الرئيسية / home slide / رحيل المفكر المصري الفرنسي مصطفى صفوان أحد رواد علم النفس في العالم

رحيل المفكر المصري الفرنسي مصطفى صفوان أحد رواد علم النفس في العالم

جمع بين ثورة فرويد وحداثة جاك لاكان والفكر التحرري لجماعة الإسكندرية

سيد محمود الاثنين 9 نوفمبر 2020 19:57
https://www.independentarabia.com/node/167296

المفكر وعالم النفس المصري الفرنسي مصطفى صفوان (وكالة الصحافة الفرنسية)

قبل أن يبلغ عامه المئة في 17 مايو (أيار) المقبل، رحل في باريس المفكر المصري الفرنسي مصطفى صفوان، أحد أبرز علماء النفس المعاصرين، المعروف باسم “لاكان العرب”، في إشارة إلى ارتباطه الوثيق بأستاذه جاك لاكان، ومدرسته العلم- نفسانية الطليعية.

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي نعاه عدد من المثقفين العرب، معربين عن شعورهم الفادح بالخسارة، إلى جانب تأكيد ما واجهه من تجهيل متعمد في عالمنا العربي، هو الذي كان نجماً في أوساط المتخصصين في فرنسا وأوروبا، بل الأمرُّ أن محاضراته في معظم دول العالم لم تكن متاحة للجمهور مجاناً.وكتبت عنه الصحافة الفرنسية والفرنكوفونية مقالات تفيه حقه.

تولى الراحل رئاسة أهم الجمعيات العلمية في دراسات علم النفس التحليلي، وكتب أغلب مؤلفاته بالفرنسية، ومنها “أربعة دروس في التحليل النفسي”، و”الكلام أو الموت”، و”اللغة بما هي نظام اجتماعي: دراسة تحليلية نفسية”، و”لماذا العرب ليسوا أحرارا”ً، و”حضارة ما بعد الأوديبية”، و”نحو عالم عربي مختلف”، و”دراسات في الأوديب”، و”اللا شعور وصاحبه”، إضافة إلى مساهماته في ترجمة المؤلفات الرئيسة لسيغموند فرويد، ومنها “التحليل النفسي وتفسير الأحلام”، وترجمة كتاب “العبودية المختارة” لبويسي، وكذلك ترجمة مسرحية “عطيل” إلى اللهجة المحكية المصرية، وكان الرئيس الفخري للمركز العربي للأبحاث النفسية والتحليلية في لبنان.

جماعة الإسكندرية

والراحل نجل الشيخ صفوان أبو الفتح الذي كان من أوائل المبشرين بالفكر الاشتراكي في مصر، وخلال دراسته الجامعية ارتبط بما يسمى مجموعة الإسكندرية التي ضمت معه الروائي إدوار خراط، والشاعر الذي انتحر منير رمزي، والمترجم فخري أبو السعود، أحد رواد الأدب المقارن، وكذلك أستاذ الأدب الإنجليزي البارز مجدي وهبة، والممثل محمود مرسي، والشاعر والرسام السوريالي أحمد مرسي، وأغلب هؤلاء كانوا أقرب إلى تبني السوريالية ومقولاتها الإبداعية، وبعضهم كان من بين الناشطين في المنظمات اليسارية .

كتاب “التحليل النفسي” بالفرنسية (دار غاليمار)

وفي حواراته كلها شدد صفوان على أثر بيئته العائلية في تكوين قناعاته ومساره الحياتي والأكاديمي، بفضل ما تلقاه من ثقافة عبر أب متنور عمل في التدريس، وأم كانت ربَّة بيت، وخلال سنوات دراسته أتقن الإنجليزية والفرنسية، وقد تعلمهما على معلمين أجانب كانوا يعملون في المدارس الرسمية .

تخرَّج صفوان في جامعة فاروق الأول (جامعة الإسكندرية حالياً) في الدفعة الأولى عام 1934، درس الفلسفة وعلم النفس، وكان من بين أساتذته الذين أثروا في تكوينه يوسف كرم، ومصطفى زيور، وأبو العلا عفيفي، أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف، والأخيران كانا أعمق تأثيراً، فقد وجهه الأول إلى قراءة فرويد، ولفت الثاني نظره إلى قضية اللغة والمجاز التي ظلت أساسية في تفكيره طوال حياته. وزاد من درجة انشغاله بها تأثير والده الأزهري المستنير، فضلاً عن إعجابه الكبير بلغة طه حسين وعبد القادر المازني، وما اكتسبه عبر نقاشات مجموعة المبدعين الذين أحاطوا به خلال فترة الشباب.

وحين نال منحة دراسية في فرنسا رافق أستاذه زيور إلى هناك بعد أن تعثرت فرص دراسته للفلسفة. وتأثر في باريس بمناخات ما بعد الحرب العالمية الثانية مع صعود البنيوية، وتجذر اكتشافات فردينان دو سوسير في علوم اللغة والألسن، إلى جانب مساهمات  العلام الأنتروبولوجي كلود ليفي ستروس، وهناك تعلم التحليل مع مارك سكولمبرغ، وتدرب عليه مع  العالم الرائد جاك لاكان عام 1949.

تشجيع غاستون باشلار

لمع اسمه بين زملائه حين أشار إليه غاستون باشلار كـ”محلل نفسي شاب يستحق من الشهرة أكثر مما له”، ما سمح له بعد سنوات قليلة بالاستقلال والعمل بصورة منفردة. وفتحت دروس جاك لاكان أمامه المجال لتطوير اهتمامه باللغة والتمييز بين الرمزي والمتخيل؛ فكانت ممارسته للتحليل النفسي أقرب إلى حس عالم اللغة منه إلى السيكولوجي الدينامي.

غلاف النسخة المترجمة لكتاب ما بعد الحضار الاوديبية لمصطفى صفوان ( دار بيسان)

وعلى الرغم من عودته إلى العمل في جامعة الإسكندرية نحو خمسة أعوام في ذروة الصراع على السلطة مع أزمة مارس (آذار) 1954 في مصر بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب، فإنه استاء من الهيمنة السلطوية على الجامعة، وقرر مغادرة مصر، والاستقرار في فرنسا، متخذاً موقفاً جذرياً من النظام الذي جاء به الضباط الأحرار، وألغى – بحسب رأيه – من فرص التعددية السياسية والفكرية التي كانت قائمة خلال العهد الملكي، على الرغم من كل سلبياته التي لم توان في نقدها الجذري .

وبعد أن بلغ ذروة نجاحه الأكاديمي عمل صفوان على اختبار مقولاته حول اللغة والحياة اليومية، وأظهر اهتماماً بتحليل الشخصيات الشكسبيرية، ثم ترجم مسرحية “عطيل” لشكسبير بطلب من تلميذه وصديقه حسين عبد القادر، ونشرتها مكتبة الأنغلو في مصر، لمواجهة الازدواجية اللغوية، واحتقار الناس للسانها الذي اعتبروه “أداة من أدوات السلطة لكسر الناس”، وأكد أنه “من دون تعليم اللغة العامية ستبقى الهوة بين الثقافة والشعب قائمة، وستبقى عملية الخلق الأدبي شوهاء؛ إذ إن اللغة الأدبية مختلفة، ولكنها ليست لغة ثانية” (حوار منشور بمجلة “كلمن”). ورسخ صفوان في مؤلفاته أهمية إيجاد أدب رفيع من اللغة العامية، وهي فكرة ظلت نخبوية ضعيفة التأثير، على الرغم من وجود شعراء لامعين، مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين. .

الربيع العربي

كتاب بالفرنسية (دار دونويل)

وعقب انتفاضات الربيع العربي أبدى صفوان انحيازاً إلى تحركات الجماهير العربية، غير أنه تحفظ في وصفها بالثورات، لافتاً إلى أنها مجرد “انتفاضات”. وفي كتابه “لماذا العرب ليسوا أحراراً”، الذي صدرت ترجمته العربية عن دار الساقي، أظهر متابعة لافتة لهذا الحراك، ولفت إلى أن العالم العربي استورد مفاهيم الديمقراطية والتمثيل والحرية، وما زال يرفع شعاراتها من دون بذل الجهد الكافي لتحديد دلالاتها وحدودها. وقال: “التغيير بحاجة إلى ما هو أبعد من التغيير السياسي، أو الغرق في عبارات مثل: “الشعب يريد”.

وكتبت الناقدة الفرنسية إليزابت رودينسكو مقالا عن صفوان في جريدة “لوموند” أدرجته فيه في خانة علماء النفس العالميين المعاصرين الكبار، ومما قالت:” على المستوى العيادي (الكلينيكي) قاد احتكام مصطفى صفوان المستقيم، إلى نقد التحولات التي طرأت على الأسرة، وبخاصة الزواج المثلي وأعمال الإنجاب المعتمدة طبياً. ولم يكن يتردد في التأكيد أن التحليل النفسي في المجتمع الغربي، يزمع على الإختفاء، وكذلك العقدة الأوديبية التي جعل منها مرتكزاً غير قابل للعزل، في الفكر الفرويدي”.وأضافت: “في نهاية حياته، متشائما ومشبعا بالمرارة … كان يخشى انحطاط المنظومة العائلية وإلغاء الرغبة الجنسية لمصلحة المقاربة الجنسية الصرفة للجنس الإنساني. ويبقى أن صفوان في تعليمه ورهافته التي تند عنه، وبموقفه الصارم جداً من الأصولية الإسلامية ، تمكن من إحاطة نفسه بهالة فريدة في عالم التحليل النفسي العالمي”.