر الى أفريقيا ليدرس في مدارس غينيا والكونغو، وغادر بعد ذلك إلى باريس ليتابع دراساته في الفلسفة. وقد حصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة باريس، فرنسا، العام 1972، وكانت أطروحته الرئيسة بإشراف بول ريكور. أما أطروحته الثانية فكانت حول ابن باجه الأندلسي.

عمل أستاذًا للفلسفة الحديثة والمعاصرة والدراسات العليا في كليتَي التربية والآداب في الجامعة اللبنانية، ورئيسًا لتحرير مجلّة “الباحث” في فرنسا. له مؤلفات عديدة بالعربية، منها: “رحلات داخل الفلسفة الغربية”؛ “الظمأ الأبدي”؛ “الحرية والعنف”، و”ابن باجة وآثاره” الذي يحاول فيه مقاربة ابن باجة من الناحيتين الشخصية والمعرفية، والإضاءة على أبرز مكونات فكره الفلسفي ورؤيته للإنسان عقلًا وجسدًا، ودراسة تأثره بمن سبقوه من فلاسفة، وتأثيره في مَن لحق منهم، في الشرق كما في الغرب. في خاتمة الكتاب، يقول زيناتي إنه على الرغم من أن الفلاسفة العرب لم يستطيعوا أن يخرجوا عن سيطرة أرسطو، الأمر الذي كان يحرمهم من نقده وتقديم الجديد من بعده، فإن ابن باجة خالف أرسطو في نظرية المعرفة وإنسانه الاجتماعي، وأخرج تاليًا الفكر العربي من سجنه. ثم بطرحه إشكالية ما إذا كانت الفلسفة العربية محاولة توفيق بين الدين والفلسفة، يخلص إلى أن الفلاسفة في معظمهم لم يرغبوا في أي صراع مع العقيدة، بل مجرد الانصراف إلى بحوثهم بحرّية، وتأمين حماية الحاكم لهم.

ترجم زيناتي عن الفرنسية: “انفعالات النَّفس” لرينيه ديكارت؛ و”تاريخ بيزنطة لجان – كلود شينيه؛ و”الفلسفة الأخلاقية” لمونيك كانتو سبيربر وروفين أوجيان؛ و”الذات عينها كآخر”؛ و”الذاكرة، التاريخ، النسيان” لبول ريكور. وأتقن جورج زيناتي، اللّغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية، ويلم باللّغات اللاتينية والألمانية واليونانية.