الرئيسية / home slide / رحيل جان لوك غودار عن 91 عاماً: السينما من دون إلهها

رحيل جان لوك غودار عن 91 عاماً: السينما من دون إلهها

14-09-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

هوفيك حبشيان

جان بول بلموندو في “بيارو المجنون”.

A+A-

“موت غودار”! ما أصعب ان يكتب ناقد #سينمائي تلك الجملة المؤلفة من كلمتين على رأس مقاله. لم أجد سوى موسيقى “الاحتقار” لجورج دولورو، تصدح في أذنيّ عبر السمّاعة، لأكتب النصّ الآتي. ذلك اللحن الموجع على شكل لازمة حزينة يستفز الذاكرة السينيفيلية ويعيد جمع الصور المبعثرة على غيمتي الافتراضية، ما يساعد في استحضار الماضي وكتابة هذا الرثاء في رحيل #جان لوك غودار الذي مات أمس عن 91 عاماً. فغداً، ستشرق الشمس وغودار ليس هنا منذ 3 كانون الأول 1930. هذه الشمس التي كانت تشرق في ظلّ غودار، إله السينما وأجمل مخلوقاتها. تصعب الكتابة عن الرجل كما نكتب عن آخرين، فهناك السينمائيون وهناك غودار. اذا كان سواه جسّد السينما بأشكالها المختلفة، فهو السينما نفسها. وحده، بلا شريك.

أمضى غودار ثلثي حياته بين الأشرطة. 60 سنة أنجز خلالها ما يُقارب المئة فيلم (21 منها عُرضت في مهرجان كانّ السينمائي حيث كان في أولى صفوف الحراك الذي حدث فيه في دورة 1968) لا تنتمي الا إلى نمط ابتكره غودار بنفسه، نمط يخربط التوقّعات ويقفز بين الأنواع، يحرّف ويلغي ويضيف ويحذف ويشتبك، ذاهباً في الاتجاه المعاكس لِما هو مقبول، قبل ان ينتقل في العقدين الأخيرين من حياته، إلى سينما أقرب من التجريب، ذروة جديدة أصبح أحد أسيادها.

ولد غودار مع ولادة السينما الناطقة، وكان أحد أقوى أصواتها التي تردد صداها في العالم. ألهم ولم يلهمه أحد، تشبّه به آخرون ولم يشبه أحداً، كثر مشوا على خطاه وأضاعوا طريقهم. بصمته فريدة، حضوره داخل السينما وخارجها لا يتكرر، غيابه يطوي الكثير من ماضي السينما، في هذه المرحلة بالذات حيث الخطر الذي يهدد هذا الفنّ هو الأقوى منذ عقود. ترك قصائد بصرية عابرة للزمن، عبارات لمّاحة، والأهم حبّ السينما الذي زرعه داخل كثر منّا ونمت أغصانه إلى ان أصبحنا نتظلل بها.

جان لوك غودار (1930 – 2022).

ابن السينماتيك

لا يتذكّر غودار أي فيلم شاهده وأعلن على أثره فوراً: “أريد ان أكون سينمائياً”. يقول انه لا بد ذهب لمشاهدة أفلام والت ديزني، مثل كلّ الصغار في طفولتهم. غير انه ليس مثل كلود لولوش الذي يقول “في الثالثة شاهدتُ ذاك الفيلم في يوم كذا فعرفتُ أني سأكون سينمائياً”. لكنه يتذكّر جيداً انه شعر في السينماتيك الفرنسية بأنه “سيتعاطى” الأفلام لبقية حياته. في مؤسسها هنري لانغلوا وجد “أباً”، وفي الناقد أندره بازان معلّماً تنويرياً. دخل السينما كما يعتنق آخرون ديانة. هناك، اكتشف عالماً لم يحدّثه أحد عنه، لا المدرسة، ولا الأهل. “لماذا اخفوا عنّي وجوده؟ حدّثوني عن غوته، لكن ليس عن دراير… اكتفينا بالمشاهدة. كنّا نشاهد أفلاماً صامتة في حقبة السينما الناطقة، كنّا نحلم بأفلام، وكنّا نسمع عن أفلام لم نشاهدها أبداً. “الموجة الجديدة” كانت هذا: كنّا مثل مسيحيين اهتدوا دون ان يروا أبداً المسيح أو مار بولس. السينما الجيدة، الحقيقية، كانت التي لم نكن نشاهدها لأنها لم تكن تُعرض. السينما الاخرى، كنّا نستطيع مشاهدتها كلّ سبت. لكن السينما الحقيقية، غريفيث، أيزنشتاين… كنّا نشقى كثيراً لمشاهدتها، فإما كانت ممنوعة أو غير معروضة أو موزّعة في شكلّ سيئ…”.

بدأ غودار، الفرنسي السويسري المولود في باريس، ينخرط في السينما في ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية خاصة، بعد نحو عقد من نهاية الحرب العالمية الثانية والتغييرات التي حدثت خلال “الثلاثون المجيدة” التي كانت ستعيشها فرنسا وأوروبا في تلك الفترة، وكانت الحاجة إلى أصوات جديدة من خارج الأسماء المعروفة، بدأت تلح. فكانت “الموجة الجديدة الفرنسية”، وكان هو أحد الذين زرعوا بذورها مع تروفو وشابرول ورومير وريفيت، من دون ان يعلموا انهم يضعون خطاً فاصلاً بين ما سيتحوّل إلى “ما قبل” تلك اللحظة و”ما بعدها” في تاريخ الفنّ السابع. فيلمه “مخطوف النفس” (1960) الذي كتبه صديقه اللدود فرنسوا ترفو، من أول أفلام هذه الحركة الثورية. مع الوقت، ارتقى الفيلم إلى مصاف الاسطورة. صورة شهيرة لجانّ سيبيرغ في دور طالبة أميركية تبيع الصحف في شوارع باريس كي تؤمّن ثمن دخولها السوربون مع جان بول بلموندو الذي أصبحت عبارته “اذا كنتَ لا تحب البحر ولا تحب الجبل ولا تحبّ المدينة، فاغرب عن وجهي”، وهو يتوجّه بها إلى الكاميرا، أشهر عبارات السينما، زيّنت جدران غرفنا ونحن مراهقون نكتشف لتوّنا السينما الفرنسية. مع هذا الفيلم، فجّر غودار قنبلة، ناسفاً الكثير من “سينما الآباء” المصنوعة داخل الاستوديوهات، مشرّعاً الطريق أمام سينما حرة طليقة، لا تحكمها القيود مهما تكن أشكالها، وخارجاً على الحدود القديمة، الجمالية منها والسردية. معه، نزلت الكاميرا إلى الشارع، حُملت على الأكف، اقتحمت اليومي والعادي والحميمي، وما عادت حاضرة فقط في مكان الحدث، بل في المقلب الآخر أيضاً. وداعاً للسيناريو الذي كان حتى الأمس “انجيلاً” في موقع التصوير، وداعاً للشكل التقليدي للممثّلين ولحواراتهم، وداعاً للنحو الذي تصوَّر فيه باريس… كانت نقلة في الكتابة الفيلمية، نقلة في استخدام المونتاج، نقلة في كيفية تحرّك الأجساد داخل الكادر. باختصار: الحرية في أبسط معانيها. كلّ شيء بدا فجأةً جديداً، مغايراً، طازجاً، يحمل ألوان العصر وتكثيفه، همومه وهواجسه، شخصياته المتناسلة من الواقع، لا بطل رواية بعيدة. أحضر غودار طيف السينما الأميركية، التي عشقها هو ورفاقه، وفكّكها طولاً وعرضاً في مقالاته على صفحات “دفاتر السينما”، في واحد من أول الأفلام التي كانت تزخر بالاشارات إلى السينما والموسيقى والأدب. هكذا دخل غودار التاريخ، وهكذا دخلت السينما الحداثة، عائداً بها إلى نقطة الصفر.

“كلّ شيء كان متحجّراً”

غودار ورفاقه الذين ذهب كلّ منهم لاحقاً في اتجاه، لا بل في اتجاهات نقيضة بعضها لبعض، جعلوا كلّ شيء ممكناً في ظلّ “الموجة الجديدة”. قبل تلك اللحظة، وبحسب غودار، “كلّ شيء كان ممنوعاً، متحجّراً، حرفياً في أسوأ معاني الكلمة”. في مقابلة مع مجلة “استوديو” نُشرت في العام 1995، أعلن: “قلنا: كلا، لا ممنوعات، ممكن العمل مع صديقة وكتابة ما نرغب في كتابته. وأنجزنا أفلاماً ضد القواعد السائدة. “الموجة الجديدة” ولدت أيضاً من روحية التعارض. صوّرنا أفلامنا في الشارع، اذ في الحقبة تلك كلّ الافلام كانت تصوَّر في ديكورات داخلية. لو صوّروا في الشارع، لكنّا صوّرنا ربما في الداخل”.

الصفحة الأولى لجريدة “ليبراسيون” الفرنسية الصادرة هذا الصباح.

“الاحتقار” (1963) ذروة أخرى في الفنّ الغوداري. فيلم عن السينما ومن داخلها. من الصعب إيفاء حقّ هذا الفيلم “الاسطوري”، الذي جاء مراراً في قائمة أفلام النقّاد العشرة المفضّلة العابرة للأزمنة. منذ الجنريك، يضع غودار أسس سينما معارضة، تتجلّى من خلال كلمة أندره بازان في التعليق الصوتي: “السينما تستبدل بنظرتنا عالماً يتطابق مع رغباتنا”. ثلاثة من الكبار يضطلعون بالأدوار الرئيسية: ميشال بيكولي، بريجيت باردو وفريتس لانغ. صُوِّر الفيلم في كابري الإيطالية ويتضمّن مناظر خلابة للبحر انطلاقاً من التلّة التي تقع عليها الفيللا حيث مكان اقامة الشخصيات. مشاهد المداعبات والكلام اللذيذ بين بيكولي وباردو (“أحبّك بتراجيديا” يقول لها)، بالاضافة إلى نزلات الكاميرا وطلعاتها على جسد ب. ب. بعدسة راوول كوتار، دخلت معبد الصورة الحيّة. أما الحكاية فليست أكثر من كونها تروي اللحظات الأخيرة من علاقة بين رجل وامرأة أصبحا على عتبة الانفصال. فكلّ شيء يبدأ مع وصول بول وزوجته كاميّ (بيكولي وباردو) إلى كابري حيث من المتوقع ان يساعد المخرج فريتس لانغ (يلعب ذاته في الفيلم)، لمواصلة عملية كتابة سيناريو فيلم “عوليس”. ما إن يصبح هناك حتى تتأزم العلاقة بينه وبين زوجته، ظنّاً منها بأنه يرميها في أحضان المخرج الكبير كي يتسلّم المهمة. أُسأل دائماً من محبّي سينما شباب: من أين ينبغي البدء في التعرف إلى غودار؟ ربما من “الاحتقار”. نحن أمام رائعة قاومت الزمن. هناك رمزيات لا يسهل التقاطها من المشاهدة الأولى، ويستغل غودار هذا كله كي يطرح نظرياته في السينما بين الحاضر والماضي، بين سينما الآباء المتمثّلة في صورة المنتج و”الموجة الجديدة” التي تتخذ ملامح باردو. وما بيكولي بقبّعته وسيجاره، الا “غودار ثانٍ”، يلملم ألمه قبل الذهاب إلى الموت.

أراغون: “ما هو الفنّ؟ انه غودار”

“بيارو المجنون” (1965) ذروة ثالثة. تطريز مدهش، نسيج من بقايا أشياء، عمل خاص بالألوان الفاقعة (الأزرق والأحمر لا مثيل لهما في السينما)، يكشف اندفاع غودار إلى السينما هذه، بكلّ جنونه وفلتانه وحريته. ميلانكوليا وشاعرية ورومنطيقية تلتقي في فيلم واحد تخطف فيه آنّا كارينا، خصوصاً عندما تكرر جملة “ماذا يمكنني ان أفعل؟ لا أعرف ماذا أفعل؟”، القلب، لكن في تلك الفترة لم يحدث الفيلم الاجماع، فالنظرة إلى أفلامه كانت لا تزال قاصرة. الشاعر لوي أراغون من الذين أثنوا على الفيلم، اذ كتب مقالاً في الصفحة الأولى من مجلّة “الآداب الفرنسية” في عنوان: “ما هو الفنّ؟ انه جان لوك غودار”. اليوم، دخل الفيلم متحف الكلاسيكيات الخالدة. البطلان (كارينا وبلموندو) “غوداريان” بكلّ ما تحمله العبارة من مستويات. يجوبان طرق جنوب فرنسا، على موسيقى أنطوان دوهاميل، بحثاً عن حبّ وحرية ورغبة في الذهاب إلى أقاصي الجنون. ماغريت، بيكاسو، فان غوغ، سامويل فولر، بيتهوفن، وغيرهم هم ضيوف في الفيلم، ولو عبر ذكرهم أو عُرِضت لوحة لهم، في واحد من الأشياء التي كانت ستتحوّل إلى توقيع غوداري. بلموندو الذي نراه يقرأ كتاباً وفي فمه سيكارة، مستلقياً داخل البانيو، يشكّل مع كارينا من أجمل الثنائيات في السينما الفرنسية، إن لم يكن أجملها.

بدءاً من نهاية الستينات، اختار غودار ان ينجز سينما أخرى، سينما لا يحاصرها أي قيد أو شرط، مسيسة ومناضلة، يفعل فيها ما يريده، لكن، من دون ان يخون “ثورة” البدايات، كما فعلها تروفو أو شابرول اذ قررا الابتعاد عنها. غودار حافظ على تلك الشعلة التي تنير عتمة الدروب. ثورة 1968 خط فاصل في رؤيته للسينما والسياسة والفنّ والحياة وكلّ شيء. وهذه السينما التي فيها العظيم والأقل عظمةً، الملتزم أو نتاج اللهو بوسيط يعلم كلّ أسراره، انقسم حولها الجمهور والنقّاد. منذ حقبته الماوية إلى انكبابه على أفلام عن فلسطين وغيرها، مضى غودار في خيارات أكثر راديكاليةً. انصاره، وأنا منهم، اصطفّوا إلى جانبه وشدّوا على يده في الحلو والمر. فيلسوف السينما لا يمكن ان يخطئ، وإن أخطأ فهذا جزء من روعته، ثم ان أخطاءه أجمل من صواب الآخرين. في المقابل، بقي جمهور آخر له، عالقاً في الستينات، رافضاً الصعود معه في قطار التجريب والتخريب والاشتباك مع اللغة السينمائية. طائفة غودار تعتبر نبيّها خلق السينما بلا انقطاع، وكلّ فيلم جديد له ساهم في عدم موت الشاشة. في أي حال، النصّ الغوداري يعرف كيف يدافع عن نفسه.

سينما بين المطهر والجنّة

“موسيقانا” (2004) أمثولة في السينما التي لجأ اليها غودار بعد تجاوزه السبعين. يقترح فيه المعلّم رؤيته الخاصة للحروب والمجازر في ثلاثة فصول: الجحيم، والمطهر والجنّة. منذ البداية، يدخلنا عالمه الخاص حيث يمتزج الخيالي بالواقعي والتسجيلي بالتصويري. صور لقتلى وجرحى ودبّابات ونزوح ودمار وعنف وألم بالأسود والابيض والألوان. هذا كله على الوقع المقلق لضربات البيانو الواحدة تلو الأخرى. يرى غودار ان الأمل الوحيد موجود أمام المهزوم. ويقول محمود درويش في الفيلم ان الشعب الفلسطيني سيئ الحظ، لأن عدوّه يتمثّل بالدولة الإسرائيلية التي يدافع عنها الجميع. لكن هذا الشعب محظوظ أيضا لأنه يملك عدواً تسلط عليه كلّ الاضواء.

“فيلم اشتراكية” (2010) نموذج آخر لهذه السينما. كعادته، يقفز غودار من موضوع إلى آخر، مكثّراً الأقوال الشهيرة والأقل شهرةً من مكتبته الضخمة، غير مكترث بالانسجام بين الصورة وخلفيتها. هنا، ثمة مقاربة جديدة قديمة للتاريخ. غودار لا يسائل التاريخ بقدر ما يحاكمه واضعاً إياه على أريكة المحلل النفسي، معانقاً ثمانية عقود من التاريخ الآدمي. يختلط الروائي والأرشيفي، الحرب والسلم، الصورة النقية والرديئة، على وقع موسيقى الأرغن. موزاييك من الصور تنهش الشاشة، يرافقها كمّ من الكلمات المتقاطعة. شيئاً فشيئاً، يتوضّح لماذا عنون غودار فيلمه بـ”فيلم اشتراكية”. كرهه للفائدة المادية يتجلّى في العبارة الآتية: “جرى اختراع المال، كي يخاطب الناس بعضهم بعضاً من دون ان ينظر الواحد في عين الآخر”. “وداعاً للغة” (2014)، مانيفستو سينمائي آخر، استخدم فيه المعلّم الأبعاد الثلاثة وتقنية “صورة فوق صورة”، محوّلاً الشاشة إلى شيء لا يمكن النظر اليه. تخطّى هنا كلّ الحدود المسموح بها. فرض علينا الا نرى.

غودار لا يُقارَن الا بغودار

أما “كتاب الصورة” الذي اختتم به مسيرة سينمائي اختار ان يقف على أعلى قمّة في التاريخ، وفي يده الوصايا العشر السينمائية، فكان ختاماً غودارياً. للمناسبة، مناقشة المرحلة الغودارية عند غودار، قضيّة لا معنى لها، الرجل فوق النقد، اذ لا توجد مرجعية يمكن الاستناد اليها لتقييم هذا العمل أو أي من أعماله الأخيرة. هذا شيء يتجاوز السينما والفنّ، يكسر علاقة الصانع بالمتفرج التقليدية، انه مفهوم للسينما يتجرّد كلياً ليعود إلى الأصل والمنبع، أي إلى الفكرة والكلمة، لذا لا يُمكن مقارنة غوادر إلا بغودار. المتفرج في “كتاب الصورة” شاهد أكثر منه متفرجاً، وفي هذا ينبذ غودار تقاليد العمل الفني ليحملنا إلى لعبة تماهٍ من خلال حرفة يملك سرّها، وهذه الحرفة هي في قلب عملية خربطة علاقتنا بالمشاهدة منذ زمن طويل. غودار يُغرقنا في نهر من الصور المتدفقة التي تخنقنا حرفياً. لا نفهمها دائماً، لا نتدارك مكانها في الإعراب، نبحث عبثاً عن منطقها التسلسلي، ولكن هل من ضرورة لهذا المنطق؟

روح معذّبة اختارت لحظة الرحيل

لا يذهب الكبار إلا بعد أن ينتزعوا منّا الكثير ويتركوا فينا الكثير أيضاً. غودار من هؤلاء. تأثيره المستقبلي في الذاكرة الجماعية سيكون كبيراً، والامتنان له أننا عشنا في زمنه، سيكون أكبر. غودار الذي لطالما كان حاضراً عبر غيابه (مثلما كان حاضراً في فيلم أنييس فاردا عندما راحت الأخيرة لزيارته فكتب لها كلمة على الباب ولم يفتحه)، سيبقى حاضراً في غيابه الأبدي، وسيبقى في وجدان كثرٍ منّا ذاك الشاب الذي صرخ قبل أكبر من نصف قرن، أيام ثورة 68: “أكلّمكم عن تضامن مع الطلاب والعمّال، وأنتم تحدّثونني عن حركة ترافلينغ ولقطة قريبة”. هذا الثائر الطوباوي، صاحب الروح المعذّبة الطريفة العذبة، لم “يتبرجز” يوماً، ظلّ مبهماً غاضباً مستفزاً، حتى في ثمانيناته وهو يطل في فيلم وثائقي خالطاً النبيذ بالماء، مواصلاً مشاكسة مكتسبة عنده منذ الصبا يوم خاصم عائلته. أخيراً، هذا المثالي الذي قال ذات يوم بأنه لا يريد ان يموت قبل رؤية أوروبا سعيدة وقبل ان يرى كلمتي “روسيا” و”سعادة” مقترنتين من جديد، كان توقّف عن الاعتقاد ان الفن يغيّر العالم، فاختار موعد رحيله، انتحاراً مدبّراً تحت عناية طبية (اجراء مسموح به في سويسرا)، وفي هذه الخطوة الأخيرة، كلّ غودار الذي عرفناه وأحببناه: إله سينما يختار لحظة العصيان وأدواته.

الكلمات الدالة

جان لوك غودار سينما