الرئيسية / home slide / رحيل النحاتة غيلين طوروسيان: جسد المرأة العاري باعتباره خلاصة موسيقى الوجود

رحيل النحاتة غيلين طوروسيان: جسد المرأة العاري باعتباره خلاصة موسيقى الوجود

26-07-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

النحاتة غيلين طوروسيان.

الدكتور فيصل سلطان

لم تكن صديقتي النحاتة #غيلين طوروسيان (1951-2022) تعرف انها سترحل بعد أشهر قليلة من رحيل اخيها الفنان #هاروت طوروسيان الذي توفي مطلع العام الجاري في باريس عن عمر يناهز 89 عاما (1933-2022)، وخلال مشاركتها في معرض “اليوم الوطني للفن التشكيلي” الذي أقيم للفنانين اللبنانيين خلال شهر آذار الماضي في قصر الاونيسكو في بيروت اهدت إليّ كتابا عن حياة واعمال شقيقها الفنان، صدر باللغة الفرنسية في العام 2008 عن دار “شيراك” للنشر في بيروت.

شاءت الاقدار ان ترحل غيلين باكراً قبل ان تساهم في اعداد معرض استعادي لأعمال شقيقها هاروت. فهي من عائلة فنية عاشت أهوال الهجرات الأرمنية ومآسيها، نجا والداها بأعجوبة من مذابح الإبادة الأرمنية في العام 1915، والدتها روبيك نشأت وسط عائلة تتعاطى الفن والثقافة، لجأت الى لبنان واستقرت في منطقة برج حمود. ولد هاروت طوروسيان في العام 1933، درس الفن في الاكاديمية اللبنانية (الألبا) خلال أعوام 1953-1955، وتابع دراسته في العليا في المعهد العالي للفنون الجميلة في باريس في قسم الرسم والموزاييك خلال اعوام 1956-1961. وفي العام 1958 انتسب الى فناني محترف الفنان بيانشون، الذي أطلق عليه لقب الرسام الشاعر لإعجابه بأسلوبه في الرسم وخصوصاً الموديل العاري.

نشأت احلام غيلين الفنية وكبرت خلال معايشتها فصول ولادة لوحات شقيقها هاروت ومعارضه، وغالبا ما كانت ترسم في محترفه الذي أنشأه في بيروت بعد عودته من باريس العام 1961. إذ عرف هاروت شهرة في الأوساط الفنية اللبنانية إثر حيازته جائزة متحف سرسق في العام 1968.

رغبت غيلين في دراسة الفن بعدما أصبح هاروت أستاذاً للرسم في معهد الفنون الجميلة التابع للجامعة اللبنانية في العام 1967، ثم ما لبث أن شجعها صديقه النحات زافين هديشيان في اختيار الدراسة في قسم ال#نحت في معهد الفنون الجميلة العام 1970 لأنه رأى في رسوماتها إشارات موهبة خفية كنحاتة. فكانت غيلين من أوائل الطلاب الذين انتسبوا الى قسم النحت، الى جانب دلال كنج واميل عقل ونديم شوباصي وعزت حمام. في هذا السياق يؤكد الفنان نعيم ضومط ان هذا القسم افتتح مع هؤلاء واقفل بعد تخرجهم في العام 1975. تناوبت وقتئذٍ على التدريس العملي في محترف النحت باقة من كبار النحاتين اللبنانيين أمثال حسين ماضي ونعيم ضومط وزافين هديشيان ومنير عيدو. في هذا المحترف اكتسبت غيلين خصائص جماليات نحت الموديل العاري والوجه والنحت الناتئ (الباريليف)، لكتها آثرت خلال مرحلة حرب السنتين (1975-1976) الهجرة مع افراد عائلتها الى باريس ومتابعة دورات فنية في مجال فن الانصاب في متحف أريستيد مايول.

المرأة موضوعاً ملهِماً
منذ بداياتها الفنية كان موضوع المرأة يرافقها في مجمل اعمالها النحتية، في الطين والحجر والرخام والبرونز وصفائح المعدن. كانت غيلين تزاول النحت بأساليب مختلفة، متنقلة ما بين الكلاسيكية الأكاديمية، والتعبيرية المتحررة، والتجريد. عكست في مراحلها تداعيات تأثيرات محترف شقيقها هاروت، حيث مواضيع لوحات الموديل للمرأة العارية تنبض بدلالات الشعرية البصرية البسيطة والزاهية التي تتجلى من خلال الصفاء والطراوة والليونة. أصبح تكوين جسد المرأة العارية في منحوتاتها اشبه بقصائد تستشعر الشكل في العمق وتذهب مباشرة في اتجاه الجوهر، عبر دلالات متطلبات الحجم والكتلة الصغيرة أو الكبيرة الموسومة دوما بحركات ابراز الخطوط الخارجية لقوالب الشكل الذي يتسع من الداخل الى الخارج، كموضوع رئيسي واثيري، رافق مسيرتها الفنية طوال عقود وعقود.

تجلى موديل المرأة العارية في اعمالها، من خلال تموضعات عديدة عكست شغفها بالحركة ورشاقة الكتلة، وقوامها، فظهرت المرأة راقصة باليه، ثم المرأة الأم، والمرأة العاشقة، والمرأة القارئة، والمرأة الحالمة المرتبطة بظواهر الوجود والموسيقى الكونية. لكأن ايماءات المرأة تعكس في رسومها ومنحوتاتها كل معاني الحياة. فهي العلامة الثابتة والمتحركة التي تتوالد مع كل تجربة، كشكل لا يتكرر، بل كولادة جديدة لأشكال تتعمق وتتكيف وتتوغل في كشف سر الشغف الذي يطلق سراح التعبير عن إشارات شيء دفين كانت المادة توقفه.

اشتهرت غيلين طوروسيان كأستاذة للنحت في محترفات الاكاديمية اللبنانية (الألبا) ومعهد الفنون في الجامعة اللبنانية، كانت مثالا للعطاء دون حدود والمعرفة الواسعة في اتجاهات النحت الحديث في علاقته مع جمالية صفاء التبسيط ومجاهرته على اعتبار “ان التطابق الدقيق مع الواقع ليس هو الحقيقة”. كانت تعتبر ان النحت في اساليبه المختلفة يعكس موسيقى الوجود وهو النبع الكبير لكل المقاربات الإبداعية. بحثت في العقدين الأخيرين من عمرها (2002-2022) عن التطور الخلاق، بل عن طاقة توالد الشكل بالمعنى الغرافيكي كما يحضر في فنون الحداثة والمعاصرة، وقد انعكس هذا الأمر، في منحوتاتها المعدنية المتنوعة، التي قطفت بحرية روح الشكل ورهافته القائمة على بساطة تموضعه كي يبدو بمثابة حالة شعرية أو مجرد فكرة متخيلة. فجسد المرأة قبل كل شيء هو شكل من اشكال الوجود الذي اودعته غيلين اسرار حياتها، لذا أصبح مثل نوتات موسيقية تنطوي على الكثير من الحميمية والذاتية، التي لا تلغي الواقع بل تبسطه وتلمح اليه. من هنا أدركت كيف تعطي أشكالها النحتية ذات الحجم الصغير وظائف حياتية وجمالية (منضدة، حمّالة أوراق، قطعة مكتبية، فضلاً عن تصاميم الجوائز- التروفيه) إضافةً إلى عشقها للألوان التي أسبغتها كطلاء خارجي لمنحوتاتها، بكل ما تحمله من بريق ومعطيات فنية معاصرة.

من الصعب الإحاطة بمجمل الاشكال التي توصلت اليها غيلين في اختزالها جسد المرأة، الا اننا نتلمس من خلال المعرض الأخير الذي شاركت فيه قبل أشهر معدودة من رحيلها والذي أقيم في صالةABC في شارع فردان في بيروت وحمل عنوان “هي”، ان العملية الاختزالية لجسد المرأة في منحوتاتها على الصفائح المعدنية الملونة كانت تستخلص البساطة والنقاوة من خلال ثيمات رسم حركة الخطوط الخارجية للشكل التي تعبر عن حيوية التناغم في أسلوب التجسيد الذي يتنامى كشكل دينامي يجمّل الحياة ويذكيها.

الكلمات الدالة

غيلين طوروسيان هاروت طوروسيان نحت