رحيل بطريرك وتحولات بلد


من انجازاته وقف الحرب وتقديم الغطاء لاتفاق الطائف من دون التوقف امام ما كلفه ذلك من حرب باردة ضده من جانب قوى صارت تطالب اليوم بتطبيق الطائف بالكامل

رفيق خوري 
كاتب مقالات
رأي 
 الثلاثاء 14 مايو 2019 20:15
https://www.independentarabia.com

البطريرك صفير رافق صعود لبنان السياسي والإقتصادي والأدبي (أ.ف.ب)

قصة البطريرك نصرالله صفير هي في الزمان والمكان مختصر قصة لبنان. ولا بلد ينجو من حكم ما سماه هيغل “التاريخ الكلي”. قدر البلدان الصغيرة أن تحكم عليها لعبة الأمم بأن تكون “ساحة” للصراعات. وقدر الكبار في البلدان الصغيرة ان يجيدوا فن “ادارة الرياح” لمحاولة التحول من ساحة إلى وطن. وما أكثر الرياح والرمال المتحركة في الشرق الأوسط. وما أسرع تأثر لبنان بالتحولات في المنطقة، وان حاول في كل مرحلة فريق ما ان يلعب دور المؤثر في التحولات. وإذا كانت الحروب هي الميادين التي تكرس ادوار الكبار في العالم، فان الدور الذي لعبه البطريرك صفير خارج الحروب وضدها هو الذي جعله كبيراً عند الشعب وفي سجل التاريخ.

نصرالله صفير وُلد قبل أربعة أشهر من ولادة لبنان الكبير عام 1920 من رحم الحرب العالمية الأولى. إذ سمح سقوط السلطنة العثمانية واتفاق سايكس – بيكو بإعلان لبنان في جغرافيته الحالية بعد جغرافية الامارة الشهابية ثم القائمقاميتين ثم متصرفية جبل لبنان في القرن التاسع عشر، تحت اشراف الدول السبع الكبرى في تلك الأيام. وكان للبطريرك الياس الحويك دور في الإصرار على حدود لبنان الحالية خلال مؤتمر فرساي وبداية الإنتداب الفرنسي على لبنان وسوريا. وفي شبابه شهد صفير الاستقلال الذي ولد عام 1943 من رحم الحرب العالمية الثانية.  وكان للبطريرك انطون عريضة الى جانب زعامات من كل الطوائف تقدمها رياض الصلح دور في انتزاع الاستقلال من فرنسا الديغولية بمساعدة بريطانيا والاتحاد السوفياتي. ثم كان للخوري ولاحقاً للمطران صفير ان يشهد الدور الذي لعبه البطريرك بولس المعوشي في الحرص على الوحدة الوطنية خلال احداث 1958 الدامية التي اختلطت فيها الحرب الأهلية بالصراعات الإقليمية والدولية، ثم أن يعمل في بكركي الى جانب المعوشي ويكتسب الكثير من الخبرة.

في بكركي، حيث الثوابت التاريخية، أمسك صفير بحقائق اللعبة السياسية على المسرح اللبناني وأدرك خفاياها في الكواليس. وهناك بدأ دوره كنائب بطريركي ثم كبطريرك عام 1986 بعد استقالة البطريرك أنطونيوس خريش، وبقي حتى استقالته عام 2011 البطريرك الكبير الدائم. كان صفير يمثل القوة الهادئة التي تعطي الأولوية القصوى للحرية والسيادة والوحدة الوطنية. صلابة من دون تصلّب. ثوابت من دون تجاهل المتغيرات. سرعة بديهة وقدرة هائلة على السخرية الناعمة. أستاذية في العربية والفرنسية. لا تراجع عن موقف حق مهما تكن الضغوط والظروف، والرد الدائم هو: “قلنا ما قلناه”. وكان قوله واضحاً ومختصراً لا حاجة الى معجم لتدرك ما يقصده. رفض كل العروض والدعوات الى زيارة دمشق حتى لمرافقة البابا يوحنا بولس الثاني ما دامت قواتها العسكرية في لبنان. وكلما حاولوا إحراجه كرر جواباً معبراً: “انا بطريرك الموارنة، ولم أعد نصرالله صفير. احمل على كتفي قضية وطن وشعب. هل أستطيع ان أذهب بهما وأعود بهما؟”. كان يدرك أهمية الوحدة الوطنية ويمارس موجباتها انطلاقاً من الايمان بما سماه الفاتيكان “لبنان الرسالة”، أي العيش المشترك. زيارته الأولى الى خارج بكركي كانت الى دار الفتوى للقاء المفتي الشيخ حسن خالد. وكانت المودة مشتركة بينه وبين الامام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين.

والسؤال الطبيعي هو: ما الذي أنجزه البطريرك صفير؟ الواقع، قبل الجواب، هو أن صفير الذي رافق صعود لبنان الوطني والسياسي والاقتصادي والفكري والأدبي والفني، وصل إلى السدة البطريركية في بدايات مرحلة الانحدار في كل شيء تقريباً. وأهم ما قام به، وكان يبدو في ظروف الحرب مهمة مستحيلة، هو وقف الانحدار من خلال ثلاثة أمور أساسية.

الأول هو وقف الحرب وتقديم الغطاء لاتفاق الطائف من دون التوقف امام ما كلفه ذلك من حرب باردة ضده من جانب قوى صارت تطالب اليوم بتطبيق الطائف بالكامل، وسط أحاديث عن الانقلاب عليه.

الثاني هو بدء المعركة الجدية لسحب القوات السورية من لبنان. وبالتالي للحصول على “الاستقلال الثاني”. فمن حيث تصرف كثيرون كأن سوريا باقية في لبنان إلى الأبد، فاجأ مجلس المطارنة الموارنة الجميع ببيان في سبتمبر (ايلول) عام 2000 يطالب بانسحاب القوات السورية بعدما انسحبت قوات الاحتلال الاسرائيلي من الحنوب في مايو (أيار) من العام نفسه. لكن تنفيذ الانسحاب انتظر ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام “ثورة الأرز” عام 2005، حيث تحققت الوحدة الوطنية وقويت الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية والفرنسية، على دمشق.

الثالث هو مقاومة الدعوات التي ارتفعت اصوات اصحابها في الحرب مطالبة بالتقسيم في لبنان، والأصوات الداعية إلى التوسيع بمعنى ضم لبنان إلى دولة عربية. فهو يعرف أهمية لبنان كوطن حرية في الشرق لا حماية له إلا بالوحدة الوطنية والتعددية ضمن الوحدة. وهو كان، إلى جانب زعامات في كل الطوائف، وراء الاتفاق في الطائف على النص الدستوري القائل: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”.

والسؤال الطبيعي الآخر هو: كيف حال لبنان اليوم؟ والجواب البسيط يتجاوز كون معظم فئات الشعب تتظاهر وتعتصم في الشارع ضد موازنة التقشف المجحفة في حق الطبقتين الوسطى والفقيرة، والمستمرة في سياسة زيادة الأثرياء والأقوياء ثراء وقوة. فنحن في ازمة متعددة الوجوه لا حلول لها في اليد. حدود لبنان ليست مرسّمة. الاستقلال الثاني الذي خلف الاستقلال الأول مهدّد بما يتخطى “الاستقلالات” الطائفية والمذهبية عن الدولة. والتحولات في المنطقة ضاغطة على لبنان بأكثر مما يستطيع التحمل. وليس من باب الخيال تخوّف كثيرين من التبدلات الديموغرافية، وتغيير الشعب بدل تغيير النظام.

لكن البطريرك الراحل صفير كان يقول دائماً في الظروف الصعبة “ان لبنان واجه عبر التاريخ ظروفاً أصعب وأقسى وبقي”. والمعركة على روح لبنان مستمرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*